العلاقة بين سائقي الشاحنات المعسرين في روسيا ومصنع في اسكتلندا يصنع حسّاسات تدفق الجعة، ليست واضحة على الفور.
غير أن هذه العلاقة أوجدت سوقاً جديداً لشركة كانونجيت تكنولوجي، وهي شركة في إدنبرة، وتعد رائدة عالمية في الأنظمة الآلية لمعامل التخمير. وقد عملت هذه الشركة على تعديل وتكييف حسّاساتها لاستخدام جديد. فبدلاً من قياس مستوى ارتفاع الجعة في خزانات مصانعها، أصبحت تقنيتها الآن تستخدم كذلك لمعرفة وضبط ما إذا كان أولئك الذين يقودون الشاحنات في روسيا يهرّبون الوقود لبيعه بصورة غير مشروعة.
تحرك ''كانونجيت تكنولوجي'' هذا جزء من اتجاه معروف بـ ''التنويع الناعم''، حيث تستخدم فيه الشركات المعرفة التقنية المعينة كمنصة انطلاق لإنشاء عمليات جديدة في مجال ذي علاقة.
يقول هيرمان سيمون، الرئيس التنفيذي لشركة سايمون- كوشر بارتنرز، وهي شركة استشارات ألمانية، ''يقدم التنويع الناعم طريقة للشركات للدخول في قطاعات جديدة، وربما الحصول على موارد عوائد جديدة، ولكن في الوقت نفسه المحافظة على علاقة بنشاطاتها العملية الأصلية''.
تمثل هذه الاستراتيجية طريقة متدنية المخاطر للدخول في مجالات جديدة، إذ إن الخطوات فيها صغيرة، حيث يتم تجنب القفزات الواسعة التي تتطلبها استراتيجيات التنويع الأكثر تطوراً وتعقيداً. وبينما لا تعد هذه الطريقة في دخول مجالات جديدة، جديدة بصفة خاصة، فإن عدد الشركات التي تتبناها في ازدياد، بينما يسعى المزيد من الشركات إلى استغلال ملكيتها للتقنيات المتوافرة لديها. وبإمكانها من خلال إعادة استخدام الخبرة المتوافرة لديها بالفعل ليس فقط الإبقاء على تدني المخاطرة، وإنما كذلك المحافظة على تدني التكاليف، حيث أن ذلك يزداد جاذبية، بينما لا يزال الاقتصاد العالمي هشاً، كما أن الحصول على الأموال من أجل الاستثمار ما زال أمراً صعباً.
ويقول سيمون من شركة سايمون- كوشر بارتنرز، إن الشركات التي تلجأ إلى التنويع العالمي هي في الغالب شركات صغيرة نسبياً، وتفتقر إلى الموارد اللازمة لإحداث قفزة كبرى نحو مجالات جديدة، كما أنها متلائمة بصورة أفضل ثقافياً لأسلوب يقدم على التحرك خطوة بعد خطوة.
من أفضل أمثلة شركات التنويع الناعم، شركة ميليبور الأمريكية التي تم تأسيسها في عام 1954 لصناعة المصافي المتخصصة للصناعات الكيماوية. وقد شرعت الشركة خلال الأعوام الثلاثين الماضية في جهد تدريجي للتحرك صوب عدد من المجالات ذات العلاقة، مثل إنتاج آلات فصل السوائل، وأطقم الاختبار، وتقديم المشورة إلى الشركات العاملة في مجال التقنية الحيوية، فيما يتعلق بأساليب المعالجة واسعة النطاق.
لقد قامت بذلك من خلال إنشاء أقسام مختلفة ضمن نشاطها العملي القائم، بالإضافة إلى برنامج شمل نحو عشرة استحواذات. ومن أهمها ما قامت به في عام 1977 من شراء لشركة واترز، وهي شركة أمريكية صانعة للمعدات، وكذلك شراؤها في عام 2006 لشركة سيرولوجيكال، وهي شركة تقدم خدمات المختبرات لكبار شركات التصنيع الكيماوي، والأدوية.
بدأت هذه الشركة الموجودة في ولاية ماساشوسيتس كذلك تحالفاً حيوياً في عام 2005 مع شركة جين- بروب، وهي شركة أمريكية رائدة في أنظمة الاختبارات الجينية، وذلك للمساعدة في تطوير سلسلة جديدة من الأطقم الكيماوية التي يمكنها فحص وجود علامات المرض. وعملت الاستحواذات، وكذلك العلاقة مع شركة جين- بروب، في كل حالة، على إضافة قدر قليل من الخبرة إلى ما يتوفر لدى الشركة من معرفة في صناعة المصافي، الأمر الذي مكنها من تحقيق عدد أكبر من المبيعات المحتملة، دون أن تبتعد كثيراً عن مجالها الأصلي.
