الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إعلان أكسنتيور الذي يظهر فيه نجم الجولف، تايجر وودز، الذي يعلن بوضوح «أن ما تفعله لاحقاً هو الذي يهم»، ينبغي أن يكون له وقع على وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بقدر وقعه على لاعب الجولف سيئ الحظ. فبفضل الرئاسة النشطة لوزير خارجية السويد المفعم بالحيوية والنشاط، كارل بيلدت، اتفق الوزراء على بيان شامل خاص بالسياسة التي سيتم اتباعها إزاء فلسطين وإسرائيل. لم يكن البيان بالجودة التي كان ينبغي أن يكون عليها. ذلك أن إيطاليا، وهنغاريا، وجمهورية التشيك، ورومانيا التي بدت وكأنها تتصرف بناء على تعليمات من وزارة الخارجية الإسرائيلية، بذلت كل ما في وسعها لتمييع النص الأصلي للبيان. لكن مع ذلك ما تبقى منه كان جيداً نوعاً ما.

فقد دعا الوزراء إلى سرعة استئناف المفاوضات ضمن إطار زمني يتم الاتفاق عليه، من أجل التوصل إلى سلام شامل بين إسرائيل وفلسطين. وأعاد الوزراء التأكيد على التزامهم بقيام دولة فلسطينية مستقلة تكون حدودها، بما فيها القدس، الحدود التي كانت قائمة قبل عام 1967، ما لم يتم الاتفاق على غير ذلك. وتعهدوا بتطوير علاقتهم بالسلطة الفلسطينية ومساعدتها على تنفيذ خطتها الخاصة ببناء مؤسسات الدولة.

وعلاوة على ذلك، قالوا إن المفاوضات ينبغي أن تتمخض عن جعل مدينة القدس عاصمة لكل من إسرائيل وفلسطين، وضرورة تجنب تفتيت فلسطين بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وكذلك ضرورة إجراء الانتخابات الفلسطينية، وبطبيعة الحال نادوا بضرورة وقف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي.

هل ينتهي الأمر عند ذلك الحد؟ بعد كل هذه الجهود المضنية التي بذلوها للوصول إلى هذه المرحلة، يمكن التماس العذر للوزراء إذا ما اعتقدوا أن بإمكانهم الركون إلى بيانهم لبعض الوقت. غير أن بيان بروكسل ينبغي أن يعتبر بداية للنشاط الدبلوماسي وليس نهاية له. وينبغي على أوروبا أن تتحرك بسرعة كي تنجز شيئين.

أولاً، ينبغي أن يشكل البيان أساساً ليس فقط لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل وفلسطين، بل وللعمل مع الأطراف الدولية في محاولة للتوصل إلى تسوية. ويسلم الأوروبيون العقلاء بأن الولايات المتحدة التي أصبح عدم الوضوح يكتنف شروط انخراطها في العملية على نحو متزايد خلال الأشهر التي أعقبت الخطاب الشفاف الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في القاهرة، هي التي لعبت الدور الرئيسي في محاولة تعبئة النشاط الذي يمكن أن يتمخض عن التوصل إلى تسوية. لكن هذا لا يعني ألا يخبر الأوروبيون الولايات المتحدة بموقفهم. ينبغي أن تشجع البارونة آشتون، الممثلة السامية الجديدة للسياسة الخارجية والأمن الأوروبي، واشنطن على دعم بيان الاتحاد الأوروبي، أو توضح لها بجلاء نقاط الاختلاف في آراء الجانبين. وينبغي أن يتم التأكيد بشكل خاص على أهمية وضع إطار زمني للتقدم في عملية السلام. ومن المفترض الآن أن تكون الليدي آشتون الممثلة الوحيدة للاتحاد الأوروبي في اللجنة الرباعية (التي كان فيها ثلاثة أعضاء من الاتحاد الأوروبي) – وهي اللجنة التي تضم الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي ـ من أجل دعم عملية السلام. وينبغي أن يمثل البيان الأخير أجندة أوروبا في الاجتماعات التي تعقدها هذه اللجنة التي تفتقر إلى الحيوية.

ثانياً، تستطيع أوروبا أن تلعب دوراً فاعلاً بشكل خاص في الحؤول دون تمزيق فلسطين، وفي تأسيس سلطة فلسطينية عاملة جاهزة للتطور إلى حكومة لدولة مستقبلية. وينبغي على أوروبا أن تساعد في الإعداد للانتخابات الفلسطينية المقبلة ومراقبتها. وينبغي أن توضح بجلاء أن الأوروبيين يقبلون بنتائج الانتخابات شريطة أن تتسم العملية الانتخابية بالنزاهة. إننا نفضل أن تتمخض الانتخابات عن حكومة وحدة وطنية. وينبغي أن نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول بصراحة إننا سنتعامل مع هذه الحكومة وندعمها، إذا أعلنت صراحة أنها تؤيد وقفاً لإطلاق النار وتلتزم بالاتفاقيات السابقة (ومما يؤسف له أن إسرائيل لم تفعل ذلك). وإلى جانب ذلك، علينا أن نشجع هذه الحكومة على التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية مع إسرائيل والتعهد بعرض نتائج أي اتفاق في استفتاء يشارك فيه جميع الفلسطينيين والالتزام بنتائجه.

إلى ذلك، يجب أن يستمر الاتحاد الأوروبي في العمل مع النرويج وأطراف أخرى من أجل بناء مؤسسات الدولة في فلسطين وتقديم المساعدة الإنسانية للفلسطينيين الذين أفسدت حياتهم سياسة الحصار وغيرها من السياسات التي تنفذها إسرائيل. لكن ينبغي أن نكون واضحين في أن هذا الالتزام لن يظل قائماً إلى ما لا نهاية لدفع التكاليف المترتبة على احتلال إسرائيل لفلسطين. وفي الوقت الحالي يتحمل المانحون الدوليون الجزء الأكبر من الفاتورة المترتبة على الاحتلال، مع العلم أن إسرائيل هي التي ينبغي أن تتحمل هذه الفاتورة بموجب ميثاق جنيف. وقد ارتفعت التكاليف التي تحملها الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه في العام الماضي إلى نحو مليار يورو.

إلى متى تستطيع الجهات المانحة أن تبرر هذه النفقات؟ إذا واصلت إسرائيل، كما أعلن رئيس وزرائها، بناء المستوطنات سيكون من المستحيل التوصل إلى اتفاق لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، عندها هل ينبغي على المجتمع الدولي أن يهز كتفيه ويحرر مزيداً من الشيكات؟ إن الأموال التي أنفقتها بالنيابة عن الناخبين ودافعي الضرائب الأوروبيين خلال السنوات الخمس الماضية التي شغلت فيها منصب المفوض الأوروبي، تلاشت في الرمال الممتزجة بالدماء. لقد تحول كثير من المشاريع التي يمولها الاتحاد الأوروبي إلى كومة من الأنقاض على أيدي القوات الإسرائيلية. فهل يتمثل دور أوروبا في المنطقة في دفع ثمن العناد واستخدام القوة المفرطة؟

لقد تناول البيان الأوروبي ببعض الإسهاب موضوع القدس التي لم تعترف حكومات الاتحاد الأوروبي بضمها من جانب إسرائيل أبداً. وجاء هذا التأكيد جراء القلق الذي تشعر به العواصم الأوروبية إثر ورود تقارير إليها من القدس حول مضايقة سكانها العرب. وينبغي للحكومات الأوروبية أن تطلب من قنصلياتها العامة في القدس رفع تقارير منتظمة لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وعليها أن تنشر ملخصاً لتلك التقارير بدلاً من تسريب تقارير مختارة منها (كما حدث) إلى الصحف الإسرائيلية.

هذه الأجندة الخاصة بأوروبا، استناداً إلى ما تم الاتفاق عليه أخيرا، يمكن أن تساعد (وهنا أستعير كلمات وود) في إعادة المفاوضات إلى مسارها. إن الفتور الراهن بين إسرائيل والفلسطينيين لا يشكل أساسا لسلام مستدام. الضياع واليأس ليسا خيارين.

لورد باتن رئيس مشارك لمجموعة الأزمات الدولية ومفوض أوروبي أسبق للشؤون الخارجية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية