الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حين يحين الوقت لكتابة تاريخ الكيفية التي نجت بها صناعة السيارات العالمية من أسوأ عام لها على الإطلاق في الذاكرة الحديثة – وتعافت في السنين التي أعقبت ذلك – فإن هناك بضعة أيام من خلال شهر شباط (فبراير) 2009 سوف تكون متميزة.

عاد للتو موظفو مصانع السيارات في العالم المتقدم إلى العمل بعد فترات إغلاق مطولة لإجازة الشتاء، ولكن ليواجهوا مستقبلاً غير مؤكد. وفي شهري كانون الأول( ديسمبر)، وكانون الثاني (يناير)، كان لدى الإنتاج في جميع المصانع فعلياً في شمال أمريكا وأوروبا كان لديه مبرر للتوقف حين تبخر الطلب على السيارات.

في القارتين، التفت السياسيون من الطيفين اليساري واليميني إلى مطالب الصناعة للحصول على مساعدة، ووافقوا على تقديم قروض للإنقاذ يمولها دافعو الضرائب. واستنتج معظمهم أن ملايين الوظائف التي تعتمد على التصنيع، وبيع السيارات والشاحنات، جعلت المنتجين الرئيسين في الصناعة أكبر من أن يفشلوا.

لكن ما تكشف بعدئذ على جانبي الأطلسي يتناقض بحدة لدرجة تخيف العقل.

المسألة ليست لمجرد السجل التاريخي. فالمسودات الأمريكية والأوروبية المتباينة لإعادة هيكلة صناعات السيارات لدى الجهتين تحدد منهجاً مختلفاً بشكل واضح للغاية إزاء إخفاق الشركات، والتغيير الذي من شأنه أن يهدد بترك الشركات الأوروبية دون أية مزايا مقارنة بمنافساتها من الشركات الأمريكية حين تصل الأزمة إلى نهايتها.

في أوائل شهر شباط (فبراير)، كان نيكولاي ساركوزي، الرئيس الفرنسي، يستعد بعد أسابيع من المحادثات مع شركة بي إس إيه بيجو ستروين ، وشركة رينو، للموافقة على تقديم مبلغ 6.5 مليار يورو (9.6 مليار دولار، 5.9 مليار جنيه إسترليني) على شكل قروض إلى شركتي صناعة السيارات الوطنية الرائدتين، وإلى شركة رينو ترك لصناعة الشاحنات.

في الولايات المتحدة، حصلت شركة جنرال موتورز وشركة كرايزلر على مبلغ 17.4 مليار دولار (11.8 مليار يورو، 10.7 مليار جنيه إسترليني) من القروض الطارئة في شهر كانون الأول (ديسمبر) من إدارة جورج دبليو بوش المغادرة، وكانتا تستعدان للطلب من الرئيس المعين حديثاً باراك أوباما المزيد من عشرات المليارات للنجاة من الانهيار الحاصل في مبيعات السيارات ، من مستوى سنوي بلغ قبل الأزمة أكثر من 16 مليون وحدة، إلى حوالي عشرة ملايين وحدة.

في17 شباط (فبراير) في مدينة ديترويت بولاية ميتشيجن الأمريكية، قدم فريتز هندرسون الذي كان في ذلك الحين رئيس التشغيل المسؤول، خطة تقترح إغلاق 14 مصنعاً للإنتاج – أكثر بخمسة مما كان يراد إغلاقه بموجب خطة إعادة هيكلة مبكرة – وتخفيض قوة العمل العالمية الخاصة بها في عام 2009 بنحو 47 ألف وظيفة، بما فيها عشرة آلاف وظيفة من الإداريين. وذكرت الخطة كذلك أنها سوف تبيع أو تغلق العلامات التجارية ''ساب''، و''ساترن''، و''هامر''، التي تتكبد الخسائر، وتخفض إنتاج ''بونتياك'' . وأعلنت شركة جنرال موتورز في أوائل الشهر عن خططها لفصل قسم ''أوبل/ فوكسهول'' الأوروبي.

لكن فريق عمل السيارات الذي تقوده وزارة الخزانة الأمريكية رفض الخطط المقدمة من قبل ''جنرال موتورز'' و''كرايزلر'' لكونها شحيحة للغاية في تخفيض الزيادة اللازمة لجعل الشركات قابلة للحياة، الأمر الذي أعاد مديري الشركتين إلى وضع الخطط مرة أخرى. وأما فريق العمل، المقتنع بشكل متزايد بأن الشركات ليست لديها الرغبة أو الدعم لتقليل ديونها، ومصانعها المنتفخة، وشبكات البيع، دون المرور برحلة إعلان الإفلاس، بدأت تستعد بهدوء لطلب الحماية من الإفلاس بموجب الفصل الحادي عشر من القانون. وبحلول فصل الربيع، كانت ''كرايزلر'' و''جنرال موتورز'' في المحاكم، وفي فصل الصيف ولدت من جديد كشركات أصغر حجماً، وأكثر قابلية للحياة.

لنقارن ذلك بفرنسا. وهناك، تلقت شركتا ''بيجو'' و''رينو'' قروضاً بلغت ثلاثة مليارات يورو لكل منهما – ولكن بشرط أن تفعل العكس تماماً مما طالبت به واشنطن: عدم إغلاق أي مصانع، وعدم صرف العمال الفائضين عن الحاجة بشكل إلزامي خلال فترة قرض الإنقاذ التي تستمر خمس سنوات. وأعلن ساركوزي قائلاً: ''إنه التزام أحييه بكل احترام لأنه يضمن لنا أن الأزمة الحادة ولكن المؤقتة لن تدمر جزءاً من قاعدتنا الصناعية، والمعرفة الفنية في مجال صناعة السيارات''.

بعد مرور عشرة أشهر، ما زالت الأساليب المتباينة موضوع جدل في صناعة السيارات، وبين خبراء إعادة الهيكلة – يقول بعضهم إن الأزمة هدف موضوعي في الحاجة إلى الإصلاح الشامل لقوانين الإفلاس المختلطة في أوروبا. وازداد الجدل اشتعالاً بسبب المحاولة الفاشلة للحكومة الألمانية لتأمين عملية إنقاذ شركة أوبل والتي ضمنت شروطاً مواتية لمصانع ''جنرال موتورز'' الأربعة الخاصة بها، الأمر الذي أثار نزاعاً شديداً داخل أوروبا بشأن مساعدات الدولة والوظائف.

التناقض بين الكيفية التي استجابت بها الولايات المتحدة وأوروبا تلفت النظر للغاية بالنظر إلى أن إدارة أوباما من يسار الوسط أخذت منهج ''الحب المتشدد''، بينما بذلت حكومة ساركوزي من وسط اليمين جهداً مؤلماً لتخفيف الصدمة على عمال ''بيجو'' و''رينو''. ويقول ستيف داركي من شركة بي دبليو سي للاستشارات: ''لا يمكنني التفكير في أي مثال آخر يبين كيف أننا مختلفون بشكل جوهري''.

يقول خبراء الصناعة إن إجراء الحكومة الفرنسية عمل على دعم الوضع الراهن في أكثر مشغلين انكشافاً في أوروبا، في قطاع يوجد فيه أكثر من ثلث الوظائف والمصانع التي يحتاجها. ويجادل البعض بالقول إن فرنسا فوتت فرصة لفرض الترشيد على ''رينو'' و''بيجو'' – أو حتى في تحقيق اندماج. ويسأل إيمانويل بولي من وكالة فيتش للتصنيفات: ''هل أوروبا بحاجة إلى شركتين فرنسيتين لصناعة السيارات؟ لا أعتقد ذلك''.

بينما أعلنت شركات صناعة السيارات في ديترويت، بما فيها ''فورد موتور''، عن خطط فيما بينها لإغلاق لأكثر من 20 مصنعاً في أمريكا الشمالية، يشير سيرجيو مارشيوني – الرئيس التنفيذي لشركتي ''فيات'' و''كرايزلر''، وهو من أكثر المدافعين في الصناعة عن الاندماج – إلى أنه لم يتم إغلاق مصنع سيارات واحد بشكل دائم في أوروبا منذ أن بدأت الأزمة في أواخر عام 2008.

