في خضم الانتصارات المدوية والفضائح الصارخة التي شهدها العقد الأول من الألفية الجديدة وقف العداء الجاميكي يوسين بولت شامخا ليذكر العالم لماذا تمثل الرياضة مصدر جذب وولع للكثيرين. وحظي بولت بتحية حارة ممزوجة بعدم التصديق في استاد عش الطائر ببكين في 2008 حين حطم الرقم القياسي العالمي لسباق 100 متر ليصبح أول عداء في التاريخ يسجل زمنا أقل من 9.7 ثانية في هذا السباق.
ولم يكن الزمن الذي سجله بولت وحده مصدر الذهول بل أضيف إليه الطريقة التي خاض بها السباق وحقق الفوز. وبدا أن بولت يسخر من الرقم العالمي السابق والجهد الذي بذله منافسوه حين أبطأ من سرعته وأخذ ينظر يمينا ويسارا قبل تجاوز خط النهاية. وسجل بولت رقما قياسيا آخر في نهائي سباق 200 متر عدوا وفي هذه المرة حطم رقم الأمريكي مايكل جونسون الذي سجله في 1996 بعدما كانت التوقعات أن يصمد ذلك الرقم لمدة 25 عاما. وأضاف بولت رقما عالميا ثالثا بفوزه مع فريق بلاده بسباق التتابع أربعة في 100 متر.
وفي 2009 عاد بولت ليسجل زمنا أقل من 9.6 ثانية في سباق 100 متر ثم عاد ليحطم الرقم القياسي لسباق 200 متر في بطولة العالم ببرلين. وأكد بولت في مضمار ألعاب القوى والأمريكي مايكل فيلبس في أحواض السباحة والروسية ايلينا ايسنباييفا في منافسات القفز بالزانة أن أكثر الرياضات التقليدية الاولمبية اعتمادا على الجهد الفردي يمكن أن تصبح الأكثر تحقيقا للإنجازات. وأحرز فيلبس ثماني ميداليات ذهبية في تسعة أيام فقط ببكين بينها سبع تحققت بأرقام عالمية جديدة في حين ارتقت ايسنباييفا أعلى من جميع منافساتها لتقفز لارتفاع 5.5 متر مسجلة رقما عالميا حمل رقم 24 بالنسبة لها.
وجاءت انجازات بولت القياسية التي تحققت في نهاية العقد بعد فترة من المشاكل سببتها أحداث في بدايته. وفي 2000 سطع نجم العداءة الأمريكية ماريون جونز بعد أن أعلنت أنها ستتفوق على مواطنيها جيسي اوينز وكارل لويس وتفوز بخمس ميداليات ذهبية اولمبية في ألعاب القوى. لكن جونز التي تصدرت صفحات الغلاف في الصحف والمجلات البارزة بعدما حصلت على عقود بملايين الدولارات تابعت اولمبياد بكين 2008 من وراء قضبان السجن بعدما اعترفت باستخدامها وبشكل منتظم المنشطات قبل دورة سيدني.
لكن بولت لم يسقط أو يتخلف يوما عن اختبار للكشف عن المنشطات وتقدم خطواته العملاقة التي تنهب الأرض بسرعة تفوق جميع معاصريه تفسيرا علميا وجيها لانتصاراته الهائلة. ورغم ذلك يبقى على بولت وبقية الرياضيين في هذا العصر مواجهة شكوك تحيط بالرياضة في القرن الحادي والعشرين مع ارتفاع قيمة الجوائز المالية بصورة تضع ضغوطا غير مسبوقة على كاهل الرياضيين لتحقيق النجاح.
وسيطرت فضائح المنشطات على سباق فرنسا للدراجات وأثرت بشدة على مصداقية الرياضيين في ألعاب القوى ورفع الأثقال. وعوقب هانسي كرونجي قائد منتخب جنوب افريقيا للكريكيت وقائدان آخران لفريقين دوليين بالإيقاف مدى الحياة في 2000 بسبب التلاعب في نتائج مباريات. وهذا العام أقر فريق رينو لسباقات فورمولا 1 للسيارات بأن سائقه البرازيلي نيلسون بيكيت تعمد الاصطدام خلال جائزة سنغافورة الكبرى 2008 ليساعد زميله الاسباني فرناندو الونسو على الفوز بالسباق.
وانفضح أمر جونز على إثر فضيحة معمل بالكو حيث كشف محققون اتحاديون أنها كانت أحد عملاء المعمل الذي تخصص في إنتاج عقاقير منشطة مصممة خصيصا للتحايل على خبراء الكشف عن المنشطات. وكان باري جونز لاعب فريق سان فرانسيسكو جيانتس للبيسبول والذي يواجه اتهامات بأنها كذب على هيئة محلفين عليا بشأن استخدام منشطات بعدما سجل رقما قياسيا في عدد الركضات هو الآخر أحد عملاء معمل بالكو.
