السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

عيد الميلاد عبارة عن نشاط تجاري، وهذا أفضل بكثير.

في عام 601، في الوقت الذي كان يتوافد فيه المبشرون إلى إنجلترا، أرسل البابا جريجوري إلى مليتوس، وهو أحد رجاله على الجبهة، تعليمات بالتحرك ببطء. ونصحه قائلاً إن بعض أدوات الزينة والاحتفالات السائدة في الديانات الوثنية القديمة، مثل تقديم القرابين وبناء المعابد، ينبغي المحافظة عليها واحترامها من قبل الكنيسة الآتية إلى البلاد.

وقال: في حين أنه يُسمح لهم بإظهار بعض العلامات الخارجية الدالة على الشكر، إلا أن من الممكن بسهولة أن يقبلوا بالرضا والطمأنينة الداخلية التي يلقيها الله في صدورهم.

على الأرجح لم يكن البابا ينصح أتباعه بالتحرك ببطء إلى درجة أنه بعد 1408 سنوات من نصيحته، فإن الاحتفال بالميلاد المتواضع للمسيح عليه السلام، لا يزال يجري في أنحاء العالم الناطق بالإنجليزية، ضمن طقوس احتفالية وثنية وإنشاد أغان صاخبة على نحو يُغضب وجه الله.

لاحظ أنه لا يوجد هناك أي شيء مسيحي في تعليق نبات الدبق، وهي نبتة مقدسة في الديانات القديمة، داخل المساكن، واصطياد وجمع الهدايا، أو ابتلاع كميات من النبيذ المتبل ولحم البط أو الديك الرومي، المتبل كذلك. ليست هناك أية عبارة في كتاب المسيحيين المقدس، تشير إلى أنه ينبغي على المتقين أن يأكلوا البراعم اللذيذة من بروكسل، لتكون تكفيراً عن خطاياهم في فترة عيد الميلاد.

كان البابا على حق في أن ينصح أتباعه بأن يتركوا الشعائر القديمة على حالها. في القرن السابع عشر حاولت طائفة البيوريتان (التطهريين) تطهير موسم العيد من جوانبه الوثنية، وأدى ذلك إلى إشعال ثورة. الناس الذين يؤمنون بأن عيد الميلاد يجب أن يتسم بالطابع المسيحي (وليس الوثني) ليسوا مجرد أناس يشعرون بالحنين إلى الماضي، وإنما هم يتصرفون على نحو متطرف، آملين في إسكات الأصداء العميقة لثقافة قديمة.

لكن لا داعي لأن يكون المرء من الأتباع المخلصين لعيسى المسيح عليه السلام، الساخطين على التقدم البطيء تماماً للمنهج المغرق في اللين (الذي أوصى به البابا جريجوري) حتى يعتقد أن هناك سقماً في الذوق بخصوص عيد الميلاد. هذه الأيام الأضواء الاحتفالية تظهر قبل عيد الميلاد بشهرين، والأغاني والدندنات تصبح واضحة تماماً قبله بشهر.

إطالة موسم الاحتفالات على هذا النحو، ليست مدفوعة بالإنجيليين الذين يأملون الاستفادة من طول فترة الاحتفالات الزائد عن الحد، حتى ينشروا الرسالة المسيحية في طول البلاد وعرضها. ولا هي مدفوعة بحمَلة الرماح من الآلهة الوثنية، التي خسرت حصتها في السوق بفعل الغارة المسيحية. حمى الاحتفالات في عيد الميلاد مدفوعة بالمتاجر الضخمة التواقة دائماً إلى تحصيل مبالغ ضخمة من المال أثناء العطلة.

لكن ينبغي أن نعطي بعض الفضل إلى أولئك التجار الذين تخلت قلوبهم من الإيمان، حين يغطون أنفسهم بالأشرطة الورقية اللماعة وقرن الوعل والحلى الرخيصة، ويحشرون عيد الميلاد حشراً في حلوق المتسوقين، فإنهم يؤدون بواجبهم تجاه وطنهم. في هذه الفترة التي تتسم بالضعف الاقتصادي الشديد، هل هناك نشاط مليء بالمشاعر الوطنية، أفضل من تشجيع الناس على إنفاق أموالهم على الاندفاع للاحتفال بالعيد؟

بطبيعة الحال، عيد الميلاد المدفوع بالنزعة التجارية، يغزو البيوت. بعض الناس ربما يأسفون على الوضع الحاضر، الذي اختفت فيه الألعاب التي كانت تصنعها الأمهات لأطفالهن، والطعام الطازج من المطبخ، لتحل محلها الأدوات والأجهزة التي سيكون مصيرها النسيان خلال بضع ساعات، والوضع الذي نرى فيه أطباق الحلوى تستوردها المتاجر من خطوط الإنتاج الأجنبية. لكن سيطرة النزعة التجارية أفسحت المجال أمام التخصص، وهذا يعني أن تكون فترة عيد الميلاد فترة طيبة.

الألعاب تصنعها الآن شركات تعلم (أكثر بكثير مما يعلم الآباء والأمهات) ما يريده الأطفال. (إليك هذا التلميح: ما يريده الأطفال ليس لعبة قماشية منسوجة باليد أو حصاناً خشبياً مصنوعاً باليد. إنهم يريدون لعبة البلاي ستيشن). ربما تكون لدى بعض القراء ذكريات جميلة، حول إعداد أطباق الحلوى الخاصة بعيد الميلاد مع أمهاتهم. لكن صدقني حين أقول إن عائلتك تفضل إما شيئاً سهل الهضم، أو حفلة بالألوان من الأرقام الإلكترونية.

بالتالي فإن سيطرة النزعة التجارية على أعياد الميلاد هي أمر طيب. كما أن غياب المسيح عليه السلام في الاحتفالات في منتصف الشتاء الكئيب ليس بالأمر الجديد. ونستطيع أن نكون متأكدين أن النواح حول فترة الأعياد ليس بالأمر الجديد كذلك. حين كان مليتوس يعمل على تحويل الأنجلوساكسون عن دينهم ليعتنقوا الدين المسيحي، فإنه ربما التقى أثناء ذلك بأشخاص يشعرون بالحنين إلى الماضي، من الذين كانوا يزعمون أن الاحتفال بفترة انقلاب الشمس كان أفضل، حين كانت كل عائلة تذبح البقرة الخاصة بها، وكان كل شخص يعرف المعنى الحقيقي للاحتفالات الصاخبة في عيد إله الخمر باخوس، تكريماً للإلهة سوليس.

رغم أن مليتوس كان مثقفاً، إلا أن من المحتمل أن جوابه كان على نحو من التقاليد الراسخة حتى في ذلك الحين: بأن طلب منهم أن يفرحوا، وأن يتناولوا اللحم وأن يستمتعوا بفرحة العيد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية