هذا الشعب المسكين

|
أفغانستان بلد سيئ الحظ، شاء الله أن تتلاعب به القوى الكبرى يمينا ويسارا، بعد أن أصبح موضع اهتمام العالم منذ أن غزاه الاتحاد السوفياتي سابقا ظلما وعدوانا، ليتحول هذا البلد بعد ذلك مركزا لكل شيء وأي شيء، ويدفع شعب أفغانستان المسكين الثمن، سواء كان ذلك برضاه أو أرغم على ذلك. ففي مغامرة غير محسوبة أقدم الاتحاد السوفياتي السابق على غزو هذا البلد، والذي ترتب عليه مآس شديدة للجانبين، انتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي وخروجه من أفغانستان بجروح استمرت لسنوات كي يتعافى منها، وفي مغامرة غير محسوبة العواقب أيضا أقدم الرئيس الأمريكي بوش الصغير على احتلال أفغانستان، ردا على أحداث 11 من أيلول (سبتمبر)، بعد أن ظن أن العملية ستكون مجرد نزهة عسكرية تستغرق عدة أيام تسقط فيها حكومة طالبان ويستقر الوضع هناك وتعين حكومة جديدة برعاية أمريكية ثم ينسحب الجنود بعد التأكد من وجود عسكري أمريكي صغير الحجم في المنطقة، وهو للأسف السيناريو ذاته الذي خطط له فيما بعد في العراق، حيث قرر الرئيس الأمريكي استغلال الزخم الذي تم تحقيقه في أفغانستان ليبدأ حربه على العراق، ومن ثم احتلال دولتين إسلاميتين في عامين متتاليين، دون النظر للاعتبارات المالية المترتبة على هذا القرار، وفي سوء تقدير واضح لإدارة المحافظين الجدد في ذلك الوقت للأعباء المالية الهائلة التي يمكن أن تترتب على اندلاع حرب من هذا النوع، وقد كانت تقديرات تكاليف الحرب في ذلك الوقت محدودة، حيث قدمت الحرب للجمهور الأمريكي على أنها مجرد عملية جراحية دقيقة، محسوبة من حيث الوقت والتكاليف والنتائج. وبغض النظر عن المبررات التي قدمت لبدء الحرب، بصفة خاصة الحرب على العراق، ومدى مصداقية تلك المبررات، فإن الواقع أثبت أن دخول الحرب كان كارثة على الاقتصاد الأمريكي، حيث أصبح الوضع في أفغانستان والعراق بمثابة مستنقع يصعب على الإدارة الأمريكية حاليا الخروج منه دون أن تدفع ثمنا باهظا، مثلما كان عليه الحال في التجربة الأمريكية في فيتنام. وبغض النظر عن التكاليف البشرية للحرب، فإن المخصصات المباشرة لتمويل حرب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق آخذة في التزايد على نحو مقلق لصانع السياسة الأمريكي، وعلى الرغم من الادعاء بتحقيق النصر في الحربين، فإن جميع المؤشرات تشير إلى أن الأوضاع قبل الحرب في البلدين ربما كانت أفضل مما هو الحال عليه اليوم، أنا أتحدث عن الأبعاد المرتبطة باعتبارات الأمن والاستقرار السياسي. اليوم أقدم بعدا آخر للوضع في أفغانستان بعد الحرب، وهو الاعتماد الرهيب لهذا البلد المسكين على المعونات الأجنبية. فاليوم يحرص الرئيس الأمريكي أوباما على زيادة التواجد العسكري والمدني الأمريكي في أفغانستان، بهدف تدعيم استقرار أفغانستان والحد من التهديدات الإرهابية التي يمكن أن تتعرض لها أمريكا من المنظمات المتطرفة في هذا البلد، غير أن جلب الاستقرار لنظام أقيم على أساس غزو عسكري قد يبدو مسألة بعيدة المنال، هذا فضلا عن تكلفتها المالية الهائلة. التدخل الأجنبي في أفغانستان بدءا من المغامرة السوفياتية الخاسرة حتى الاحتلال الأمريكي السافر لم يؤد إلا إلى ازدياد الاعتماد الأفغاني على الخارج، وعلى الرغم من التقارير التي تشير إلى حدوث نمو في أفغانستان، قدر بنحو 20 في المائة سنويا منذ عام 2002، فإن لدي ملاحظتين على هذا النمو هما أنه نمو مبهر، ولكنه مضلل، هو نمو مبهر لأنه لا توجد دولة في العالم تحقق هذا المعدل من النمو سنويا، وهو نمو مضلل لأنه يستند إلى لا أساس تقريبا يبنى عليه معدل النمو، فعندما يكون الناتج المحلي الإجمالي صغيرا جدا، فإن أي إضافة إلى هذا الناتج مهما كان حجمها ستظهر في صورة معدل نمو واضح. أما النقطة الأهم فهي أن هذا النمو قد ارتكز أساسا على المعونات الأجنبية، ومن ثم لم يكن نموا ذاتيا، وهنا مكمن الخطورة، وبمعنى آخر لو تصورنا اليوم توقف تدفق المعونات الأجنبية من الحلفاء إلى هذا البلد، فإن الاقتصاد الأفغاني سيعود مرة أخرى إلى المربع رقم 1 وبسرعة أكبر مما نتصور. الشكل التالي يوضح تطور درجة اعتماد الاقتصاد الأفغاني على تدفقات المعونة الأجنبية خلال الفترة من 2002 إلى 2008، ومن الشكل يتضح أن درجة اعتماد الاقتصاد الأفغاني على المعونة (نسبة المعونات إلى الناتج المحلي الإجمالي) قد ارتفعت من 32 في المائة عام 2002 إلى 42 في المائة عام 2008، وهو بهذا الشكل يعد أكبر اقتصاد في العالم يعتمد على الإعانات الخارجية، ذلك أن ما يتدفق من معونات خارجية إلى هذا البلد، ومن المؤكد أن تدفقات السلاح تدخل ضمنها، يساوي تقريبا حجم إجمالي الناتج الذي يتم توليده محليا. ماذا تعني هذه الأرقام؟ إنها ببساطة تعني أن قوى التحالف في أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة فشلت في تحقيق مستهدفاتها كافة في أفغانستان سواء العسكرية أو السياسية أو حتى الاقتصادية. في رأيي لو أن مئات المليارات من الدولارات التي أنفقت في تدمير قواعد هذا البلد وتقطيع أوصاله قد استغلت في إرساء بنى تحتية لاقتصاد عصري في أفغانستان، لكنا جنبنا العالم الويلات التي حاقت به كثمن لهذا الدمار، ولكن قد رأينا أفغانستان اليوم بلدا في طليعة الاقتصاديات الناشئة في العالم، تصدر للعالم الكثير من السلع المدنية بدلا من أن تصدر إليه الإرهاب والهيروين، والآن دعني أطرح هذا السؤال، ماذا كنا نتوقع من أناس يعيشون في بلد مقطع الأوصال، حيث لا يجد سكانه فرصة الحصول على عمل يمكن أن يسدوا به احتياجاتهم إلا من حمل البندقية والانضمام إلى جانب الحكومة أو جانب المعارضة أو لحماية مزارع الأفيون. البندقية تحولت بالنسبة للكثيرين إلى المعول أو أداة تحصيل الرزق الأساسي للناس، وذلك بديل عن الآلة في المصنع أو المحراث في المزرعة. أتصور أن عملية تغيير ثقافة العنف التي تربى عليها الأجيال في أفغانستان لسنوات طويلة منذ الغزو السوفياتي وانتهاء بالاحتلال الأمريكي سيتطلب وقتا طويلا جدا قبل أن يتحول هذا البلد المسكين مرة أخرى للانضمام إلى معسكر العالم المتحضر. لا شك أن الثمن الذي أجبر الشعب الأفغاني على دفعه، رغما عنه، هو ثمن فادح، ولا شك أنها تجربة قاسية أن يجد شعب نفسه، دون حول منه ولا قوة، يتحول بسرعة ودون سابق إنذار إلى نظم تطبق فلسفات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وهو حائر بين كيفية التكيف لاستيعاب استحقاقات هذه التقلبات الحادة. ليس غريبا إذن أن يفقد الشعب الأفغاني هويته وسط هذا المعترك الرهيب من الأحداث، ومما لا شك فيه أنه لو تعرض أي شعب في العالم لما تعرض له الشعب الأفغاني فإنه لن يكون أقل تطرفا منه. أدعو الله أن يخلص الشعب الأفغاني من جميع النكبات التي فرضت عليه وأن يعود مرة أخرى إلى العالم لكي يصدر له رجالا يحملون شعلة التنوير مثلما فعل جمال الدين الأفغاني في مصر، وليس الرجال الذين يصدرهم للعالم اليوم.
إنشرها