الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يمكن لمعركة حول الأرض أن تتحول إلى حرب دينية.

ملّ العالم تماماً من الاستماع إلى الحديث عن الآمال المحطمة على الدوام للسلام في الشرق الأوسط: هذا الأمر المعذِب بأن يتمكن الإسرائيليون والفلسطينيون من التوصل إلى وسيلة لتقاسم الأراضي المقدسة، هذه القطعة من الأرض التي يبدو أن الصراع المرهق عليها كان معنا منذ الأزل.

أليست هنالك صراعات أخرى أكثر بكثير، وأشد إلحاحاً كي يحلها رجال الدول، مثل كيفية تجنب ركود آخر، والحيلولة دون التغير المناخي، والتقدم في قضية نزع الأسلحة النووية. بل أليست هنالك داخل منطقة الشرق الأوسط الأوسع – قوس الأزمة – تحديات أشد إلحاحاً؟

يختال الجهاديون عبر المنطقة المتداخلة بين أفغانستان، وباكستان. وليس هنالك ما يوضح أن الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، قد توصلا إلى معادلة للتعامل معهم. كما أن إيران تعيش حالة من الهياج بعد الانتخابات المسروقة في الشهر الماضي، والقمع الوحشي الذي تعرضت له المعارضة بعد ذلك. ويغلق حكام إيران الدينيون، وحرسهم الثوري، باب المفاوضات الذي فتحه باراك أوباما، محاولين إيجاد حالة من الحصار لتبرير احتكارهم السلطة والموارد. وهنالك خطر حقيقي بالانجراف إلى الحرب، ولا سيما إذا نفذت إسرائيل تهديداتها بقصف المنشآت النووية الإيرانية.

إن اليمن ينفجر داخلياً بعيداً عن مراقبة شاشات الرادار. ولا يعود ذلك بصفة أساسية لكونه أصبح ملاذا للقاعدة، أو بسبب تمرد شرس ومزعج في الشمال من جانب الشيعة المتشددين، بل إن الخطر الحقيقي هو حرب أشعلتها اتحادات قبلية جنوبية ناقمة تسحب الإيرانيين والسعوديين، وآخرين إلى ما يمكن أن تصبح كونغو مصغرة في شبه الجزيرة العربية.

هنالك بعد ذلك تركيا، حيث توجد دراما أكثر سياسية، ولكنها من ذلك النوع الذي يمكن أن تتحرك فيه أمور كثيرة تخص المنطقة والغرب. ويعمل الأسلوب الخالي من الكياسة الذي تتبعه فرنسا، وألمانيا في رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، على دفع هذا البلد باتجاه الشرق. ومن تناقضات الأمور أن الحكومة الإسلامية الجديدة برئاسة رجب طيب أردوغان تبدو قادرة على سحب تركيا الشرقية صوب الغرب، بينما يبتعد الأتراك الميالون إلى أوروبا عن هذه القارة. غير أنه إذا توقف الاتحاد الأوروبي عن التأمل العميق في وسطه، ورأى أن النجاحات الدبلوماسية التركية الحديثة في الشرق الأوسط هي ميزة استراتيجية، وليست دليلاً على الشخصية المنشقة، فإن ذلك يمكن أن يغير اتجاهات الأتراك الميالين إلى أوروبا.

في ظل هذه الخلفية المزدحمة، قد يبدو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عامل إزعاج محلي الطابع، حيث إن "تكامل صراعهم" لا يمكن تقليصه، كما وصف تشيرتشل صراع الإيرلنديين الشماليين. وهنالك فيض من التعليقات الحديثة التي دعت إلى ترك الإسرائيليين الماضين في الإثم والشر، والفلسطينيين المنقسمين، يحلون مشكلاتهم بأنفسهم. وقد أخفق أوباما، شأنه في ذلك شأن أي رئيس أمريكي سابق، في جعلهم يتفقون على أي شيء.

مع ذلك، فإن أفضل ما يوصف به هذا الرأي بأنه بعيد عن الذكاء والعبقرية، بالادعاء أن طرفين بمثل ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين من فروق قوة، وموارد، ودعم دبلوماسي مالي هائل، يمكن أن يتوصلا، على الإطلاق، إلى اتفاق بجهودهما الخاصة. وإن الفلسطينيين واقعون تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما أن الأرض التي يأملون أن يقيموا دولتهم عليها يتم قضمها يومياً.

إن أي احتمال لتقسيم الأرض المقدسة إلى دولتين يكون فيها 78 في المائة من فلسطين التاريخية للإسرائيليين، و 22 في المائة منها (الضفة الغربية، وغزة، والقدس الشرقية) للفلسطينيين، سوف يتبخر قريباً، إن لم يكن قد تبخر بالفعل.

عدا عن إنكار العدالة على الفلسطينيين عندما يزيد عدد سكان أحد الجانبين على الآخر، فإن ذلك ينفي مزاعم إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية يهودية. وسوف يحكم هذا الأمر على العرب والإسرائيليين بأن يعيشوا في دولة ثنائية الهوية، وغير معترف بها في المنطقة، أو على النطاق العالمي.

يبدو أن أوباما يفهم أن هذا الصراع ليس مجرد صراع إقليمي، حيث إن حله يمكن أن يضع علاقات أمريكا والغرب، مع العالمين الإسلامي والعربي على قاعدة جديدة. ولكن ما يحتاج الجميع إلى فهمه، هو أنه إذا لم يعد هذا الصراع متعلقاً بالأرض، وتقسيم عادل وفي منتصف الطريق للأراضي المقدسة، فإنه يخاطر بعد ذلك في أن يصبح حرباً دينية، وحينئذ لن يكون صراعاً على أمر تافه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية