السبت, 10 أكتوبر 2026|27 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لقد كان مشهداً غير عادي: فقد دلف زعماء أكثر من 20 بلداً، بمن فيهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورؤساء معظم اقتصادات العالم الكبرى وبصحبة كل منهم مستشار أو اثنان إلى غرفة صغيرة في الأسبوع الماضي، وأخذوا يتأملون في قطعة نثرية قصيرة وهم يحملون الأقلام الحمراء.

توتر الجو عندما أعربوا عن قلقهم بشأن التعديلات التي أدخلت على نص كانوا يأملون في أن يشكل أساساً لاتفاقية جديدة حول التغير المناخي. ولو نجحوا في مساعيهم لكانت تلك اتفاقية تاريخية : كونها أول اتفاقية تلزم البلدان المتقدمة والنامية على سواء بخفض انبعاثات غازات الدفيئة. أما الفشل فمعناه المهانة في الوطن وأخيراً احتمال حدوث ارتفاع كارثي على درجة حرارة الكون.

عقد الاجتماع الذي لم يكن مقرراً في الطابق العلوي في مركز المؤتمرات في كوبنهاجن حيث دارت على مدى الأسبوعين الماضيين محاولات عسيرة بين كبار المسؤولين والوزراء المرافقين للزعماء.

ما انبثق بعد ساعات من المساومات الصعبة تخللتها مكاشفة بين أوباما وزعماء الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى، كان وثيقة سوف تعرف باتفاقية كوبنهاجن. فقد أورد الإعلان الصادر عن أكبر البلدان المتقدمة والنامية التزامات مؤقتة بخفض انبعاثات غاز الدفيئة، واقترح تقديم التمويل من البلدان الغنية للبلدان الفقيرة لمساعدتها على القيام بمثل ما ستقوم به البلدان الغنية على صعيد هذا الخفض. وقال أوباما إن هذه أول مرة في التاريخ تجتمع فيها كافة الاقتصادات الرئيسة لاتخاذ الإجراء اللازم بشأن التسخين الكوني، غير أن مؤيدي هذه الاتفاقية اعترفوا بأنها قصرت عما كانوا يأملون فيه بعد أعوام من المفاوضات.

وبعد أن غادر الزعماء العاصمة الدنماركية، ارتأى بعض كبار المسؤولين أن الدرس المستخلص هو أن الأمم المتحدة لن تقدر على التوصل إلى معاهدة حول التغير المناخي. وإذا ما أريد مواجهة كارثة التسخين الكوني، يتعين إيجاد عملية أخرى للقيام بذلك.

وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، مثيرين سؤال ما إذا كانت كوبنهاجن تشكل لحظة حاسمة لنظام عالمي جديد تستطيع فيه الاقتصادات النامية القوية كالصين والهند إملاء شروطها على بقية العالم. فقد قال أحد كبار المسؤولين في بلد متقدم :»هذا تغيير في الديناميكيات الجيوسياسية».

إذا كان الأمر كذلك، فستكون هناك شكوك كبيرة في إمكانية تمخض أي منتدى عالمي، سواء أكان الأمم المتحدة أو غيرها، عن التزام قوي بالحد من الانبعاثات، التي تعتبر واحدة من أعوص المشكلات في العلاقات العالمية. فعلى غرار جولة الدوحة لمفاوضات منظمة التجارة العالمية، هناك خطر في أن تأخذ المحادثات سنوات لا حصر لها من النقاش بينما تتزايد تركيزات غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو.

فمنذ 20 عاماً على وجه التقريب، جرى الاتفاق بين البلدان على الحاجة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بناء على نصيحة علمية لخفض انبعاثات غاز الدفيئة. ولكن حتى الآن لم تكن هناك إلا محاولة واحدة للتوصل إلى معاهدة ملزمة على الصعيد العالمي: ونعني بذلك برتوكول كيوتو الفاشل لعام 1997 الذي لم تصادق عليه الولايات المتحدة والذي لم يلزم البلدان النامية بأي شيء.

غير أن انتخاب أوباما في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 جلب معه تفاؤلاً جديداً. خاصة أنه جعل التوصل إلى اتفاق بشأن معاهدة خاصة بالمناخ أولوية له رغم معارضة الجمهوريين وبعض أعضاء حزبه لمثل هذه المعاهدة.

