تجاوزنا هواجس انهيار النفط.. واقتصادنا بحاجة إلى بنك للتمويل طويل الأجل

## هل تتوقعون أن يكون عام 2010 هو عام توديع تداعيات الأزمة المالية حول العالم.. أم أن هناك نارا باقية تحت القش ربما تنفجر في أي وقت وتعيد الاقتصاد العالمي إلى نقطة أيلول (سبتمبر) 2008؟ عالمياً، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد العالمي بنحو 3.1 بالمائة في العام المقبل 2010. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن الجدل أن تداعيات الأزمة المالية ستستمر، لكن بحدة أقل مما عايشه الاقتصاد العالمي في عامي 2008 و2009. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يخرج اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية من انكماشه في عام 2010. ومع ذلك، يبدو أن التوجه هو أن عام 2010 سيكون بمثابة "تباشير" خروج العالم من تداعيات الأزمة المالية العالمية. لكن لا بد من الإقرار بأن هذه "التباشير" غضة؛ انظر ما الذي حدث عالمياً نتيجة دربكة شركة دبي العالمية، وتذكر أن قبلها كان المشهد العالمي والتقارير تفيد بأن الاقتصاد العالمي في طور التعافي! الاقتصاد العالمي يبدأ بالتعافي الذي يمكن أن يحمل على محمل الجد عندما تبدأ الاقتصادات الرئيسة الثلاثة في العالم في الخروج فعلاً من انكماشها. في هذا الصدد، تفيد توقعات صندوق النقد الدولي أن الاقتصادات الثلاث: الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان ستنمو إيجابيا في عام 2010 بنحو 1.1 في المائة و0.3 في المائة و1.7 في المائة على التوالي. هل ستتحقق هذه التوقعات؟ وليس محل جدل أن هذه الاقتصادات الثلاث توجهت استراتيجياً لإخراج اقتصاداتها من الانكماش عبر إطلاق حزم للحفز الاقتصادي. مهما يك من أمر، يمكن القول إن العالم يستقبل عام 2010 متفائلاً، أو لنقل أكثر تفاؤلاً مما كان عليه في العام الماضي. ومع ذلك، يجب التحذير من أن المناخ الاقتصادي العام سيكون أقل احتمالاً للأخبار السلبية، إذ إن مناخ التعافي عالي الحساسية للأخبار السلبية. هذا ما لوحظ تفاعلاً مع أخبار "دبي العالمية"، على سبي المثال لا الحصر. ولكن بالمقابل، فإن الحساسية مؤثرة في الطرف الآخر، الذي يعتقد أن هناك حاجة للتحوط، فمثلاً تراجعت أسعار الذهب بعد إعلان الولايات المتدة الأمريكية الشهر الماضي تشرين الثاني (نوفمبر) عن أخبار إيجابية تتعلق بمستوى البطالة! محلياً، طوينا صفحة العام المالي 2009 بالاطمئنان إلى تجاوز سعر النفط هواجس الانهيار التي أرعبتنا في الربع الأخير من عام 2008 واستمرت في تشويه المشهد الاقتصادي حتى بعد انقضاء الربع الأول من عام 2009.. والمخاوف كانت في محلها، فاقتصادنا منكشف انكشافا هائلاً على النفط وإيراداته. ففي عام 2009، كانت أسعاره تكابد في بحر الثلاثين دولاراً في كانون الأول (ديسمبر) الماضي أما الآن فقد تجاوز ضعف ذلك.. وفوق ذلك، فمتوسط سعر النفط للعام الحالي يقدر بنحو 61.5 دولار أمريكي، وهو مرشح ليكون خلال العام المقبل 2010 أعلى من ذلك بنحو 25 بالمائة. والأمر الذي يجعل أسعار النفط أكثر تماسكاً هو القرار الذي توصلت إليه "أوبك" في إجتماعها بالإبقاء على إجمالي إنتاج أعضائها دون 25 مليون برميل يومي، مما يحسّن فرص الحفاظ على متوسط السعر فوق الـ 70 دولاراً لعام 2010. وهكذا، يمكننا القول إن السعودية تستقبل العام الجديد بقدر أعلى من الاطمئنان، حيث تواصل حكومة خادم الحرمين الشريفين زيادة الإنفاق، وأدى ذلك التعامل المبادر إلى تجنيب الاقتصاد السعودي مخاطر الانكماش، وبذلك واصل الناتج المحلي الإجمالي نموه بـ (الأسعار الثابتة) دونما انقطاع منذ عام 2000. وبالنظر إلى الاحتمال القائم بتحسن إيرادات النفط، فقد يغلق العام المقبل بإيرادات نفطية تتجاوز 800 مليار ريال. ## كيف تقيمون توجهات الاقتصاد السعودي في هذا عام 2010.. هل تتوقعون العودة إلى مستويات النمو للاقتصاد الكلي للاقتراب من معدلات 2007 و2006 وكذلك توجهات الاقتصاد الخليجي؟ ترجح قراءة المؤشرات للقطاعات النفطية وغير النفطية إمكانية أن يحقق الاقتصاد السعودي نمواً إيجابياً في 2010 يتجاوز 3 في المائة، والزيادة في النمو ترتكز على النمو المتوقع في الإيرادات النفطية بما يتجاوز 25 في المائة عن مستويات العام الحالي. وكذلك تعافي الصادرات غير النفطية خصوصاً في قطاع البتروكيماويات، وأخيراً وليس آخراً استمرار المستوى العالي للإنفاق الحكومي ذلك أن المرصود لعام 2010 يقدر بنحو 540 مليار ريال في حين أن ما أنفق فعلاً في 2009 يبلغ (حسب التقديرات الرسمية) 550 مليار ريال. تجدر الإشارة إلى أن الزيادة في الإنفاق الاستثماري المعلن في ميزانية 2010 ليبلغ 260 مليار ريال، تنسجم مع رغبة الحكومة في تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي متوسطه السنوي يتجاوز 4 في المائة. ولعل من المناسب التذكير بأن النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2007 بلغ 3.5 في المائة، و3.5 في المائة في العام 2007، و4.2 في المائة لعام 2008، و0.15 في المائة في 2009 حسب التقديرات الرسمية. ## القطاع المالي السعودي محجم عن الائتمان، الأمر الذي دفع الحكومة ممثلة في صناديق التمويل (الصناعي والتنمية والاستثمار) إلى رفع تمويلاتها للمشاريع.. هل تتوقعون استمرار هذا النهج خلال هذا العام أم أن البنوك ستعاود نشاطها الائتماني؟ لعل الأمر يتعلق بتمويل المشاريع، وذلك إحجام البنوك العالمية التي كان لها الدور الأساس فيها، وذلك الإحجام حدث لأسباب تعود لتلك البنوك أكثر مما هو لأسباب محلية. ولعل النقطة هنا أننا بحاجة لإيجاد بنك طويل المدى، وخرجت الحكومة ببديل من خلال صندوق الاستثمارات العامة، وهذا بالتأكيد أمر إيجابي، لكن هناك ما يبرر أن يكون هناك بنك للتمويل طويل المدى للمشاريع، وبالإمكان إيجاد مثل هذا البنك ليعمل على أسس تجارية. وبالتأكيد لن يسدد هذا البنك كل الاحتياجات ولن يملك كل الأموال لكنه سيكون إضافة ضرورية ومساهمة في إيجاد حلقة مفقودة في تركيبة سوق الإقراض والسوق المالية المحلية. إذ لا يوجد ما يمنع أن تكون للمملكة مؤسسة مصرفية رأئدة في هذا المجال، ولا سيما أن النمو على تمويل المشاريع قد تجاوزت حاجته كل ما مر على السعودية في الماضي. إضافة إلى ذلك ليس هناك ما يضمن أن تستمر الحكومة في الضخ الاستثماري المشاهد خلال الحقبة الراهنة، ولذلك لابد من الإعداد ليساهم القطاع الخاص كذلك من خلال إيجاد مؤسسات مالية قادرة. وبالتأكيد، لا يمكن التعويل على المؤسسات المالية الحالية، فهي غضة في بداياتها الأولى من جهة، وهي بحاجة إلى جمع رأس المال من سوق مالية هادئة الوقع محدودة الرغبة في منتجات عالية المخاطرة. وما تقدمه البنوك التجارية من ائتمان ليس بديلاً لما يقدم من قبل الصناديق التنموية المتخصصة، بل يتكامل معه. بل يجب ألا يكون أحدهما بديلا للآخر، فالبنوك التجارية لا تمتلك القدرة لتقديم طويل المدى، وإن قدمته فيكون مكلفا (كما هو الحال في حال التمويل العقاري) ويعرض البنوك لمخاطر عدم الاتساق بين ودائع قصيرة الأجل، تمويل قروض أطول مدى! أما ما حدث إبان الأزمة من ضبط وإعادة هيكلة للائتمان المقدم من البنوك، فقد كان لفترة محدودة من جهة، وكانت البنوك تتحوط ضد أي مخاطر محتملة قد تعرض سمعتها للتشوه في فترة شابها الكثير من الحذر والخوف من قبل المودعين. أما إن كان الحديث عن التمويل العقاري، فتلك قضية أخرى. ولعل من المفيد التذكير بأن عرض النقود (ن3) هو فوق التريليون ريال حالياً، مما يعني أن التمويل متاح. وبالفعل فإن مستوى الممنوح حالياً أعلى منه في الفترة المقابلة من العام الماضي، طبقاً للإحصاءات الرسمية. ويبدو أن هناك من يتحدث عن تباطؤ معدل نمو الائتمان، أما الائتمان الممنوح للقطاع الخاص فقد شهد نمواً من نحو 713 مليار ريال نهاية عام 2008 إلى قرابة 723 مليار ريال نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2009 (آخر شهر متاحة بياناته). ما توقعاتكم لاتجاه الدولار خلال عام 2010 وبالتالي انعكاسه على حركة السياسة النقدية في العام بما فيها السعودية. لقد حقق الدولار مكاسب كبيرة في شهر كانون الأول (ديمسبر) الماضي نسبة للعملات الرئيسية، لكنه لم يغط الخسائر التي لحقت به أثناء العام. ومع ذلك فمن الصعب التنبؤ بأداء الدولار خلال عام 2010. أما عملتنا المحلية فهي –كما هو معروف- مرتبطة بالدولار، وهذا التلازم يجعل السياسة النقدية المحلية تتأثر حكماً بالسياسة النقدية للدولار الأمريكي. والرؤية المستقبلية أن يحقق الدولار تماسكا أمام العملات الرئيسية انطلاقاً من توقع أن يحقق الاقتصاد الأمريكي نمواً حقيقياً. ## الفائدة لدينا حاليا في أدنى مستوياتها تاريخيا.. هل تتوقع رفعها تدريجيا لمواجهة الضغوط التضخمية المرتقبة وكذلك فتح قنوات استثمارية لإبقاء أموال البنوك في الداخل؟ كما سبقت الإشارة إلى السؤال السابق، فإن الارتباط قوي بين سعر الفائدة على الريال وذاك على الدولار الأمريكي حيث إن هناك مؤشرات تجعل من المرجح أن يكون هناك تحركا من قبل الاحتياطي الفيدرالي لرفع سعر الفائدة، من هذا المنطلق من المتوقع أن يشهد عام 2010 إرتفاعاً تدريجياً لسعر الفائدة.
إنشرها

أضف تعليق