أداء الاقتصاد الوطني مرتبط بأداء القطاع الحكومي.. ولدينا باب للتحكم في السيولة غير الفائدة

## هل تتوقعون أن يكون هذا العام 2010 هو عام توديع تداعيات الأزمة المالية حول العالم.. أم أن هناك نارا باقية تحت القشة ربما تنفجر في أي وقت وتعيد الاقتصاد العالمي إلى نقطة سبتمبر 2008؟ لكي نحدد ما إذا كان العالم قد تجاوز تداعيات أزمة المال العالمية من المهم أولاً أن نوضح أن هذه الأزمة كانت عبارة عن حالة من الهلع والخوف من أن تؤدي أزمة الرهن العقاري الأمريكية إلى انهيار في النظام المالي العالمي وحدوث كساد حاد في الاقتصاد العالمي، ومما لا شك فيه أن هذا التخوف لم يعد قائما الآن، فقد استفادت دول العالم من تجربة الكساد العظيم فسارعت إلى تبني سياسات نقدية ومالية توسعية نجحت في إعادة الاستقرار إلى النظام المالي العالمي وحدت من تأثيرات هذه الأزمة في الناتج الكلي ومعدلات التوظيف في معظم الاقتصادات الرئيسة في العالم بصورة تجعلنا مطمئنين للقول بأن هذه الأزمة قد تم تجاوزها فعلا، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة حدوث تحسن سريع في أداء الاقتصاد العالمي فمن غير المستبعد حدوث تراجع إضافي في أداء بعض الاقتصادات العالمية مع تلاشي قوة الدفع الإيجابية التي حققتها تلك الاقتصادات بفضل خطط التحفيز المالي، إلا أن أيا من ذلك لا يمكن أن يشكل خطراً على النظام المالي العالمي أو ينذر بموجة كساد حادة في الاقتصاد العالمي. ## كيف تقيسون توجهات الاقتصاد السعودي في هذا العام (2010).. هل تتوقعون العودة إلى مستويات النمو للاقتصاد الكلي للاقتراب من معدلات 2007 و2006؟ - وكذلك توجهات الاقتصاد الخليجي. كما نعرف جميعاً فإن أداء الاقتصاد السعودي والخليجي بشكل عام مرتبط بأداء القطاع الحكومي الذي يعتمد بدوره على أداء سوق النفط العالمية، إلا أن المملكة استطاعت الحد من هذا التأثير السلبي لتراجع أسعار النفط من خلال محافظتها على سياسة مالية توسعية، فتقرير وزارة المالية السعودية الصادر بمناسبة ميزانية 2010 يظهر إنه رغم تراجع أسعار النفط الخام وبالتالي الإيرادات النفطية إلا أن الإنفاق الحكومي ارتفع في 2009 بنسبة 8 في المائة عن معدلاته في 2008 بحيث وصل إلى 550 مليار ريال، من ثم فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في 2009 نمواً بلغت نسبته 3 في المائة، وحيث يتوقع أن تواصل المملكة هذه السياسة التوسعية فمن المرجح أن يصل الإنفاق الحكومي في عام 2010 إلى نحو 600 مليار ريال ما سيسهم في محافظة الاقتصاد السعودي على أداء جيد خلال عام 2010 سيدعمه دون شك حدوث تحسن في أداء الاقتصاد العالمي في 2010 لما لذلك من انعكاسات إيجابية على سوق النفط العالمية. والأمر نفسه بالنسبة للاقتصادات الخليجية الأخرى مع بعض التباين في الأداء من اقتصاد لآخر، حيث يتوقع مثلاً أن يكون الاقتصاد القطري الأفضل أداء بين الاقتصادات الخليجية فيما يستمر التأثير السلبي لأزمة ديون دبي في أداء الاقتصاد الإماراتي. ## القطاع المالي السعودي محجم عن الائتمان الأمر الذي دفع الحكومة, ممثلة في صناديق التمويل (الصناعي والتنمية والاستثمار) إلى رفع تمويلاتها للمشاريع.. هل تتوقعون استمرار هذا النهج خلال هذا العام, أم أن البنوك ستعاود نشاطها الائتماني؟ عندما نتحدث عن الائتمان المصرفي في المملكة فإن علينا أن نضع في الحسبان حقيقة مهمة وهي أن معظم الائتمان المصرفي في المملكة قصير الأجل، ففي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي كان نحو 458 مليار ريال أو 61 في المائة من إجمالي الائتمان المصرفي قصير الأجل فيما لم يشكل الائتمان المصرفي طويل الأجل إلا نحو 24 في المائة فقط. من ثم فإن دور البنوك في تمويل المشاريع محدود ويقتصر في الغالب على تسهيلات بنكية قصيرة الأجل تمنح للشركات المنفذة للمشاريع الحكومية تؤمن لها تدفقات نقدية إلى أن تحصل على مستحقاتها من الدولة، وحيث إن هذه البنوك ضامنة لمستحقاتها لدى تلك الشركات، كون مستحقاتها لدى الدولة تحول مباشرة إلى البنوك المقرضة، فإنه لا يوجد أي مبرر لإحجام البنوك عن مثل هذا التمويل، كما أن القرارات الأخيرة بزيادة الدفعات المقدمة لمنفذي المشاريع وتسريع صرف مستحقات المقاولين يحد كثيرا من أهمية حدوث أي إشكالية في هذا الشأن. والحقيقة أنه لا يوجد أي دليل ملموس على إحجام البنوك عن الإقراض، فالبيانات الصادرة عن مؤسسة النقد تشير إلى أن حجم الائتمان المصرفي في تشرين الأول (أكتوبر) 2009 بلغ نحو 751 مليار ريال وهو ما يزيد على حجمه في آب (أغسطس) 2008، أي قبل حدوث أزمة المال العالمية مباشرة، بنحو 31 مليار ريال. ## ما توقعاتكم لاتجاه الدولار خلال عام 2010 وبالتالي انعكاسه على حركة السياسة النقدية في العام بما فيها السعودية. كانت التوقعات تشير إلى أن أحد أبرز تداعيات أزمة المال العالمية تراجع كبير في سعر صرف الدولار إلا أن هذا لم يحدث بسبب الإقبال الكبير من قبل المستثمرين في العالم على سندات الخزانة الأمريكية حيث رأوا أنها، وفي ظل حالة التوتر والقلق الذي سادت الأسواق، القناة الاستثمارية الأكثر أمنا حيث لا يتوقع أن تفلس الولايات المتحدة أو تعجز عن السداد، ما وفر دعماً قوياً للدولار في الأشهر القليلة التي تلت بدء الأزمة. ومع العودة النسبية للثقة شهد سعر صرف الدولار تراجعاً أمام عديد من العملات الرئيسة في العالم بحيث وصل مؤشر الدولار قبل عدة أسابيع إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات، إلا أن تجدد المخاوف من الوضع المالي في عدد من دول منطقة اليورو، خاصة اليونان وأيرلندا وإسبانيا وإيطاليا، أضعف الثقة باليورو بشكل واضح ما أجبره على التراجع أمام الدولار خلال الأسابيع القليلة الماضية، وحيث إن الوضع المالي والاقتصادي في بريطانيا واليابان قد لا يكون أحسن كثيراً من الحال في منطقة اليورو، فإن ذلك قد يعني أنه رغم كل الصعوبات التي يعانيها الدولار وعوامل الضعف التي تملي تراجعه أمام العملات الرئيسة في العالم إلا أن عدم الثقة بالوضع المالي في الدول الصناعية الأخرى، خاصة منطقة اليورو، قد يوفر دعماً للدولار يمنع تراجعه بشكل كبير أمام العملات الأخرى. ## الفائدة لدينا حاليا في أدنى مستوياتها تاريخيا.. هل تتوقع رفعها تدريجيا لمواجهة الضغوط التضخمية المرتقبة وكذلك فتح قنوات استثمارية لإبقاء أموال البنوك في الداخل؟ ربط الريال السعودي بالدولار الأمريكي يعني تلقائياً أن معدلات الفائدة محلياً ستكون مرتبطة بمعدلات الفائدة على الدولار وغير متأثرة بتاتاً بالظروف الاقتصادية المحلية، فدون هذا الارتباط ستصعب المحافظة على ثبات سعر الصرف بين العملتين وتزداد الحاجة إلى تدخل مؤسسة النقد في أسواق الصرف، من ثم يصبح من غير الممكن استخدام معدلات الفائدة بشكل فاعل للحد من التضخم وستبقى معدلات الفائدة محليا مرتبطة بمعدلاتها على الدولار. إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق أنه لا يمكن أن يكون لدينا سياسة نقدية مستقلة، فالسياسة النقدية يقصد بها التأثير في النشاط الاقتصادي من خلال تغيير حجم المعروض النقدي أو السيولة في الاقتصاد، وفاعليتها تقاس بمدى امتلاك السلطة النقدية ما يكفي من الوسائل التي تمكنها من ذلك، أما معدلات الفائدة فلا تعدو كونها إحدى الأدوات التي تستخدمها السلطة النقدية للتأثير في معدلات نمو السيولة، وليست بأي حال الأداة الوحيدة المتاحة. فمؤسسة النقد تمتلك أدوات أخرى بخلاف معدلات الفائدة للتحكم في معدلات نمو السيولة المحلية، فبيدها تغيير مستوى الاحتياط القانوني أو نسبة الودائع البنكية التي يجب الاحتفاظ بها لدى مؤسسة النقد، ما يؤثر في قدرة البنوك على الإقراض، وتستطيع المؤسسة من خلال عمليات السوق المفتوحة، أو عمليات بيع وشراء السندات الحكومية، أن تزيد السيولة المحلية من خلال إعادة شراء تلك السندات أو الحد منها من خلال إصدار المزيد منها. بل إن هناك أداة مالية متوافرة للسلطة النقدية في المملكة، ليست حتى متاحة للسلطات النقدية في دول أخرى عديدة، وهي إمكانية التأثير في السيولة المحلية من خلال تغيير نسبة ملكية الدولة في الشركات القائمة، فمن خلال بيع جزء مما تملكه الدولة من أسهم تلك الشركات، يمكن امتصاص فائض السيولة والحد من أي ارتفاع مبالغ فيه في معدلات نموها، ما يضمن نموها وفق معدلات تتناسب مع معدلات النمو الاقتصادي ولا تتسبب في زيادة الضغوط التضخمية في الاقتصاد المحلي.
إنشرها

أضف تعليق