منذ ظهور التفاصيل الخاصة بالضريبة الإضافية التي سيتم فرضها على المكافآت في الأسبوع الماضي، والبنوك تحاول تحديد نواحي عملها التي يمكن نقلها إلى بلدان أخرى. وتتضمن الأعمال التي يمكن نقلها من دون التسبب في كثير من التوقف إدارة الموجودات، والأقسام المسؤولة عن الاندماجات والاستحواذات وبعض أجزاء أسواق رأسمال الدين والأسهم، هذا ما يقوله الخبراء.
على ضفاف نهر التايمز في حي المال اللندني، يضع البناؤون اللمسات الأخيرة على مقر رئيس جديد لبنك نومورا الياباني الاستثماري.
يشتمل المبنى ذو الأحد عشر طابقاً والمشيد من الزجاج والصلب حتى الآن على ثلاث قاعات للتداول وعلى مساحات مكتبية كافية تسمح للبنك بزيادة أعداد العاملين فيه بشكل كبير. وأثناء مرحلة إنشائه، قوبل هذا المبنى بترحاب كبير باعتباره رمزاً يمثل التزام بنك نومورا تجاه لندن كمركز لأعماله الدولية.
ولكن بعد أيام فقط من قيام الحكومة البريطانية بفرض ضريبة إضافية على المكافآت التي تصرفها البنوك، يقال إن رؤساء بنك نومورا في اليابان يطالبون بخيارات بديلة عن تعزيز أعمال البنك في لندن. وعبر حي المال، يستشيط المصرفيون غضباً على الضريبة، ويقولون إن هذا الإجراء الذي يعتبر الأقسى في العالم على مكافآتهم لن يعمل إلا على تعزيز المراكز المالية المنافسة لمدينة لندن مثل نيويورك، وهونغ كونغ وسويسرا.
لقد وقعت التهديدات المقنعة بالرحيل عن لندن من جانب صناعة تصر على أنها يجب أن تدفع المليارات على شكل مكافآت لكي تظل قادرة على المنافسة ولم تكد سنة تمضي على دفعها النظام المالي العالمي إلى حافة الانهيار، على آذان صماء في أوساط رجال السياسة والناس. ولكن مع مجيء هذا الإجراء القاسي بسرعة في أعقاب تعيين الفرنسي ميشيل بارنييه لتولي أحد المناصب العليا المسؤولة عن السياسة المالية في الاتحاد الأوروبي، وفي أعقاب رفع ضرائب الدخل في المملكة المتحدة والقواعد الجديدة المثيرة للجدل التي وضعها الاتحاد الأوروبي لتحكم عمل صناديق التحوط وشركات الأسهم الخاصة، يبدو فجأة كما لو أن صناعة الخدمات المالية في لندن تتعرض للهجوم على جبهات عديدة.
لم يعد السؤال فيما إذا كان المصرفيون، والمتداولون ومديرو الصناديق سوف يرحلون، يقول الخبراء، ولكن السؤال هو ما إذا كانوا سيرحلون بأعداد يمكن أن تتسبب بحدوث ضرر طويل المدى. فقد حذر بوب دايموند، رئيس بنك باركليز كابيتال واحد أعلى المصرفيين أجراً في بريطانيا، في الأسبوع الماضي قائلاً: «إن رأس المال المادي ورأس المال البشري سريعا الحركة. لذلك فإن من بالغ الأهمية أن تكون المراكز المالية الرئيسة متوازنة... وينبغي أن يكون هذا سباقاً إلى القمة وليس إلى الحضيض».
إذن ما مدى مصداقية التحذيرات بحدوث هجرة جماعية من لندن؟ ربما يشعر العاملون في الخدمات المالية في المملكة المتحدة والذين يزيد عددهم على المليون شخص بأنهم جزء من قوة آخذة في الأفول، لكن حي المال يقوم على أساس متين من الميزات التنافسية الأساسية التي لا يمكن نقلها بين عشية وضحاها.
فأولاً وقبل كل شيء، يقول المصرفيون، هناك موقع لندن الجغرافي الاستراتيجي في منتصف الطريق بين آسيا ونيويورك، إلى جانب الحقيقة الأساسية التي لا تقل أهمية عن ذلك وهي أن العمل يتم باللغة الإنجليزية في ظل إطار قانوني واضح. كما أن قوانين التوظيف في لندن أقل تشدداً من القوانين المعمول بها في القارة الأوروبية، الأمر الذي يجعل من السهل تسريح أعداد كبيرة من الموظفين إذا حدث ركود مفاجئ. وهناك بنيتها التحتية القوية، ما يعكس ويدعم أيضاً هيمنتها في بعض الأسواق الأساسية.
