السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

شركة أبل للكمبيوتر هي أكثر شركات المنتجات الاستهلاكية ابتكاراً في العقد الأخير. فقد أعادت تعريف الكيفية التي يستمع بها الناس للموسيقى، وأَخذت على حين غرة كلاً من شركات الإنتاج الفني والشركات المعروفة في صناعة الإلكترونيات. كما أنها أعادت اختراع الهاتف.

لكن إنجاز أبل ليس نتيجة لاكتشافات تكنولوجية. القطع الدقيقة الموجودة في أجهزتها هي إلى حد كبير مثل القطع الموجودة في الأجهزة التي تصنعها الشركات الأخرى. يكمن نجاح أبل في تطويع التكنولوجيا الموجودة حالياً بطرق تلبي احتياجات المستهلكين، ومن خلال اجتذاب المشترين عن طريق أجهزة مصممة بطريقة جميلة ولا تتطلب من مستخدميها أن يكونوا متمرسين بالعمل على الكمبيوتر.

نحن نكره الناس الغريبين الذين يتخصصون في موضوع معين ولا يفقهون غيره، لكننا كذلك نشعر بالرهبة منهم. وهم يمتلكون تأثيراً قوياً على تفكيرنا. حين نتحدث عن الابتكار، نتصور رجالاً ونساءً في معاطف بيضاء وأنابيب اختبار وأجهزة ميكروسكوب. خارج كثير من المدن الجامعية في مختلف أنحاء العالم هناك مجمعات للتكنولوجيا الأحيائية أنشأتها الحكومات التي تعتقد أن التكنولوجيا المتطورة هي السبيل إلى تحقيق مستقبل تنافسي. الأموال التي تقدمها الحكومات لمساندة الابتكار في أغلب الأحيان تستولي عليها الشركات الكبيرة التي تتمتع بمهارة في تشكيل لجان تقدم لنا المواعظ حول الأمور التي تريدها القرية العالمية في المستقبل أكثر من مهارتها في تقييم ما يريد زبائنها في الوقت الحاضر.

لكن فهْم احتياجات الزبائن هو ما يميز الابتكار عن الجِدَّة. المخترعون غريبو الأطوار لهم موقع خاص في قلوب كل من استمتع بالفيزياء أو الكيمياء في المدرسة. لكن ساعات الكوارتز وأجهزة الكمبيوتر الشخصي التي كان رائدها السير كلايف سنكلير في بريطانيا، سرعان ما تفوقت عليها منتجات أفضل من الشركات الأخرى. وسيارته الكهربائية من طراز سي 5 لم يكن يريدها أحد.

رواد الابتكارات يُدفعون إلى الهامش بصورة روتينية من قبل المنافسين الذين تتركز مهاراتهم في السوق وليس في المختبر. اختراع جهاز التصوير الطبقي بالكمبيوتر، الذي توصل إليه جيفري هاوندسفيلد (بتمويل من شركة الإنتاج الفني إي إم آي EMI) أكسَبَ صاحبه جائزة نوبل عن جدارة، لكنه كاد أن يدمر الشركة. لاحظ أن سوق أجهزة التصوير الشعاعي تقتسمها الآن شركتي سيمنز وجنرال إلكتريك.

شركتي المفضلة من حيث الابتكار هي إيزي جيت Easyjet. ليس هناك أي شيء متطور تكنولوجياً فيما تقوم به تلك الشركة، بل ليس هناك شيء تقوم به هي ولا تقوم به شركات الطيران الأخرى. ساهمت إيزي جيت في إحداث تغيير أساسي في صناعة الطيران الأوروبية الناعسة. الابتكار يعني العثور على سبل جديدة لتلبية احتياجات المستهلكين، بما في ذلك الاحتياجات التي لم يكونوا يعلمون أنها موجودة لديهم. أحياناً يأتي الابتكار من عالِم المختبر، لكن الابتكار الذي يؤدي إلى تغييرات في مشهد الشركات والأعمال يأتي في أغلب الأحيان من خيال الأشخاص الذين من قبيل هنري فورد، أو والت ديزني، أو ستيف جوبز، أو السير ستيليوس هاجي – إيوانو.

في الشهر الماضي انتبهت هيئة الأوقاف الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والفنون إلى هذه النقطة. خلال فترة طويلة كانت بطاقات الأبحاث والتطوير تسجل بأمانة مقدار ما تنفقه شركات الأدوية في البحث عن أدوية جديدة والنفقات الحكومية على إلكترونيات الدفاع. لكن أحد تقارير هيئة الأوقاف، الذي عرض خططاً لمؤشر جديد للابتكار، أدرك الآن أن معظم الإنفاق الذي يعزز الابتكار لا يجري في كليات العلوم في الجامعات. ربما كانت صناعة الخدمات المالية في بريطانيا أكثر الصناعات ابتكاراً خلال العقدين السابقين، لكن من الناحية العملية لم تُدرَج أي من النفقات الممولة للابتكار تحت بند «الأبحاث والتطوير». وينطبق الأمر نفسه على صناعة التجزئة والإعلام ومجموعة أخرى من الصناعات الابتكارية الأخرى. مساندة الابتكار ليست هي نفسها مساندة الأبحاث والتطوير. المساهمات المهمة في الابتكار التجاري تأتي من الشركات الجديدة التي من قبيل إيزي جيت، التي ترى فرصاً لا يراها الآخرون. معظم هذه الفرص لا تكون موجودة في واقع الأمر وبالتالي يكون الفشل هو مصير الابتكار. لكن عدداً قليلاً فقط من أصحاب المشاريع لا بد أن يكونوا على حق حتى يصبح بالإمكان تغيير وجه الأعمال. الابتكارات الأخرى تأتي من الشركات الناجحة، مثل أبل التي ربما لا تكون في مقدمة جبهة العلم، لكنها تكون على صلة وثيقة بالمستهلكين. النجاح في الابتكار، شأنه شأن جميع أنواع النجاح في الأعمال، يقوم على التوفيق بين القدرات والسوق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية