تحركت المافيا الإيطالية بسرعة. وبالنسبة للعصابات، كان الأمر وكأنه عملية البيع السريعة في هذا القرن حين يكون بالإمكان في الغالب الحصول على كل شيء، وكل شخص بثمن زهيد للغاية، من الملاهي إلى مواد تصنيع القنابل النووية.
في اللحظة التي تم فيها اختراق جدار برلين قبل عشرين عاماً، اعترض المحققون الإيطاليون محادثة هاتفية للتصنت على عضو في المافيا يطلب من وكيله في المدينة أن يعبر فوراً إلى الشرق ويبدأ في الشراء.
سأل الوكيل: ''ماذا أشتري''؟ فأجاب الرئيس: ''مطاعم، ملاهي، كل شيء، كل شيء! كل شيء!''.كان من بين العواقب غير المتوقعة والخطرة لانهيار الاتحاد السوفياتي، حسبما تقول جهات الادعاء العام المكافحة للمافيا، ميلاد فجر ''عالم بلا حدود'' لمجموعات الجريمة المنظمة.
بشكل خاص، دفع ذلك بمافيا ''كالابريا'' Calabrian Mafia ، المعروفة باسم ''ندرانجيتا'' Ndrangheta المتجذرة في أقصى جنوب إيطاليا، باتجاه امتداد ومكانة عالمية لا تضاهيها فيها أي منظمة أخرى من المنظمات الإجرامية. وقارنت هيئة مكافحة المافيا البرلمانية في إيطاليا هيكل ''ندرانجيتا'' الأشبه بالخلية، والمعتمد على العائلة، بالنموذج المؤسسي للقاعدة، وقارنت شهرتها في عالم الجريمة بالعلامة التجارية للشركات متعددة الجنسيات. ويقدر معهد يوريسبيسز للأبحاث أن ''ندرانجيتا'' حصلت على عائد يبلغ 47 مليار يورو (70 مليار دولار، 42 مليار جنيه استرليني) في عام 2007.
قالت الهيئة في تقرير صدر العام الماضي: ''إن عملية العولمة، وسقوط جدار برلين، وتوسعة الاتحاد الأوروبي، ومناطق شنغين الجديدة، تم استخدامها كافة من قبل عصابات ''كالابريا'' لتعطي زخماً لبنائها طرقاً جديدة، ليس لتجارة المخدرات فحسب، وإنما لتدفقات رأس المال غير القانوني كذلك''.
حيث إن انهيار الاتحاد السوفياتي جلب الكثير من الجوائز، كانت ''ندرانجيتا ''تبرز كقوة مهيمنة لتجارة الكوكايين من أمريكا الجنوبية. في الفترة ذاتها كانت أموال الاتحاد الأوروبي، وأموال التنمية الوطنية، تتدفق إلى ''كالابريا''، أكثر المناطق فقراً في إيطاليا، وينتهي قسم كبير منها بين يدي العصابة. إن ما بدأ في القرن التاسع عشر كعصابات تتمركز في القرى وتركز على الخطف، تطور ليصبح مؤسسة متطورة، وتستمر على الصعيد المحلي بخدع الابتزاز والعطاءات الحكومية، وعلى الصعيد الدولي بواسطة تجارة المخدرات، والأسلحة، والتخلص من النفايات السامة.
يقول فرانسيسكو فونتي، وكان رئيساً سابقاً في المافيا، متأملاً في الأيام المبكرة من حياته مع ''ندرانجيتا'' في أواخر ستينيات القرن الماضي: ''في تلك الأوقات، كان هؤلاء مجرد سكان الجبال''.
ويضيف: ''لكن سكان الجبال هؤلاء أرسلوا أولادهم بعدئذ إلى الجامعات. وهم الآن مهنيون – محامون، ومستشارون، وخبراء حاسوب، ومهندسون. وتركوا كالابريا وتنقلوا في شتى أرجاء العالم، وينظمون الاستثمارات بأموال العائلة. ويرى الكثير من هذه الأموال ضوء النهار بواسطة مؤسسات شرعية''.
كان فونتي يتحدث من موقع في شمال إيطالياـ حيث يمضي عقوبة السجن لمدة 50 عاماً. وهو يتعاون الآن مع السلطات.
كان هناك أمر هامشي مهم في تسعينيات القرن الماضي، وما زال مستمراً إلى يومنا على الأرجح، وهو التجارة بالمواد النووية، وفي الغالب من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، ولكن أيضاً من برنامج الذرة الأمريكي من أجل السلام السابق الذي كان يرسل الوقود النووي إلى شتى أرجاء العالم. يتذكر فونتي قائلاً: ''حين انهار جدار برلين، وجد جميع أولئك الذين كانوا يعملون لصالح الاستخبارات السوفياتية، كيه جي بي KGB، أنفسهم في الشارع، لذا بدأوا بالتجارة – في البلوتينوم والأسلحة''. يقول فونتي، البالغ من العمر 61 عاماً، إن عصابة ''ندرانجيتا'' في جنوب مدينة ريجيو كالابريا حصلت على ست اسطوانات تحتوي اليورانيوم، تبلغ قيمة كل أسطوانة منها 20 مليون يورو.
ويضيف: ''استعادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خمس أاسطوانات منها، وأما السادسة، فلا أحد يعرف مصيرها. وجاءت هذه الأسطوانات من المفاعلات النووية الروسية''.
تذكر أليسون جاميسون أثناء كتابتها لمعهد الأبحاث البريطاني لدراسة الصراعات والإرهاب، أن الاتصالات الرسمية بين المافيا الروسية والمافيا الإيطالية بدأت عبر أوروبا الشرقية في عام 1991، وتركزت على المخدرات، والأسلحة، والعناصر النووية. وفي عام 1993 تم اعتقال إيطاليين بالقرب من حدود روسيا البيضاء، وتم اتهامهما بتهريب 36 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب. في ظل ثروة ما بعد الفترة الشيوعية، يصف فونتي كذلك أنه عُرض عليه 50 طائرة شحن من نوع إليوشين من قبل عقيد في الاستخبارات السوفياتية بواسطة وسيط إيطالي. ورفض فونتي قبولها، وادعى أنه تم امتلاكها من قبل فيكتور بوت، الذي يزعم أنه تاجر أسلحة روسي، والذي يقول إنه شحنها إلى ليبيريا. وتريد الولايات المتحدة جلب بوت من تايلاند، حيث اعتقل العام الماضي. أخذت التجارة فونتي إلى شتى أرجاء العالم، بما فيها الصومال وهي سوق كبيرة للتخلص من النفايات وبيع الأسلحة، وأفغانستان حيث كان يشتري المخدرات. وكانت سنغافورة بمثابة صيد مفضل – ''جميع أنواع التجارة الموجودة في العالم كانت هناك... بما فيها السفن والصواريخ'.
تبحث السلطات الإيطالية حالياً عن ثلاث سفن يدعي فونتي أنه أغرقها شخصياً قبالة شاطئ كالابريا، وهي محملة بالنفايات السامة، بما فيها مواد نووية.
يتميز فونتي بكونه رجلاً بليغ التعبير ويتحدث بنعومة، وقد درس الرياضيات، والفيزياء، والتجارة في الجامعة.
دخل عصابة ''ندرانجيتا'' في عام 1968 ليحمي والده من الهجمات على تجارته، ولكنه اكتشف أنه لن يستطيع المغادرة على الإطلاق. ''فقط في الاتجاه الأفقي''، حسبما قيل له.