نصف أكبر مائة بنك عالمي موجود في بريطانيا، إلى جانب وجود 67 في المائة من شركات إدارة الموجودات الكبرى فيها، و40 في المائة من كبريات شركات التأمين في العالم أيضاً لها وجود في بريطانيا، وذلك وفقاً لتقرير حديث صدر عن وزارة المالية في المملكة المتحدة. ويبلغ حجم العملات الأجنبية التي يتم تداولها في لندن 1.680 مليار دولار يومياً، ما يعادل 35 في المائة من مجموع التداول العالمي، وتسجل المدينة أيضاً ما نسبته 40 في المائة من حجم المشتقات التي يتم تداولها مباشرة، و 70 في المائة من السندات الصادرة باليورو، و 55 في المائة من طروحات الاكتتاب العام الأولي العالمية.
وتوجد في بريطانيا أيضاً 80 في المائة على الأقل من موجودات صناديق التحوط الأوروبية والتي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، ونحو 60 في المائة من شركات الأسهم الخاصة الأوروبية، باعتبارها ثاني أكبر مركز للاستثمار البديل في العالم بعد الولايات المتحدة.
ولدى العاصمة ميزات مهمة أخرى، ولو أن إمكانية قياسها أقل، طالما جعلتها مكاناً يرغب المصرفيون في العيش فيه، مثل مدارسها المستقلة القوية، وكذلك سكان ناشطون ومتنوعون وفرص ثقافية تحسد عليها. ورغم شدة الأزمة المالية وقسوتها، يستدل من آخر التوقعات الصادرة عن الخبراء الاقتصاديين في حي المال أن قطاع الأعمال والخدمات المالية سوف يحقق نمواً كبيراً خلال العقود الثلاثة المقبلة، من 1.56 مليون وظيفة في عام 2007 إلى قرابة 1.98 مليون وظيفة في عام 2031، ما يشكل نسبة 38 في المائة من الوظائف الجديدة في لندن.
حتى الآن، فإن المجموعات الأكثر قابلية للحركة فقط، وبخاصة مديري صناديق التحوط وفائقي الثراء، هي التي تغادر لندن بأعداد كبيرة بسبب الضرائب الجديدة التي تم فرضها على ذوي الأجور العالية، وبسبب «اللوائح الخاصة بمديري صناديق الاستثمارات البديلة» تلك اللوائح التي تعرضت لانتقادات كثيرة. وإذا تم تبني مشروع تلك اللوائح، فإن من شأنه أن يفرض قيوداً على المبالغ التي تستطيع صناديق التحوط أن تقترضها وفي الوقت نفسه فإنه يفرض قيوداً على الأجور، ما يجعل من الصعب على الصناديق أن تعمل بشكل مربح.
لقد رحلت عشرات صناديق التحوط في المملكة المتحدة بالفعل إلى مدن جنيف، وزيوريخ ومدن سويسرية أخرى (غير خاضعة لرقابة الاتحاد الأوروبي) في الأشهر الأخيرة في أعقاب حملة تسويقية اشتملت على عروض تم تقديمها في فنادق لندن الكبرى.
لكن ذلك لم يشعل حتى الآن موجة الرحيل الجماعي التي توقعتها بعض الصناديق، أو تشكل حركة كثيرة بين المؤسسات الكبرى التي تخدم هذه الصناعة عبر تقديم مجموعة من خدمات التمويل والتخليص التي تعرف بخدمات الوساطة الرئيسة.
لقد كان للتغييرات الشاملة التي أدخلت على نظام ضريبة الدخل في بريطانيا أيضاً أثر قليل على نحو يبعث على الدهشة حتى الآن. وفي العام المقبل، من المقرر أن يفرض البلد ضريبة عالية بنسبة 50 في المائة على أي شخص يزيد أجره على 150,000 جنيه إسترليني (ما يعادل 244,000 دولار، 167,000 يورو) إلى جانب الحد من المساهمات التقاعدية التي تحظى بمراعاة ضريبية. وإذا ما أضيفت هذه التغييرات إلى التغييرات التي تم إدخالها على اللوائح الضريبية الخاصة بمن يطلق عليهم الأجانب غير المقيمين بصورة دائمة في المملكة المتحدة – وهم الأشخاص الأثرياء الذين يقيمون في أحد البلدان لكنهم يدعون أن مكان إقامتهم الدائم هو في الخارج – فإن هذه التغييرات تعني أن بريطانيا سوف تتباهى عما قريب بأن لديها واحداً من أقسى الأنظمة الضريبية في أوروبا.