لكن رغم كل عثراتها فإن المنافسات الرياضية احتفظت بشعبيتها بل وازدهرت في عالم حولته التقنية الحديثة إلى قرية صغيرة ويبدو المستقبل مشرقا أمام الرياضات المختلفة رغم الأزمة المالية التي عصفت بالعالم بعد دورة بكين الاولمبية بقليل. وبدأت الألعاب الرياضية تخرج بعيدا عن نطاق أسواقها التقليدية حيث ستبدأ على سبيل المثال بطولات الجولة الاوروبية للجولف في شنغهاي وتختتم في دبي. وقدمت بطولة العالم للفورمولا 1 للسيارات والتي هيمن عليها السائق الألماني مايكل شوماخر بحصوله على سبعة ألقاب في الجزء الأول من العقد في سنغافورة مثالا رائعا للسباقات الليلية.
كما اتخذ سباق فرنسا للدراجات من العاصمة البريطانية لندن نقطة انطلاق بعد عامين من تحقيق المتسابق الأمريكي لانس ارمسترونج رقما قياسيا بالحصول على لقب سابع على التوالي في أشهر سباقات الدراجات في العالم. واعتزل ارمسترونج الذي كافح ليتعافى من مرض السرطان الذي اصاب رئتيه ودماغه في 2005 لكنه عاد للمنافسات في 2009 ليحتل المركز الثالث في السباق الفرنسي وهو انجاز ليس بالقليل.
كما تحول رياضيون لتمثيل بلدان أخرى من أجل زيادة دخولهم المحتملة إذ فازت سويسرا وهي دولة داخلية لا سواحل لها بلقبين في سباق أمريكا لليخوت بفضل استعانتها بفريق يسيطر عليه نيوزيلنديون. وقبل نهاية العقد أصبح أفضل لاعبي كرة قدم في العالم وهما البرتغالي كريستيانو رونالدو والارجنتيني ليونيل ميسي متنافسين في دوري الدرجة الأولى الاسباني.
وساعدت الأموال التي تدفع من أجل الحصول على حقوق البث التلفزيوني للرياضات على تعزيزها وبصفة خاصة كرة القدم التي أصبحت الآن بلا شك رياضة عالمية اكثر من اي وقت مضى. فرغم الأزمة الاقتصادية العالمية يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جمع 2.5 مليار دولار من إيرادات البث التلفزيوني لنهائيات كأس العالم 2010 في جنوب افريقيا.
وبفضل عقد للبث التلفزيوني مع شبكة سكاي التلفزيونية أصبح الدوري الانجليزي لكرة القدم الأكثر شعبية وإثارة في العالم. وفي بكين كانت شركة اديداس الالمانية لصناعة الملابس والمعدات الرياضية راعية للجنة الاولمبية الصينية بينما وقعت غريمتها الأمريكية نايكي عقدا لرعاية 22 فريقا صينيا.
واستمتع عشاق التنس بإبداعات السويسري روجيه فيدرر على ملاعب ويمبلدون العشبية وبالقوة البدنية الهائلة لغريمه الاسباني رفائيل نادال على الملاعب الرملية في رولان جاروس مقابل تألق الشقيقتين الأمريكيتين فينوس وسيرينا وليامز على الملاعب الصلبة. وخلال السنوات الأولى من هذا العقد فقدت رياضات أخرى شعبيتها ولعل أبرزها ملاكمة وزن الثقيل التي أصبحت خاضعة لهيمنة ملاكمين أقوياء باعثين على الملل من دول الكتلة السوفيتية السابقة.
وفي سبتمبر 2009 أعلنت مجلة فوربس أن تايجر وودز لاعب الجولف الأول في العالم والذي خلف مواطنه لاعب السلة السابق مايكل جوردان كأشهر رياضي في العالم قد أصبح أول رياضي تبلغ ثروته مليار دولار. وأصبح وودز ظاهرة رياضية وتجارية منذ فوزه ببطولة امريكا للأساتذة في 1997 بفارق 12 ضربة عن أقرب ملاحقيه. وخلال مسيرته حقق إنجازات غير مسبوقة زادت من شعبية الجولف وجاذبيتها.
لكن طموح وودز الدائم في تجاوز الرقم القياسي لجاك نيكلاوس كأكثر لاعبي الجولف حصولا على الألقاب في البطولات الكبرى قد علق في الشهر الأخير من العقد حين اعترف بخيانة زوجته وأعلن حصوله على راحة غير محددة المدة من اللعبة. ويعد وودز لاعب جولف لا يشق له غبار وربما يكون الأفضل في تاريخ هذه الرياضة كما ظهر حين فاز ببطولة امريكا المفتوحة في 2008.
لكن ما خيب الآمال فيه هو أنه ليس الشخصية الفاضلة التي تمناها والده الراحل إيرل أو الشخص المثالي الذي حرصت الشركات الراعية على الترويج له. غير أن أحد أهم خصائص الرياضة هي المفاجآت. فقضية وودز التي تظهر أنه مهما عظمت موهبة الرياضيين فإنهم يظلون بشرا لهم يخطئون مثل باقي الناس.. وهذا الشيء في حد ذاته هو أحد أسباب جاذبية الرياضة.