سوف تقرر شركة جاكوار لاند روفر، المجموعة البريطانية التي تملكها شركة تاتا موتورز الهندية خلال فترة وجيزة أياً من مصنعيها في ميدلاندز في المملكة المتحدة سوف تقوم بإغلاقه، بينما سوف تصنع ''فيات'' شيئاً آخر غير السيارات في مصنعها غير الفعال في صقلية ابتداء من عام 2011، بعد أن تتوقف عن صنع سيارات موديل ''يبسيلون''الخاصة بعلامتها التجارية ''لانسيا''. ولكن معظم شركات صناعة السيارات عطلت طاقتها الإنتاجية بشكل مؤقت، أو أبقت العمال براتب جزئي بدلاً من إغلاق المصانع. وكانت جهود ''جنرال موتورز'' لإعادة هيكلة ''أوبل/فوكسهول'' بمساعدة المليارات من اليورو من ألمانيا والمساعدات الحكومية الأخرى، والتي طالت إلى قرابة عام، مثالاً حياً على هذا الأمر الممنوع في العمل.

شهدت المقترحات التي قدمتها ''فيات''، وبعدئد ''ماجنا إنترناشيونال''، والآن ''جنرال موتورز'' بحد ذاتها لتخفيض ما بين تسعة آلاف إلى عشرة آلاف وظيفة، مناورات من جانب النقابات العمالية وحكومات البلدان الأوروبية الغربية الخمسة لتفادي هذه التخفيضات في عملية جلبت التحذيرات من جانب منظمي الاتحاد الأوروبي بشأن ربط الوظائف بمساعدات الإنقاذ.

عند نهاية العام، فإن إعادة الهيكلة الخاصة بشركة أوبل تقترب من نهايتها فقط الآن. وتعترف الشركة أن الدعاية حول العملية أضرت بعلامتها التجارية. وحسبما يقول ستيفن تايلور من شركة أليكسبارتنرز للاستشارات: ''سوف يكون التعافي أبطأ في أوروبا لأن القرارات الصعبة حول إعادة الهيكلة توضع جانباً لصالح المصالح المحلية: الوظائف البريطانية للعمال البريطانيين، والوظائف الألمانية للعمال الألمان''.

الدفع السياسي للمحافظة على الوظائف يتزايد بسبب هدف الأوروبيين لتفادي تقديم طلبات عدم الملاءة، والتي كانت تهدف تاريخياً بموجب أنظمة عدم الملاءة التي لا تحصى في القارة إلى تصفية الشركات وليس السماح لها بإعادة التنظيم والمحاولة من جديد.

عمل بعض البلدان فعلياً على تنقيح القوانين في محاولة لتقريبها من نموذج الفصل الحادي عشر. ولكن على الرغم من أنه ينظر إلى قوانين الإفلاس في بعض البلدان الأوروبية على أنها غير قابلة للتنبؤ وليست مثالية، إلا أن العديد من المختصين في إعادة الهيكلة يرفضون فكرة استيراد الفصل الحادي عشر، ويجادلون بالقول إن القوانين الحالية توفر أدوات كافية لهم لإنجاز الأعمال التي يحتاجونها. وأما العملية الأمريكية التي تسمح للإدارة بالاستمرار في إدارة الشركة، وتحميها من المقرضين إلى حين خروجها بخطة لإعادة التنظيم، فيمكن أن تستغرق سنوات وتكون مكلفة لأنه يتم النزاع بشأن القرارات في المحكمة. وبالنسبة لأوروبا، فإن وقت الأزمة ''ليس اللحظة المناسبة لمحاولة تغيير النظام''، حسبما يقول ميك مكلوفلين، رئيس إعادة الهيكلة في شركة كيه بي إم جي للاستشارات. ويضيف: ''هناك عدد قليل للغاية من الشركات التي تفشل بسبب حاجتها إلى عملية لحل مشكلاتها''.

لكن بعض المختصين في عدم الملاءة يجادلون بالقول إن عمليات إعادة الهيكلة خارج نطاق المحكمة التي تأثرت خلال الأزمة تركت الصناعات والشركات في حالات عديدة تصارع بقروض ديون غير مستدامة، أو هياكل تكلفة غير تنافسية. والخطر الماثل الآن هو أن أوروبا تولد حصيلة من ''المؤسسات الميتة'' التي تعيش ببساطة لمجرد أن تسدد القروض إلى مقرضيها. ومن شأن ذلك أن يعيق تعافي بعض أكبر الصناعات في القارة لدى انتهاء الانكماش.

يقول مالكوم مكينزي من ''ألفاريز آند مارسال''، الشركة المتخصصة في إعادة الهيكلة: ''هناك شيء ما علينا أن ندرسه بعناية في المملكة المتحدة وأوروبا وهو السماح لشركة ما بإعادة هيكلة سريعة، للمساعدة على إخراج طائر عنقاء يتمتع بالصحة من بين الرماد. وما يقوله لنا التاريخ في المملكة المتحدة هو أننا نسكب الأموال الجيدة بعد السيئة في صناعات دون أن تخرج منها شركات جيدة – ولكن ذلك لأنه لا توجد معالجة منطقية لتنفيذ إعادة الهيكلة الضرورية''.

إن مثال ''جنرال موتورز'' مفيد في هذا الصدد. وبمساعدة الفصل الحادي عشر، استطاعت واشنطن إتمام أكثر عمليات إعادة الهيكلة الصناعية تعقيداً التي تم إنجازها على الإطلاق في غضون ستة أسابيع فقط. وقليلون يعتقدون أن الشركة كانت ستنجح في إقناع المقرضين، أو نقابة عمال السيارات المتحدة، أو التجار، لقبول التضحيات اللازمة لجعل ''جنرال موتورز'' قابلة للحياة. ولكن حالما وصلت إلى المحكمة، استطاعت الدفع قدماً بعملية إصلاح شاملة أعطت المقرضين نسبة 10 في المائة من الشركة التي ولدت من جديد. وتم نقل الشركات التي لم تكن قابلة للحياة إلى ''جنرال موتورز القديمة'' ليتم تفكيكها.

يقول أندرو ويلكنسون، رئيس إعادة الهيكلة الأوروبية في بنك جولدمان ساكس: ''تعتبر شركة جنرال موتروز مثالاً رائعاً حول إعادة الهيكلة كبيرة النطاق باللجوء إلى الفصل الحادي عشر – لم يكن من الممكن تخيل تنظيم مكافئ في أوروبا من خلال أنظمة عدم الملاءة القائمة''.

في ''كرايزلر''، وبعد العبث بفكرة جعل الشركة تفشل – أو دمج بعض عملياتها مع عمليات ''جنرال موتورز'' – فإن الإدارة الأمريكية منحت بركاتها لتأسيس تحالف مع ''فيات''، التي سُمح لها بشراء 20 في المائة من الشركة التي ولدت من جديد التي تأسست من أصولها القابلة للحياة. ووقف فريق عمل السيارات إلى جانب مجموعات ديترويت، بما في ذلك اتفاقية لتعهد ضمانات سياراتها من خلال عملية الإفلاس الأمر الذي ســــــــاعد على منع الهروب الجماعي للزبائن القلقين.

على الرغم من ذلك، فإن عدداً قليلاً من التحذيرات ما زال قائماً في النظام. فمشكلات التنافسية، والضائقة المالية في ''بيجو''، و''رينو''، و''أوبل''، ليست بخطورة عمليات إعادة هيكلة الأجور غير القابلة للحياة، وآثار الإنتاج التي تنافست بشأنها ''جنرال موتورز'' و''كرايزلر'' قبل الإفلاس. كما لم تبق شركتا صناعة السيارات في فرنسا دون اتخاذ أي إجراء: رغم منعهما من إغلاق المصانع، فإن ''بيجو'' و''رينو''، أوقفت خطوط التجميع، وخفضت بهدوء آلاف الوظائف.

حتى بعد رحلة ''جنرال موتورز'' في الإفلاس، فإن عدداً قليلاً يقول بثقة إن مشكلاتها انتهت. والمخاطر أكبر في ''كرايزلر'' حيث يحتاج مارشيوني إلى إبقاء الشركة مستمرة في العمل أثناء انتظار مركبات أفضل لتخرج من خط التصنيع.

يقول فيليب هوتشواز، من بنك يو بي إس: ''في الولايات المتحدة، انتظرت الشركات وقتاً طويلاً – فالجلبة أصبحت كبيرة للغاية ولم تتمكن من تفادي اللجوء إلى الحماية من الإفلاس.'' ولكنه يضيف: ''أعطى أوباما الحكومات الأوروبية فكرة عما سوف يحدث إذا لم تفعل شيئاً لإعادة هيكلة الصناعة''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية