الدولار الذي كان لفترة طويلة بمثابة الفتى حامل السوط في أسواق العملات، يشن هجوما مضادا هذه الأيام.
منذ أن بلغ أدنى مستوى له خلال 16 شهراً ـ على أساس مرجح بالتجارة ـ في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)، ارتفع الدولار أكثر من 5 في المائة، وأظهرت علاقته السلبية القوية بالموجودات الخطرة، مثل الأسهم، علامات على الانقطاع.
غير أن المستثمرين منقسمون حول ما إذا كان هذا الارتفاع يعكس تصاعداً في الرهانات على الدولار قبيل نهاية العام، أم أنه بداية لاتجاه تصاعدي طويل الأجل في العملة الأمريكية.
الحقيقة هي أن الدولار، وهو يعكس وجهات النظر المستقطبة في السوق، كما جاء في دراسة حديثة لمشاعر المستثمرين أعدها باركليز كابيتال، وجمع فيها وجهات نظر 724 مؤسسة مالية من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك مديري استثمارات وبنوك مركزية، قيل عنه إنه ثاني أفضل خيار لدى المستثمرين، وثاني أقل العملات تفضيلاً قبيل عام 2010.
ارتفع الدولار مقابل خلفية من البيانات الاقتصادية الأمريكية الأقوى من المتوقع، بما في ذلك قوة مفاجئة في تقرير عن البطالة، وصعود في تضخم أسعار المستهلك في بداية الشهر الجاري.
عمل ذلك على تشجيع وجهة النظر القائلة إن الاحتياطي الفيدرالي سيتخلى عن موقفه الخاص بالسياسة النقدية المخففة للغاية خلال فترة أقرب من المتوقع، الأمر الذي يقلل جاذبية الدولار عملة تمويل في تجارة المناقلة، التي يتم فيها بيع العملات ذات العائد المنخفض لتمويل شراء موجودات أخطر وأعلى عائدا في أماكن أخرى.
اكتسبت وجهة النظر هذه ثقلاً إضافياً بعد أن أعلن الاحتياطي الفيدرالي عقب اجتماعه الخاص بسياساته في الأسبوع الماضي، انسحابه المجدول من عدد من تسهيلات سيولة الأجل القصير في شباط (فبراير) المقبل. وقبل عودة صعود الدولار هذا الشهر كانت عملية بيع هذه العملة منذ آذار (مارس) حتى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)، قائمة على عودة النشاط إلى الفعاليات الاقتصادية العالمية ووجود شروط سيولة عالمية خفيفة، الأمر الذي شجع تدفقات رأس المال إلى الخارج من ملاذ الأوراق المالية الحكومية الأمريكية إلى موجودات أعلى مخاطرا، مثل الأسهم واستثمارات الأسواق الناشئة والاستثمارات المرتبطة بالسلع.
شجعت أسعار الفائدة المتدنية قصيرة الأجل في الولايات المتحدة إعادة تخصيص الموجودات هذه، وتم استخدام الدولار عملة تمويل لتجارة المناقلة، الأمر الذي قوّض قيمة العملة. ويعتقد البعض أن تجارة المناقلة هذه تتفكك في الوقت الراهن.
يقول لي هاردمان، من بنك طوكيو ميسوبيشي UFJ: ''بوجود دلائل في الوقت الراهن على أن تعافي الاقتصاد الأمريكي يكتسب قوة دافعة، ويفترض أن يكون أكثر استدامة، فإن ذلك يساعد على ضمان أن تصبح تدفقات رأس المال أكثر توازناً، وبالتالي أقل سلبية في تأثيرها على الدولار. ومن المحتمل أن يحقق الاقتصاد الأمريكي أعلى عودة للنمو الإيجابي بين الاقتصادات الرئيسية في العام المقبل، الأمر الذي يحرك تفوق الدولار في أدائه على العملات الرئيسية الأخرى''.
من الأمور التي ساعدت على تقدم الدولار تدفق أنباء سلبية من قبل وكالات التصنيف حول الوضع المالي لبلدان خارج الولايات المتحدة، ولا سيما في أوروبا.
ويبدو أن بيانات بورصة شيكاغو التجارية التي تعتبر، على نطاق واسع، وثيقة لنشاطات صناديق التحوط، تعكس التحول في المشاعر.
على الرغم من استمرار المضاربين في اتخاذ مراكز مكشوفة على الدولار، تراجعت الرهانات ضد العملة الأمريكية في الأسبوع الذي انتهى في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) الجاري إلى أدنى مستوى لها منذ تموز (يوليو) 2008.
غير أن آخرين يقولون إن ارتفاع الدولار في كانون الأول (ديسمبر) هو علامة على تقلبات مستدامة في هذه العملة. وارتفع اليورو، مثلا، في كانون الأول (ديسمبر) 2008 مقابل الدولار من 1.26 إلى 1.44 دولار، قبل أن يتراجع إلى 1.26 دولار في شباط (فبراير).
وبحسب جون نورمان، من جيه بي مورجان، الدرس واضح: لا تطاردوا تحركات كانون الأول (ديسمبر)، ما لم يكن هناك تحول في الأساسيات الاقتصادية.
ويجادل بأن بعض المراقبين يرون أن قوة الدولار إشارة إلى أن الاقتصادات الأمريكية والأوروبية تنفصل بعد سلسلة بيانات أمريكية أقوى من المتوقع، وحدوث تخفيضات ائتمانية سيادية في منطقة اليورو.
ويقول: ''إن كلا من نهج انفصال اقتصادات أمريكا وأوروبا وتخفيض السيولة، يعمل في صالح ارتفاع الدولار، إذا كانا مستدامين، لكنهما ليسا كذلك''.
ويضيف نورمان أن القضايا السيادية ليست كافية لدفع وتحريك فك ارتباط دوري، وما زالت أمام الاحتياطي الفيدرالي أشهر للبدء في عمليات كفيلة بتغيير رئيسي لبيئة السيولة العالمية.
غير أن هناك توافقاً على نطاق واسع في الأسواق إزاء قضية واحدة: سيرتفع الدولار بمجرد أن يشير الاحتياطي الفيدرالي إلى أنه مستعد للتخلي عن التعهد بالإبقاء على مستويات متدنية للغاية لأسعار الفائدة الأمريكية ''لفترة مطولة''.
إن توقيت مثل هذا التحرك هو الذي يركز ويستقطب وجهات النظر إزاء الدولار.

