الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 3 يونيو 2026 | 17 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

المجتمع وحماية الآثار الطبيعية

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الخميس 29 أبريل 2010 23:5

تشكل متاحف الآثار الطبيعية في عالم اليوم واحدا من أهم أبواب السياحة، وهناك عديد من الدول التي تعتمد في اقتصاداتها على سياحة الآثار والمتاحف المفتوحة، التي أصبحت وفقا لتعريفات "اليونسكو" جزءا من التراث الثقافي العالمي الذي يخضع لجملة من الاتفاقات الدولية المبرمة لحمايته والحفاظ عليه من العبث، حيث تمثل تلك المتاحف الضمير الحقيقي والحي لتاريخ الحضارات والشعوب بما تضعه بين أيدي الناس من دلائل وصور وشواهد قائمة يمكن استبطانها لقراءة أكثر وعيا للتاريخ.

ونحن في المملكة - هذه الأرض التي لا تزال تشكل أكبر خزان للتاريخ بحكم تعاقب كثير من الحضارات على أديمها - نستطيع أن نقول إننا بتنا نشهد ما يشبه الصحوة المتحفية خاصة بعدما انتقلت مسؤولية الآثار من جهاز التعليم إلى الهيئة العامة للسياحة والآثار بحكم التخصص، حيث يجري التأسيس للاستثمار الموجود من الآثار لمصلحة العمل السياحي إلى جانب تعزيز أدوات البحث والتنقيب للكشف عما لم يكتشف منها بعد، غير أن التقرير الذي نشرته "الاقتصادية" السبت 24/4/2010 م عن العبث الذي تعرض له واحد من أقدم المتاحف الطبيعية في مركز الشويمس جنوب غربي مدينة حائل، الذي يرجح أنه يعود إلى ما قبل أكثر من 12 ألف عام، ويضم موقعي (راجا) و(المنجور)، ويحتوي على عدد من الرسوم الأثرية لأشكال آدمية وحيوانية إلى جانب الأقواس والنبال والمنحوتات الصخرية، وفق الدراسات التي أجراها الخبير الأسترالي الدكتور روبرت بد نارك، بذريعة البحث عن الكنوز في المقابر من قبل بعض ضعاف النفوس، يضعنا أمام تساؤل لا بد منه حول المسؤولية الوطنية التي يجب أن يتصدى لها المجتمع قبل المؤسسات لحماية مثل هذه المواقع كجزء من تراث الأمة وتاريخها، وهي مسؤولية لا تتحقق بالأماني والرغبات بقدر ما تتحقق بالوعي بالقيمة الحضارية لمثل هذه الموجودات، فإذا كانت الجهات المعنية وفي مقدمتها الهيئة العامة للسياحة والآثار قد أحاطت الموقع بسياج حديدي لحمايته، فإن تسويره بالكامل لن يحميه من عبث العابثين في مثل هذه الصحاري البعيدة، ما لم تكن هناك حالة وعي عام تؤمن بالقيمة الحقيقية التي لا تقدر بثمن في الحفاظ على هذه الآثار وصيانتها من التخريب والإهمال كملكية عامة وحضارية مخولة لتقديم الوجه الثقافي للبلد أمام العالم.

نعم .. نحن مطالبون وبقوة بتعزيز أساليب الحماية لهذه الآثار، ومطالبون بتسريع إيصال خدمات الطرق إليها لوضعها على الخريطة السياحية بأقصى سرعة ممكنة، وإتاحتها لهواة سياحة الآثار وللباحثين والدارسين .. لكننا في المقابل مطالبون أيضا بتبني خطة توعية في محيط هذه المواقع غير المنقولة لرفع درجة المسؤولية الجماعية تجاهها، خاصة أن هناك كثيرا من المواقع التي تزخر بها المملكة، ولا تزال ربما في طور الاكتشاف، الأمر الذي قد يسهم في التفريط فيها أو تشويهها على الأقل، لأنه بات من الواضح أن من يقوم بمثل هذه الأعمال لا يعرف شيئا عن القيمة الحضارية والثقافية لهذه الرموز الأثرية .. فهم وفق الاستنتاجات التي خرج بها التقرير يفتشون في القبور عما يعتقدون وفق بعض الشائعات أنه يشكل ملاذا للكنوز القديمة، وقد حدث أن تعرضت مقابر أثرية قديمة وكثيرة وفي مواقع مختلفة للعبث ذاته بواسطة الجرافات ليلا بعد سريان شائعات عن أن تلك الحضارات الضاربة في القدم كانت تدفن موتاها إلى جانب مكتنزاتهم من الحلي والجواهر، ما أدى إلى تغيير معالم الأرض وتشويه محتوياتها، استجابة لأطماع تولدت من رحم الخرافة، وسيطرت على عقول بعض الباحثين عن الثراء السريع ولو على حساب تاريخ الوطن وتراثه ومقتنياته الأثرية.

إن ما يجب أن يعيه الجميع أن حماية التراث والآثار هي أحد مفاتيحنا لبناء اقتصاد سياحي متين أول من سيفيد منه هم هؤلاء العابثون والباحثون عن أوهام الكنوز، غير مدركين أنهم بعبثهم هذا يبددون أكبر ثرواتهم التي يمكن أن تؤسس لهم قبل سواهم مصادر دخل مجزية عندما تكتمل البنية السياحية للوطن، وتفرغ هيئة السياحة من تنفيذ برامجها الطموحة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية