لا يهتم كثير من الناس بما تعلنه بعض المجلات المتخصصة عن أثرياء العالم ومن هو في المركز الأول أو الثاني أو العاشر، فالناس يرون أن هذا شبيه بما ينشره كتاب جينيس للأرقام القياسية التي لا تهم إلا أصحابها، أما البقية فهم متفرجون.
ما يهم الناس هو مدى مساهمة رجل الأعمال في تنمية مجتمعه، وما يقدمه لمواطنيه من فرص عمل شريف، وما عدا ذلك فمجتمعات كثيرة تئن تحت وطأة مشروعات لا تأخذ منها إلا مخلفاتها التي تلوث البيئة، أما منتجاتها الجيدة، وتشغيل اليد العاملة فلصالح دول أخرى.
وقبل أيام أعلنت مجلة ''فوربس'' قائمة أغنى المليارديرات في العالم لعام 2010م، وظهرت أسماء لم تكن معروفة للناس من قبل، واختفت أسماء كانت تتباهى بما حققته من نجاح، وكانت المفاجأة أن الملياردير المكسيكي من أصل لبناني كارلوس سليم حلو استطاع أن يتربع على المركز الأول بثروة قدرت بنحو 53،5 مليار دولار بعد أن زحزح الملياردير الأمريكي بيل جيتس إلى المرتبة الثانية بفارق '' بسيط '' وهو نصف مليار دولار فقط ، ورغم تراجع بيل جيتس إلى المرتبة الثانية، إلا أن الأمريكيين شكلوا 40 في المائة من العدد الإجمالي، حيث بلغ عدد من دخل منهم قائمة المليارديرات هذا العام 403 ، وهذا الرقم رغم ضخامته إلا أنه أقل من الرقم الذي سجل العام الماضي وهو 793 مليارديرا.
وبالطبع كان نصيب العرب من هذه القائمة جيداً ، حيث جاء في المركز الأول بينهم الأمير الوليد بن طلال، الذي حل في المرتبة الـ 19 عالمياً، بعد أن بلغت ثروته 19،4 مليار دولار مقابل 13،3 مليار دولار عام 2009م. إلا أن هناك أسماء عربية عديدة غابت عن هذه القائمة، بسبب دخولها في مغامرات غير محسوبة، وبسبب تقلبات الأسواق المالية.
ولأن الغنى والفقر درجات ، فلم تخل هذه القائمة من فقراء، وهؤلاء الفقراء هم الذين لم تتجاوز ثروة كل منهم مليار دولار، وهؤلاء حلوا في آخر قائمة المليارديرات.
وعودة إلى كارلوس سليم (70 عاماً) فقد استطاع بناء ثروته من استغلال الفرص التي تحدث أثناء الأزمات ويحجم الآخرون عن اغتنامها، ففي كل أزمة تتعرض لها المكسيك كان كارلوس يسارع لشراء ما يعرض من عقارات وشركات، ولهذا فقط أصبح المسيطر على كثير من مفاصل الحياة في المكسيك، بحيث لا يمكن أن يحجز أحدٌ في فندق أو يأكل في مطعم أو يشتري خبزاً أو يتصل عبر الهاتف، إلا وكان لكارلوس سليم نصيب مما يدفع من أموال.
والغريب أن والد كارلوس سليم هاجر من لبنان هرباً من الخدمة في صفوف الجيش العثماني، وأثناء الثورة المكسيكية تاجر في العقارات فحالفه الحظ وبني شركة تجارية كبيرة، وورث ابنه كارلوس عنه هذه المهنة.
كارلوس سليم سُئل عن شعوره كأحد أغنياء العالم في بلد فيه 50 مليون فقير، فكانت إجابته: ''لن آخذ معي شيئاً عندما أموت''.
هؤلاء الذين تضمنتهم القائمة، ليسوا الأكثر تأثيراً في الحياة العامة، فجزء منهم ليس له أثرٌ محمود في مجتمعه، في حين هناك من هم أقل منهم ثراء، لا يُذكرون إلا مصحوبين بالثناء والتقدير على ما يقدمونه من أعمال خير غالبها غير معلن.
أخيراً مهما قيل عن الأسباب التي ساعدت هؤلاء المليارديرات على جمع ثرواتهم، إلا أن هذا لا يبعد دور الحظ الذي قال فيه الشاعر:
إن جاد حظك باع لك واشترى لك
فوايده من كل الأبواب تأتيك
وان بأربك دلاّ يهـزّل حلالـك
باردا ثمن لزمٍ يبيعـك ويشريـك
***