إضافة إلى ذلك، بدأت الخطوات التي يتعين على البلدان أن تتخذها لإبرام صفقة تبدو قابلة للتحقيق. ففي الأسابيع التي سبقت كوبنهاجن وبعد أشهر من المشاحنات والمجادلات، انضمت الولايات المتحدة إلى ركب البلدان الغنية في التقدم بعرض لخفض الانبعاثات الصادرة عنها. وتبعتها الصين وغيرها من البلدان النامية الرئيسة بخطط ترمي إلى خفض الانبعاثات الصادرة عنها. كما وافقت البلدان الغنية في النهاية على تقديم المساعدات المالية للبلدان الفقيرة لكي تقوم بدورها بخفض الانبعاثات وتتغلب على الآثار الناجمة عن التغير المناخي وأيدت بعد تردد تقديم مبلغ مائة مليار دولار (70 مليار يورو، 62 مليار جنيه إسترليني) سنوياً بحلول عام 2020.

وفي الأشهر التي سبقت المؤتمر، تخلى الجميع عن فكرة إمكانية التوقيع على معاهدة ملزمة قانونياً في المؤتمر. غير أن الأمم المتحدة والبلدان الرئيسة كانت تأمل في أن صدور إعلان عن زعماء العالم – يمكن أن يصبح ملزماً قانونياً بعد ستة أشهر ــ حول العناصر المهمة الخاصة بخفض الانبعاثات سيكون كافياً.

وعندما بدأت المفاوضات الرسمية في كوبنهاجن في 7 كانون الأول (ديسمبر)، بدا أن كل شيء يسير على ما يرام. وكل ما تبقى هو عملية التفاوض الخاصة بالأمم المتحدة: التأمل في مسودة نص والاتفاق على اللغة الفنية للاتفاقية. ورغم أن هذه عملية مضنية ومؤلمة، إلا أنها مسألة شكلية.

ولكن تبين في حقيقة الأمر أنها الصخرة التي تحطمت عليها الاتفاقية، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الأمم المتحدة كأساس لأية اتفاقية خاصة بالتغير المناخي. بحسب القواعد المتبعة في الأمم المتحدة، يجب أن تتوصل البلدان إلى إجماع قبل اتخاذ أي قرار ملزم. وبالنسبة لاتفاقية حول التغير المناخي تغطي العديد من المجالات المعقدة، يتعين على مئات المفاوضين أن يجتمعوا في عشرات اللجان للعمل على صفحات من المسودات الحافلة بالتفاصيل.

ولكن بعد أن تحقق ذلك، فإن التفاصيل الفنية لم تسر كما كان مخططاً لها. فقد أثارت البلدان النامية الصغيرة مسائل إجرائية، الأمر الذي عمل مراراً وتكراراً على تأخير مناقشة الأمور المهمة. وقد عاود بعض هذه البلدان فتح المناقشات حول أمور اعتقد الآخرون أنه تمت تسويتها. وعلى سبيل المثال، فرضت دولة توفالو وغيرها من الدول القائمة على جزر صغيرة على المؤتمر تعليق مداولاته لمدة نصف يوم عندما حاولت جعل الهدف النهائي للمحادثات تحديد ارتفاع درجات حرارة الأرض بدرجة مئوية ونصف بدلاً من درجتين - وهو حد ترى بلدان كثيرة استحالة تحقيقه.

وعندما دخلت المحادثات أسبوعها الأخير، ازدادت المشاحنات سوءً . فقد كان من المقرر أن تكون أستراليا رئيسة مشاركة لإحدى اللجان التي تبحث في الالتزامات الخاصة بتقليل الانبعاثات ولكنها كانت بحاجة إلى بلد نام ليشاركها رئاسة اللجنة. ومن بين ما لا يقل عن عشرة بلدان تم الاتصال بها في هذا الشأن لم يقبل أي بلد أن يشارك في رئاسة تلك اللجنة.

وفي حين أن هناك مخاوف مشروعة لدى بعض البلدان التي كانت تثير الاعتراضات ــ حيث «من الصعب أن تتجادل مع أناس سوف تختفي بلدانهم» كما قال أحد المفاوضين ــ كانت النتيجة عدم إحراز تقدم بشأن النواحي الشكلية للاتفاقية.

لقد كانت كل التكتيكات فعالة جداً لدرجة أن بعض البلدان المتقدمة شكت في أن هناك حملة منسقة تقف وراءها الصين. فالصين لديها علاقات تجارية مع كثير من الـ 130 بلداً نامياً الأعضاء في مجموع الـ 77 والتي تعتبر الصين أقوى طرف فيها. فعلى سبيل المثال، فإن مجموعة الـ 77 هي برئاسة السودان التي لها علاقات وثيقة مع الصين من خلال الاستثمارات وتجارة النفط. وكان لومومبا دي أبينغ، رئيس المجموعة ، واحداً من أكثر مندوبي الدول النامية إثارة للمواجهة والتحدي، حيث شبه موقف الدول الغنية بالإبادة الجماعية.

وفي الوقت الذي بدأ فيه الزعماء بالوصول، كان إد ميليباند، وزير التغير المناخي في المملكة المتحدة، يحذر من خطر تحول المحادثات إلى مهزلة. وقد توقف التقدم بشأن المسائل الجوهرية وكان نص مسودة البيان ما زال محل مراوغة ومماحكة شديدة . فقد اختار كل من هوجو شافيز، رئيس فنزويلا؛ وإيفو موراليس، رئيس بوليفيا والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد استغلال الوقت المخصص لهم في هذا المحفل الدولي للتهجم على الرأسمالية بدلاً من الحديث عن التغير المناخي، الأمر الذي لم يساعد الأجواء.

وبعد تناول الغداء على مائدة ملكة الدنمارك، مارغريت الثانية، عقدت مجموعة تضم أكثر من 20 بلداً متقدماً ونامياً اجتماعاً مرتجلاً في منتصف الليل. غير أن الخلافات الكبيرة فيما بينها استفحلت بينما كان الزعماء محتشدين في غرفتهم الصغيرة في الطابق العلوي. وكان ذلك هو الوضع الذي وجده أوباما عندما دخل في محادثات تفصيلية وصفها أحد الحضور بأنها « أمر استثنائي يقوم به الزعماء».

وفي نهاية اليوم، عقد أوباما اجتماعات مع زعماء آخرين من بينهم رئيس الوزراء الصيني وين جياباو، غير أن المحاولات التي قام بها لعقد اجتماع بينه وبين زعماء البلدان النامية الرئيسة، ومن بينهم الرئيس البرازيلي لويز أناسيو لولا دا سلفا، ورئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما باءت بالفشل. فحسب الولايات المتحدة، فكما جاءت النهاية المقررة للمحادثات وذهبت، قال الوفد الهندي انه غادر متوجهاً إلى المطار- رغم أن أوباما اكتشف فيما بعد أن رئيس الوزراء الهندي مانموهان سنغ كان يجري مباحثات وراء الكواليس مع رئيس الوزراء الصيني وين جياباو.

وخلال الساعتين التاليتين، ولدت التسوية التي شكلت اتفاقية كوبنهاجن. وفي الساعة العاشرة والنصف مساء من اليوم، أعلن أوباما النتيجة التي تم التوصل إليها لمجموعة من الصحفيين قبل أن يصعد على طائرة سلاح الجو متذرعاً بالخشية من هطول الثلوج كسبب للمغادرة مبكراً.

لقد خلف حالة من الفوضى وراءه. وقد جاء رد فعل الكثير من البلدان النامية غاضباً على ما اعتبرته اتفاقية فرضت عليها من قبل الدول القوية. وخلال المناقشات الدراماتيكية التي كانت جارية في غرفة الاجتماعات الرئيسة للأمم المتحدة والتي تواصلت حتى شروق الشمس صباح اليوم التالي، قامت مندوبة فنزويلية بجرح يدها لتوضح كيف تقوم البلدان الغنية بإراقة دم الفقراء.

وكان واضحاً بحلول الساعة التاسعة صباحاً أن أربعة بلدان ــ هي فنزويلا، وبوليفيا، وكوبا ونيكاراغوا ــ تعارض الاتفاقية بقوة، ما يعني أنه لا يمكن تبنيها بصورة رسمية كقرار صادر عن اجتماع الأمم المتحدة. وبدلاً من ذلك، فإن الهيئة الرسمية الخاصة باتخاذ القرارات لمؤتمر الأمم المتحدة بكامل أعضائها، اتخذت قراراً أضعف بكثير من أن يلاحظ وجود الاتفاقية. وهذا يترك حرية التوقيع عليها للبلدان إذا ما رغبت في ذلك، لكنه يتطلب إجماعا في اجتماع عام جديد لجعل الاتفاقية أساساً لمعاهدة أممية جديدة حول التغير المناخي.

وفي صباح اليوم التالي، كان كبير المفاوضين الصينيين، سو وي، ينصِّل بلده من الاتفاقية. فقد قال:»هذه اتفاقية لم تحصل باتفاق الأطراف، وليست وثيقة متفقاً عليها، ولم تتم المصادقة عليها أو تبنيها بصورة رسمية. لقد تم إعدادها ومناقشتها من قبل مجموعة من الأشخاص الذين تمت دعوتهم خصيصاً لذلك.» إن النقطة التي كان يريد إيصالها هي أن الاتفاقية ليست قراراً رسمياً للأمم المتحدة ولكنها اتفاقية طوعية. ومضى يبين أن البلدان التي توقع عليها قد يكون لديها تحفظات ويمكن أن تتخلى عنها في أي وقت. إن كلماته تلقى بظلال من الكآبة على بقية المؤتمر. وشعر البعض أنهم تعرضوا للخيانة، رغم أن آخرين يعتبرون أن الأمر « سوء فهم ثقافي»، وذلك من قبيل التفاؤل. وقد أصر بعض مؤيدي الاتفاقية على القول بأن الصين، كونها وقعت عليها، لا تستطيع أن تنسحب منها.

وتصر البلدان المتقدمة على أن الاتفاقية، رغم أنها منقوصة، إلا أنها تعتبر خطوة كبيرة. وكما نُشِرت، فإن القسم الخاص ببيان التزامات البلدان الكبرى بخفض الانبعاثات الصادرة عنها تُرِك فراغاً، ولكن من المفترض أن تتم تعبئته في شهر شباط (فبراير). وإذا كررت الاقتصادات الرئيسة العروض التي قدمتها علانية، فلن تكون الاتفاقية بعيدة عن الإعلان السياسي الذي كانت تسعى إليه الأمم المتحدة.

المشكلة الفعلية في هذه الاتفاقية، على أية حال، هي أنها لم تُقبل رسمياً من جانب مؤتمر كوبنهاجن، الأمر الذي يعني أن من السهل تنحيتها جانباً، وهو انطباع عززته كلمات الصين. ويترك ذلك أمام الأمم المتحدة ستة أشهر أخرى، وربما محادثات بائسة للحصول على قبول، تتبعه المهمة الأقرب إلى المستحيل المتمثلة في تحويل مثل هذا القبول إلى معاهدة. كما أن هذا الأمر يترك العالم دون إطار عالمي لمعالجة التغير المناخي.

هذه الاستخلاصات، بعد أسبوعين من المشاهد غير المسبوقة، هي التي جعلت البعض يتساءلون ما إذا كانت الأمم المتحدة بما لديها من عمليات معرضة للتأخير، والمظاهر الاستعراضية والابتزاز من جانب مصالح خاصة، هي المنبر الملائم للتوصل إلى معاهدة. وهنالك حديث من جانب مسؤولين من دولة متقدمة حول المضي قدماً بمجموعة اصغر من الاقتصادات الرائدة، مثل اقتصادات مجموعة العشرين، المسؤولة عن معظم الانبعاثات الغازية العالمية، واعتبارها «تحالفاً للإرادة» فيما يتعلق بمسألة المناخ.

قدم بوفو دو بوير، أرفع مسؤولي شؤون المناخ في الأمم المتحدة مرتبةً، دفاعاً قوياً عن الأمم المتحدة، بينما كان يستعد لمغادرة الاجتماع، قائلاً إنه لا بد من شمول جميع البلدان للتوصل إلى صفقة. وأضاف أنه إذا اقتصر الأمر على دول مجموعة العشرين: «فإنك لن ترى حول الطاولة تلك البلدان التي كانت في الخط الأول لجبهة التعامل مع آثار التغير المناخي، ولكن لديها اقتصادات صغيرة. «إن ذلك جزء من السبب الذي جعل الناس يتكبدون عناء إنشاء الأمم المتحدة، حيث أنهم أرادوا معالجة المشكلات بصورة متساوية».

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية