بعد كل هذا القلق وهذه الآلام، تم التوقيع والمصادقة على معاهدة لشبونة وسرى مفعولها أخيراً. تمخضت ثمانية أعوام من الجدل الدستوري والخلاف العاصف في كثير من الأحيان، عن إدخال تحسينات متواضعة على الديمقراطية والكفاءة في الاتحاد الأوروبي. وما من شك في أن الاتفاقيات تمخضت أيضاً عن بعض السخافات التي ستتكشف فقط بمرور الوقت. لكن بالنسبة للوقت الراهن يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يضع صخبه الذي لا نهاية له بشأن الهندسة المؤسسية خلفه ويركز على عالم الأفعال.
هناك عمل ينبغي القيام به إذا أرادت أوروبا أن تنجو من الأزمة الاقتصادية الحالية من دون تفشي الحمائية الكريهة داخل الاتحاد الأوروبي وعلى حدوده. ويتطلب هذا أن تبادر المفوضية الأوروبية إلى فرض السياسة الخاصة بالمنافسة وأجندة تحرير التجارة، في وقت تقع فيه الدول الأعضاء تحت إغراء الاهتمام بمصالحها الوطنية الضيقة.
وينبغي للاتحاد أيضاً أن يستخدم موارده الموحدة إذا أراد أن يكون له تأثير على النظام العالمي المستقبلي، الذي سينبثق عن الركود. إن المفاوضات التي جرت في كوبنهاجن حول موضوع التغير المناخي لم تكن مطمئنة، لأن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن في النهاية من التأثير على الولايات المتحدة والصين كي توقعا على اتفاقية محددة بخصوص الانبعاثات الكربونية. لكن يجب على الاتحاد الأوروبي أن يدفع باتجاه الاتفاق على خطة منسقة حتى يوجد لنفسه موقعا مهما وثقلا.
ويجب أن يتصدر الاقتصاد أجندته الداخلية. إذ ترى إحدى المدارس الفكرية أن الاتحاد الأوروبي كان بطيئاً وضعيفاً في تنسيق رد مشترك على الركود في 2008. وقد استغرق الأمر وقتاً كي يتم الاتفاق على برنامج يجمع بين التحفيز المالي والالتزام بالتنظيم مستقبلاً. غير أن ذلك الإجماع تحقق ولعب دوراً كبيراً في إحداث توازن مشابه للعمل تم اعتماده من جميع الأعضاء في مجموعة العشرين للاقتصادات المتقدمة والناشئة.
ومما لا شك فيه أنه ستكون هناك تحديات أمامه على صعيد تقديم الدعم للاقتصادات التي كانت الأكثر تأثراً بالركود. فقد اضطرت الضحايا الأولى للركود، مثل هنغاريا ولاتفيا ورومانيا، إلى تنفيذ برامج قاسية للتقشف المالي كي تتأهل للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي ومن المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي.
وتبين أن عضوية منطقة اليورو نعمة وقيد: الدول الأعضاء لا تستطيع استخدام أسعار صرف عملاتها كي تتحمل عبء تحسين الأوضاع. فقد ترتب على إيرلندا أن تنفذ حزمتها الانكماشية القاسية، ومن المتوقع الآن أن تفعل اليونان الشيء نفسه مقابل أي وعد بتقديم دعم خارجي لها. فألمانيا تعارض أن تكون مقدم الدعم الرئيسي في منطقة اليورو من دون الحصول على وعود من شركائها بتصحيح سياساتهم المالية في المقابل.
وتتمثل الخطوة المهمة التالية في فرض الأنظمة المالية اللازمة للحؤول دون تكرار المضاربة الشرسة التي سببت الانهيار. وتستطيع أوروبا أن تلعب دوراً قوياً إذا قامت بترتيب بيتها أولاً، مقدمة بذلك أنموذجاً للوكالات متعددة الجنسيات الأوسع، من قبيل مجلس الاستقرار المالي الذي يعمل في خدمة مجموعة العشرين.
ويجب على الذين يتوقعون حدوث تحول في القدرة الأوروبية على الحسم بعد أن أصبحت معاهدة لشبونة نافذة الآن، أن يفكروا مرة أخرى. ذلك أن اختيار هيرمان فان رومبي رئيساً للمجلس الأوروبي، والبارونة كاثي آشتون ممثلة عليا للسياسة الخارجية، يدل على أن زعماء الدول الأعضاء الكبرى في الاتحاد لا يريدون أن تكون بروكسل قوية وفاعلة. لكن هناك مجالات يجب على الاتحاد الأوروبي أن يصوغ فيها سياسة أكثر تناغماً. أحد هذه المجالات تجاه جيرانه الأكثر أهمية – وعلى الأخص روسيا وتركيا – كي يضمن الاستقرار في ساحته الخلفية.
إن شركاء أوروبا العالميين، ومنهم الولايات المتحدة وروسيا والصين، يعرفون كل شيء عن ممارسة اللعبة الدبلوماسية المتمثلة في فرق تسد. وهذا أمر سهل بوجود 27 بلداً عضواً في الاتحاد الأوروبي. لكن إذا أراد الأوروبيون أن يكونوا لاعبين دوليين، فيجب عليهم أن يعملوا معاً. وهذا شيء لا تضمنه معاهدة لشبونة. إن الإرادة السياسية لزعماء الاتحاد الأوروبي للتعاون فيما بينهم هي التي تشكل عنصر الحسم.