ولكن مرة أخرى، رغم التحذيرات من حدوث هجرة جماعية، كانت مجموعة الأشخاص الوحيدة الذين يبدو أنهم غيروا سلوكهم بشكل كبير رداً على هذا الوضع المستجد هم الأشخاص فائقو الثراء الذين يقومون الآن بتأسيس مكاتبهم العائلية في سويسرا وآسيا. غير أن الضرر الاقتصادي الذي لحق بلندن من جراء رحيلهم عنها كان قليلاً جداً لأنهم ما زالوا يحتفظون بمصالحهم العملية وبيوتهم وعاداتهم الإنفاقية في المملكة المتحدة.
من الأصعب قياس الأثر الناجم عن تعيين ميشيل بارنييه لمنصب مفوض الأسواق الداخلية للاتحاد الأوروبي. وبعد موجة الغضب التي أثارتها تعليقات الرئيس نيكولاي ساركوزي والتي قال فيها إن تعيينه يمثل انتصاراً فرنسياً على الرأسمالية الأنجلو ساكسونية، تحرك بارنييه لتخفيف المخاوف عبر التأكيد على تفهمه لأهمية لندن كمركز مالي.
ليس هناك شك في أن فرض الضريبة الإضافية على المكافآت التي تزيد على 25.000 جنيه استرليني أثار الغضب والإحباط في حي المال. ولكن هل سيصل ذلك إلى درجة الدفع نحو حالات رحيل جماعي عن المملكة المتحدة؟ بالتأكيد، إن المصرفيين والخبراء في الشأن الضريبي يقولون إن هذا التحايل السياسي المكشوف الذي أعلنت عنه حكومة تفتقر إلى الشعبية قبل أشهر فقط من الانتخابات العامة (المقرر إجراؤها في أوائل شهر حزيران (يونيو) تنطوي على خطر إلحاق خطر دائم بسمعة لندن كمكان جميل وثابت على مبادئه للعمل فيه.
وربما على عكس الفهم العام، هناك قبول واسع في صفوف كبار التنفيذيين العاملين في مؤسسات مثل بنك جولدمان ساكس، وبنك باركليز وبنك مورجان ستانلي تشيس بأن الأرباح التي حققوها في هذه السنة الماضية تتضمن عنصر الكسب المفاجئ بسبب الدعم الحكومي الصريح والضمني الذي تلقوه أثناء الأزمة المالية. غير أنهم يقولون أيضاً إن استهداف المصرفيين دون غيرهم فيما يتعلق بهذه الضريبة الجزائية والشعبوية ــ إضافة إلى الأنظمة الجديدة المتشددة التي تقضي بأن يتم دفع الجزء الأكبر من المكافآت الخاصة بعام 2009 على شكل منح أسهم مؤجلة وليس نقداً ــ تخالف تفاهماً يعتقدون أنهم توصلوا إليه مع الحكومة.
وفي معرض فرض هذه الضريبة، قال أليستر دارلنغ، وزير المالية، إنه يريد وضع البنوك أمام خيار واضح: استخدام الأرباح التي حققتها في العام الماضي إما لإعادة بناء قاعدتها الرأسمالية أو دفع المكافآت الضخمة لنفس الأشخاص الذين يعتقد على نطاق واسع أنهم مسؤولون عن أزمة الشح الائتماني. ويقول المصرفيون إنه نسي أن يذكر خياراً ثالثاً: حزم أمتعتها والرحيل عن البلد.
يبدو أن وزارة المالية أقدمت على مجازفة محسوبة حيث أن الطريقة التي نظمت الضريبة بها سوف تقلل من أعداد الراحلين وذلك عبر فرضها كضريبة مرتبات على البنوك وليس على الأفراد، مثلاً، وعبر وقف العمل بها في شهر نيسان (إبريل). كما أن قرار فرنسا السريع بتبني ضريبة مشابهة وسط دلائل على تزايد الزخم لفرض ضريبة مشابهة في بلدان أوروبية أخرى، عمل بدوره على تهدئة المخاوف من حدوث رحيل جماعي، على الأقل ليس إلى باريس أو فرانكفورت.
