استثمار مؤتمر التنافسية لتصحيح المسار

|
الأوطان لا تبنى إلا بسواعد وعقول أبنائها مهما قيل غير ذلك. وهذه السواعد والعقول هي رأس المال البشري الذي يولد ثروات الأمم. إن هذا هو النهج الذي تبناه قائدنا -حفظه الله - ويجسده بقوله ويتبع قوله بفعله بضخ المليارات من الميزانيات وما يفيض عنها في الاستثمار في التعليم والتدريب ويتبنى التحول لاقتصاد المعرفة رديفا ًلا ينضب ثم بديلا ًمستقبليا عن الاعتماد على البترول الناضب. تُولي الدول ذات الاقتصاديات الناجحة أهمية قصوى للمنشآت الصغيرة والمتوسطة لكونها تمثل الشريحة الأكبر من القطاع الخاص ولتشغيلها للأغلبية الساحقة من القوى العاملة في تلك الاقتصادات فهي تشغل ما نسبته 81 في المائة في اليابان، 80 في المائة في إيطاليا، 56 في المائة في الولايات المتحدة، 59 في المائة في بريطانيا، 86 في المائة في باكستان، 76 في المائة في تركيا، ولكن تبين الإحصائيات عام 2004م بأن 93 في المائة من إجمالي المنشآت في المملكة صغيرة ومتوسطة تستوعب 24 في المائة من إجمالي العمالة المواطنة. ومن المؤكد أن هذه النسبة تقلصت بفعل استشراء التستر في السنوات الأخيرة . وتعّرف المنشأة الصغيرة والمتوسطة بعدد من يعملون بها من 1 إلى 19 عاملا ً وتعرفها بعض الدراسات بأنها توظف أقل من عشرة عمال ورأسمالها 200 ألف ريال. اللافت هو تتابع دعوات خطط التنمية بدءا من الخطة الخامسة وحتى الثامنة للتركيز على المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتبسيط إجراءات إنشائها ودعمها تقنيا ً وإداريا ً وتمويليا ً ولكن هذه المنشآت تسير من سيء إلى أسوأ ويتقلص عدد من يعملون فيها من المواطنين وأصبح دور المواطن هو دور المالك الوهمي لهذه المنشآت وأصبحت كثرتها تعني المزيد من استقدام الوافدين بدلا ً من تشغيل المواطنين في تلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة. تتعدد الجهات التي ترخص للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أو تدعم إنشائها أو تشترك في إصدار التراخيص لها أو توفر لها الأراضي أو تقدم لها فكرة للاستثمار أو تقدم لها دراسة الجدوى أو الدعم التقني والإداري والقانوني أو التدريبي وهذه الجهات هي إدارات الاستثمارات في كل بلدية أو أمانه منطقة، الهيئة العامة للاستثمار، هيئة المدن الصناعية، وزارة التجارة والصناعة، وزارة الصحة، وزارة التربية والتعليم، وزارة النقل، وزارة العدل، وزارة الثقافة والإعلام، وزارة الزراعة، وزارة البترول والثروة المعدنية، وزارة العمل، الهيئة الملكية للجبيل وينبع، حاضنات التقنية في الجامعات، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، رواد الأعمال في المؤسسة العامة للتعليم التقني، الغرف التجارية الصناعية، هيئة السياحة، الأسر المنتجة في وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الخيرية. أما من ناحية التمويل فتتوزع مهمة تمويل الاستثمار في المنشآت الصغيرة والمتوسطة على بنك التسليف والادخار بدءاً من عام 1427هـ وصندوق المئوية الذي تتشارك فيه البنوك التجارية مع الحكومة مناصفة وصندوق تنمية الموارد البشرية وصندوق التنمية الزراعية وشركة عبد اللطيف جميل وصندوق التنمية الصناعية. لا يزال الاستثمار في المنشآت الصغيرة والمتوسطة يعاني صعوبات تنظيمية وتنسيقية وتمويلية تعوق أداءه لدوره في تشغيل نسبة ساحقة من القوى العاملة المواطنة. لو دققنا النظر في الجهات التي ترخص لهذا النوع من الاستثمار أو تشارك في دعمه بصورة من الصور لوجدناها جهات غير معنية بالاستثمار في الأساس وغير متخصصة به ولها مهام أخرى وألصق بها هذا الجانب الاستثماري لغياب جهة متخصصة ترعى الاستثمار الداخلي وتتخصص في توفير مقوماته من تراخيص ودراسات جدوى ودراسات سوق وتنافسية محلية أو دولية، ودعم تقني وتدريبي وترويج دعائي منذ الترخيص له حتى يأخذ دوره في السوق. إن تشتت مرجعيات التراخيص والدعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة سبب ضياع فرص استثمارية هائلة كما سبب أحيانا ً تعارضا وازدواجية بين جهود الجهات المرخصة والممولة والداعمة وسبب استشراء الروتين في بعض الجهات حتى أصبح هذا الروتين ذريعة للفساد الإداري، مما سبب عزوف المستثمر عن الفرص الاستثمارية. ويمثل التستر أكبر العقبات أمام الاستثمار في المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتوظيف المواطنين فيها وذلك لوجود كم هائل من المؤسسات الفردية الصغيرة التي يرخص لها وتستغل للاستقدام وتشغيل العمالة الوافدة الرخيصة مما يستحيل معه على المواطن منافستها فيستسلم المواطن ويتحول من مستثمر مفترض إلى متستر مرغما. إن تشتت وتعدد مرجعية التراخيص للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وتعدد مصادر تمويلها ورعايتها دون تنظيم أو تنسيق واستشراء التستر في هذا القطاع الكبير أوقف عمليا ً جهود الدولة لدعم الاستثمار في المنشآت الصغيرة و المتوسطة وأفقد اقتصادنا رافدا ً مهما ً لتوليد الوظائف التي تناسب ميول المواطن و رغباته وظروفه في العمل الحر المجدي. لا يوجد لدينا حاليا جهة متخصصة في الاستثمار سوى الهيئة العامة للاستثمار التي نشأت عام 1421هـ وهي هيئة حكومية لها مرونة القطاع الخاص وورثت من الحكومة بعض العلل التي تعوقها مثل تطبيق نظام الخدمة المدنية على بعض موظفيها واقتصارها على الترخيص للاستثمار الأجنبي دون المحلي والتشكيك في بعض مشاريعها وغير ذلك من معوقات مرحلة التأسيس وضغوط الوفاء بالتزاماتها تجاه المستثمرين الأجانب والمجتمع. ورغم ما يحيط بهذه الهيئة من معوقات إلا أنها نجحت في الحصول على المرتبة 13 على مقياس تسهيل إنجاز الأعمال عام 2009 م. إن المستثمر المحلي أحوج ما يكون إلى تسهيل إنجاز التراخيص وتذليل عقبات التمويل والروتين القاتل لأي مبادرة استثمارية. إن المستثمر المحلي أحق بقطف ثمرة ما تحسن الهيئة العامة للاستثمار عمله وهو تسهيل إنجاز الأعمال خصوصا أن نظام الاستثمار الأجنبي لم يأت لنا ولاقتصادنا بما كنا نأمله منه في توطين تقنيات جديدة أو توليد فرص عمل للمواطنين بل إن الهيئة تُتهم بأنها أصبحت تنافس وزارة العمل في توفير تأشيرات للوافدين باسم الاستثمار الأجنبي الخدمي بالذات وتسهم في منافسة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي يعمل فيها مواطنون. لقد جمعت الهيئة جميع الجهات التي يحتاج إليها المستثمر الأجنبي تحت سقف واحد وما أحوجنا لمثل هذا في كل مدينة في المملكة لينعم المستثمر المحلي بهذه الميزة التي تختصر له الزمن والجهد والتكاليف وتحميه من الروتين والفساد الإداري عندما يرغب في الحصول على ترخيص أو تمويل أو دعم. إن حجم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد وما تولده من مئات المليارات التي يفقدها اقتصادنا من تحويلات سنوية للخارج يحولها المستثمرون المتستر عليهم بلغت 90 مليار ريال عام 2009م، وهذا ما سجل رسميا عن طريق البنوك وما خفي أعظم. وما تنذر به إحصائيات السكان التي تشير إلى إن سكان المملكة سيبلغون 40 مليوناً عام 1440هـ و28 مليوناً منهم في سن العمل، وما يعانيه هذا القطاع حاليا من تشتت وروتين ونقص في التمويل والدعم، وعودة بعض الرساميل المواطنة من الخارج بعد كارثة إفلاس البنوك الأمريكية والغربية لما يعج فيها من فساد مالي وفراغ نظامي. كل هذه المبررات تدعو ولاة الأمر في بلادنا للتفكير جديا في إصلاح ما يعانيه هذا القطاع الاقتصادي المهم والتفكير في إيجاد استراتيجية شاملة للاستثمار في البلاد تعيد لاقتصادنا ما يُسلب منه سنويا من فرص وظيفية نحن بأمس الحاجة إليها ومليارات من التحويلات نحن أحق بأن تدور في عجلة اقتصادنا. إن الهيئة العامة للاستثمار بحكم تخصصها إن أحسن استغلالها وأعطيت المرونة والدعم وحصنت ضد التحول إلى بيروقراطية يمكن تكليفها بدور المرجعية للاستثمار المحلي والأجنبي بعد تغيير نظامها الحالي وخصوصا أن اللائحة التنفيذية لتنظيم الهيئة العامة للاستثمار تنص في مادتها الثالثة على هذه المهمة. ويمكن أن تحفظ الهيئة حق الجهات من المنافع التي كانت تجنيها من استثماراتها كالاستثمارات البلدية مثلا ويبقى للهيئة إدارة هذا الجانب بالتعاون والتنسيق مع كل جهة ومع الغرف التجارية الصناعية في كل منطقة لتتفرغ كل جهة أو وزارة لمهمتها الأساسية وتحيل ما لديها من فرص استثمارية للهيئة لإدارتها بشكل تجاري تنافسي ومهني وبذلك يستعيد اقتصادنا ما يُسلب منه سنويا من أموال وفرص عمل.
إنشرها