بلغت مبيعات شركة ميليبور في العام الماضي 1.6 مليار دولار (1.1 مليار يورو، أو 980 مليون جنيه إسترليني)، وذلك حصيلة بيع مئات المنتجات والخدمات المرتبطة بالمعالجة الكيماوية، كما أن ثلثي العوائد جاء من خارج الولايات المتحدة.
أما شركة كانونجيت ذات الـ 45 موظفاً، والتي تتوقع مبيعات في السنة التي تنتهي في شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني، فقد أدركت أنها أصغر من أن تستخدم التنويع الناعم بمفردها. وقد أرادت الشركة التوصل إلى استخدام جديد لحسّاسها الخاص القائم على الرنين المغناطيسي الذي طورته خلال الأعوام الـ 20 الماضية لمراقبة مستوى الجعة في معدات تخمير إنتاجها. وتستخدم تقنية الرنين المغناطيسي كذلك في المستشفيات لمراقبة الأطفال في أرحام أمهاتهم.
يقول بريان تايلور، أحد المديرين في شركة كانونجيت: ''عرفنا أننا بحاجة إلى مورد عوائد جديد ليضاف إلى ما كسبناه من مساعدة أصحاب آلات التخمير، ومصانع المشروبات الغازية. وكنا محظوظين في العثور على وسيلتين لتحقيق ذلك. غير أننا احتجنا إلى شريك عمل في الحالتين''.
كانت إحدى طرق الوصول إلى سوق الجديدة هي تهيئة الحسّاس الخاص بمراقبة مستوى الجعة في أدوات معامل تخميرها، لكي يصبح ملائماً لقياس مستوى الوقود في الشاحنات الروسية. وكانت الوسيلة الأخرى هي استخدام هذه الحسّاسات لمراقبة كمية غاز التبريد في الخزانات الكبرى الموجودة في أنظمة التكييف في متاجر التموينات الكبرى. وغالباً ما يتسرب هذا الغاز بسبب عيوب في توصيل الأنابيب، الأمر الذي يتسبب في أخطار محتملة، وتبديد لمواد مرتفعة الثمن.
يبدو أن حسّاسات شركة كانونجيت، في الحالتين، والتي يكلف كل منها نحو 250 جنيهاً إسترلينياً، تعمل بصورة أفضل من عمل أدوات المراقبة التقليدية من خلال الوسائل الميكانيكية لقياس تدفق السوائل. وهي كذلك أسهل من حيث ربطها بالحواسيب المركزية التي تتابع القراءات الآتية من أعداد كبيرة من الحسّاسات عبر شبكة للاتصالات.
حتى يساعد شركة كانونجيت على بيع أنظمتها لأساطيل المركبات الروسية، أنشأ تايلور علاقة عمل مع ''فيول أوديت''، وهي شركة في المملكة المتحدة تزود مشغلي أساطيل الشاحنات بالمعدات والخدمات. كما أن شركة كانونجيت لجأت إلى شركة إنجينيوس، وهي مجموعة أخرى متخصصة في المملكة المتحدة، لمساعدتها على بيع أنظمتها إلى سلاسل متاجر التموينات الكبرى.
غير أن التنويع الناعم لا يخلو من المخاطر. ونظراً لأن الخطوات باتجاه مجالات جديدة تكون صغيرة نسبياً على الدوام، سواء جاءت نتيجة لاستحواذ، أو إنشاء قسم جديد، فإن عواقب حالات الفشل لا تصل في العادة إلى حد الكوارث.
إن شركة هالما هي شركة هندسية في المملكة المتحدة نوعت نشاطاتها خلال الأعوام الثلاثين الماضين بالدخول في مجالات كثيرة مرتبطة بقاعدتها الأصلية من الحسّاسات، وأدوات تدقيق نشوب الحرائق، حيث إن لديها في الوقت الراهن 36 قسماً، وهو ما يعد عدداً كبيراً لشركة بلغت مبيعاتها في العام الماضي 455 مليون جنيه إسترليني.
يجادل أندرو وليامز، الرئيس التنفيذي لشركة هالما، بأن حالات الفشل الناجمة عن هذه الاستراتيجية، ترجح عليها وتعوضها حالات النجاح بقوة.
الشركات الأخرى التي سارت على درب التنويع الناعم توظف أرباح هذا الأسلوب العملي في فتح مصادر جديدة للعوائد. وقد قررت شركة كرونز الألمانية التي تصنّع أنظمة آلية لتعبئة السوائل في العلب، والزجاجات، استخدام معرفتها في مجال التعبئة لتصنيع مجموعة جديدة من الآلات لتصنيع عبوات التعبئة البلاستيكية. وقد يكون هانز – يورغن ثاوز، الرئيس التنفيذي لهذه الشركة يتحدث باسم الكثيرين حين يقول: ''كان ذلك جهداً كبيراً، ولم يكن سهلاً، ولكننا نشعر بأنه يستحق ما بذل في سبيله في نهاية الأمر''.