ولكن بالرغم من دفع جوردون براون العلني لاتخاذ موقف دولي موحد بشأن أجور المصرفيين، من غير المرجح أن يكسب رئيس الوزراء دعم الولايات المتحدة لفرض ضريبة إضافية – الأمر الذي يعطي «وال ستريت» – سوق المال في أمريكا- ميزة تنافسية كبيرة ولو أنها مؤقتة. فقد أعلن كنيث فاينبيرغ، «إمبراطور الأجور» في الإدارة الأمريكية عن فرض عدد من القيود على المكافآت التي تمنحها البنوك – ولكن هذه القيود سوف تفرض فقط على البنوك التي تلقت أموال الإنقاذ الحكومية. غير أنه يقال إن يتم جايثنر، وزير الخزانة الأمريكية، يرفض تبني سياسات تعاقب القطاع المالي بدلاً من معالجة مشكلاته الهيكلية.
ويقول كبار التنفيذيين في مكتب لندن للبنوك التي توجد مقارها في الولايات المتحدة إنهم تلقوا سيلاً من الطلبات الخاصة بالانتقال إلى نيويورك في الأسبوع الماضي، وخاصة من الموظفين الشباب الذين ليس لديهم قلق بشأن بيع بيوتهم أو إخراج أبنائهم من المدارس البريطانية.
ويقول مايكل بلومبيرغ، عمدة مدينة نيو يورك، وأحد الممولين السابقين، إنه على الولايات المتحدة أن تنتهز الفرصة وتغري الشركات الأوروبية بالقدوم إلى «وال ستريت». فقد قال لمستمعي برنامجه الإذاعي الأسبوعي: «بإمكاننا إما أن نستخدم ذلك كغطاء ويمكننا أن نعول كذلك على الاقتطاعات من المكافآت أو بإمكاننا أن نستخدم ذلك كفرصة لبناء مستقبل لنا وأن نحضر تلك الشركات إلى هنا».
أحد أكبر المخاطر التي تهدد لندن هو أن تبدأ البنوك بنقل الأجزاء الأكثر قابلية للحركة من أعمالها – مثل فرق التداول الخاصة، أو الأذرعة البحثية أو إدارة الموجودات – إلى سويسرا وإلى المراكز المالية الآخذة بالازدهار في آسيا. ويشار على هذا الصعيد إلى أن الكثير من المتداولين سريعي الحركة يتلقون بالفعل وبصورة يومية على أجهزة البلاكبيري آخر الأخبار المتعلقة بأسعار العقارات في زوريخ، وهونغ كونغ وسنغافورة.
وبعد أن يقرر البنك القيام باستثمار كبير وبعد أن يتم بناء البنية التحتية الفنية، يصبح من السهل نسبياً نقل فرق كبيرة من الأشخاص خلال بضعة أشهر.
سويسرا، بقطاع خدماتها المالية المترسخ ونظام الضرائب المتدنية الذي تعمل به مهيأة حالياً لأن تصبح أحد البلدان المستفيدة. ولكن تحول القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق دفع بدوره فعلاً بالمؤسسات المالية لأن تؤسس عمليات لها في هونغ كونغ، وسنغافورة، والصين ومنطقة الشرق الأوسط.
ويقول متصيدو الكفاءات إنه مع تزايد التعافي وتطلع البنوك لتعزيز أعداد موظفيها العاملين في القطاعات النشطة، فإن من الأرجح أن تقوم الآن بتأسيس تلك المراكز خارج مدينة لندن. فالمحلل الذي يتم التعاقد معه لتغطية الشركات الصناعية أو المؤسسات المالية الأوروبية، أو المصرفي الذي يعمل في مجال الاندماجات والاستحواذات، على سبيل المثال، يمكن بسهولة أن يعمل من مقره في زوريخ ويقوم بزيارة لندن عند الضرورة.
ولكن هذه التحذيرات أثيرت في السابق، غير أن حي المال لم يظل قائماً فقط، بل وازدهر. وما زالت البنوك تفكر في الكيفية التي سترد بها على ضريبة المكافآت: وتشير الدلائل الأولى على أن الكثير منها سيقرر أن يتلقى هذه الضربة المالية ويدفع الأجور والمكافآت التي كانت تعتزم دفعها في السابق أو قريباً منها بدلاً من المجازفة بفقدان الأشخاص الأفضل أداء الذين يعملون لديها. لهذا السبب، فإن الأشخاص الذين سيغادرون لندن سوف يقتصرون على العاملين الأكثر قابلية للحركة في هذه الصناعة – مثل مديرو صناديق التحوط، والشركاء في شركات الأسهم الخاصة، وصغار المصرفيين والمتداولين.
