في واحدة من هذه المصادفات السعيدة للبرامج الرئاسية، حين كان باراك أوباما يقوم بجولة خاصة في المدينة المحرمة في بكين بعد ظهر يوم الثلاثاء، في أعقاب ثلاث ساعات من اللقاءات مع الرئيس الصيني هو جينتاو، كان سكان جمهورية التشيك يحتفلون بالذكرى السنوية العشرين للاحتجاجات الطلابية التي أشعلت الثورة المخملية.
إذا كان سقوط جدار برلين عام 1989، ونهاية الشيوعية في أوروبا الشرقية قد أشارا إلى حقبة من هيمنة الولايات المتحدة التي لا تضاهى، فإن أول زيارة لأوباما إلى الصين بعد عشرين عاماً من الأحداث التي ذكرت، تشير بشكل مثير للجدل إلى ثورة لا تحدث إلا مرة واحدة خلال جيل من سياسات القوى العالمية – اللحظة التي أصبح فيها التحول إلى عالم متعدد الأقطاب فعلياً أمراً لا يمكن إنكاره.
الأمر الذي أزعج البيت الأبيض هو أن وسائل الإعلام الأمريكية ركزت على نغمة المراضاة التي تبناها أوباما خلال زيارته التي دامت تسعة أيام في آسيا – بما في ذلك الانحناءة القوية سيئة السمعة الآن، التي انحنى بها أوباما أمام إمبراطور اليابان أكيهيتو في الشهر الماضي. وتم وصف المفاتحات التي أبداها أوباما للصين بعبارة ''دبلوماسية الاختلاف'' الجديدة بحسب كلمات مصدر إعلامي مهذب نسبياً، بينما وصف مصدر آخر أقل تهذيباً التحول من منهج الأحادية المتسرع الذي كان يسلكه جورج دبليو بوش، إلى المشاركة المهذبة من جانب أوباما بأنها خطوة من جانب ''راعي بقر للتملق''.
بعد عشر سنوات من الآن، على أية حال، فإن جوهر الرحلة، وليس نغمتها، هو الذي سيثير اهتمام المؤرخين. ودعا أوباما في واقع الأمر بكين إلى تشكيل لجنة تضم الدولتين سيهدف فيها البلدان إلى وجود أرضية مشتركة لمعالجة أكبر مشكلات العالم. ولم تتلق أية دولة أخرى مثل هذا العرض- ومن غير المحتمل أن تتلقاه أي منها. وخلال زيارته بكين سّلم أوباما رسمياً بأن الولايات المتحدة في عالم اليوم لا يمكنها المضي إلى أبعد من ذلك دون مساعدة الصين.
قال أوباما: ''نحن نعلم أن هناك المزيد الذي يمكننا الحصول عليه حين تتعاون القوى العظمى، أكثر مما تفعل حين تتصادم. وترحب الولايات المتحدة بجهود الصين للعب دور أكبر في الساحة العالمية – وهو دور تصاحب فيه الاقتصاد المتنامي مسؤوليات متنامية''.
عبر المسؤولون الأمريكيون عن ذلك بصراحة أكبر: ''هناك فعلياً دولتان في العالم فقط بإمكانهما حل قضايا معينة''، حسبما يقول جون هنتسمان، السفير الأمريكي في الصين، وحاكم ولاية يوتاه السابق من الحزب الجمهوري. ويضيف: ''بناءً عليه كانت الاجتماعات تهدف حقيقة إلى التنسيق بشكل لم يسبق له مثيل بشأن القضايا العالمية الرئيسة''.
واقع صعود الصين وتغير ميزان القوة العالمي ليسا انكشافاً بحد ذاتهما. ولكن برعاية القضايا بشكل جريء للغاية، فإن أوباما بدأ محاولة الإجابة عن الأسئلة الكبيرة المتعلقة بالكيفية التي سيعمل بواسطتها هذا النظام العالمي الجديد.
تشمل هذه الأسئلة الكيفية التي سوف تسعى بواسطتها الولايات المتحدة إلى تأكيد القيادة في عالم تعتبر فيه القوة الأقوى، ولكن ليس المهيمنة، وسواء كانت الصين راغبة فعلياً في لعب دور نوع القيادة العالمية التي يرغبها أوباما، ومدى الأهمية التي تضعها الدولتان على الاختلافات الكبيرة في القيم والأفكار السياسية التي تفصلهما.
يشير انفتاح أوباما المثير للجدل على الصين إلى تغييرين حادين في موقف أمريكا تجاه العالم. التغير الأول الذي اعترف به بشكل متكرر خلال حملته الانتخابية هو القبول العام بأن الولايات المتحدة تجد نفسها الآن في حقبة متعددة الأقطاب.
قال أوباما أمام جمهور من الطلبة الصينيين يبلغ عدده نحو 400 طالب تم اختيارهم بعناية في شنغهاي، يوم الإثنين: ''أعتقد أن عالمنا مترابط بشكل أساسي في وقتنا هذا. فالوظائف التي ننجرها، والازدهار الذي نبنيه، والبيئة التي نحميها، والأمن الذي نسعى إلى الحصول عليه – جميع هذه الأمور مشتركة. وبالنظر إلى هذا الترابط، فإن القوة التي سوف تسود في القرن الحادي والعشرين ليست لعبة يربح فيها أحد الأطراف جميع ما يخسره الطرف الآخر''.
كان هذا الترابط واضحاً في قرار أوباما التحذير، أثناء وجوده على الأرض الصينية، من أن أمريكا يمكن أن تواجه ''انكماشاً مضاعفاً'' (انكماش يتبعه تعافٍ لفترة قصيرة ثم يتبعه انكماش مرة أخرى)، ما لم تكبح لجام عجوزاتها المالية. وبالنظر إلى أن الصين لغاية الآن أكبر مالك لسندات الخزانة الأمريكية، وأصدر المسؤولون الصينيون تحذيرات متكررة بشأن مخاطر زيادة الدين العام الأمريكي، فإن اختيار أوباما للظهور في مقابلة مع تلفزيون فوكس كان مهماً.
ينطوي التغير الثاني في الموقف على تحول في منهج معين لأمريكا تجاه الصين – المرة الأولى بشكل مثير للجدل الذي اعترفت فيه واشنطن بوجود شريك عالمي مكافئ، أو شبه مكافئ لها منذ أيام الحرب الباردة. وبشكل ينافي المنطق على الأرجح بالنسبة لمرشح ألهم الكثير للغاية من مثالية الشباب خلال مسار الحملة، فإن يد الصداقة التي مدها أوباما إلى الصين تشير إلى حقبة جديدة من الدبلوماسية ''الواقعية'' في واشنطن.
هذا المنهج الأمريكي الجديد تجاه الصين يتزامن مع جدل مكثف في بكين بشأن دورها في العالم. وكان السياسيون والأكاديميون الصينيون يناقشون بقوة ما إذا كانت الولايات المتحدة في تراجع فعلياً، وما إذا كان يجب على حكومتهم أن تأخذ دوراً أكثر نشاطاً في تشكيل الشؤون الدولية.
يبدأ نقاش الدبلوماسية في الصين مع شعار – إعلان دينغ زياوبينغ في عام 1989 أن الصين يجب أن ''تخفي البريق وتغذي الغموض''، وبعبارة أخرى، أن تبتعد عن الأضواء خوفاً من إفزاع جيرانها. ولكن دينغ ترك حيزاً للمرونة في القسم الثاني من الشعار، يوسو زووي، والذي يعني ''وإنجاز بعض الأمور كذلك''. وصادقت نقاشات المسؤولين هذا العام على صيغة جديدة تضيف كلمة ''بفاعلية''، وبناءً عليه، تتطلع الصين الآن إلى ''تحقيق شيء ما بفاعلية''. وكان هذا اللعب بالكلمات الأساس لكي تأخذ الصين موقفاً أكثر تأكيداً في الجدل حول التغير المناخي، والنقاشات بشأن إصلاح النظام المالي الدولي.
مع ذلك، وعلى الرغم من أن الصين تتولى بحذر دوراً دولياً أكثر أهمية، تبقى بكين رافضة للغاية أن تتولى نوع المسؤوليات التي دعا إليها أوباما. وتتمتع الصين بمكانة كونها لاعباً عالمياً، ولكنها ليست مستعدة لتكاليف كونها قائداً عالمياً.
تركز السياسة الخارجية الأكثر تأكيداً للصين في الغالب على مجالات من شأنها أن تفيد التنمية الاقتصادية للبلاد بشكل مباشر، والتي تبقى الهدف الأساسي لسياسة الحكومة. وتتمثل إحدى الأولويات الدبلوماسية على سبيل المثال في مساعدة الشركات الصينية على الحصول على مشاريع النفط والسلع في الخارج، وهذا نوع المبادرات التي تعتبر بطبيعتها أحادية الجانب.
يقول شي ينهونغ، وهو خبير في العلاقات الدولية في جامعة رينمين في بكين: ''سوف تتبنى الصين دبلوماسية انتقائية، وخصوصاً فيما يتعلق بقضايا مهمة لمصالحنا الوطنية. وسوف يعني ذلك بعض التعاون، ولكن كذلك المزيد من الأعمال المستقلة''.
قادة الصين أكثر حذراً إزاء نوع قضايا الأمن الدولي الأوسع نطاقاً التي كان أوباما يحاول إثارتها، من عدم انتشار الأسلحة النووية إلى مكافحة الإرهاب. وكما تشير ستيفاني كلاين أهلبراندت من مجموعة الأزمة الدولية International Crisis Group ، في مقال نشر في مجلة ''السياسة الخارجية'' Foreign Affairs: ''في الوقت الراهن، ترفض الصين بقوة أن تأخذ المزيد من الأعباء – سواء على الصعيد الاقتصادي، أو السياسي، أو العسكري – وتفضل الاستفادة مجاناً''.
إذا أحرز أوباما أي تقدم بشأن هذه القضايا خلال زيارته لبكين، فإن هذا التقدم سوف يكون بطرق أكثر غموضاً، وخلف الكواليس – على سبيل المثال، إقناع بكين باستغلال علاقاتها الوثيقة مع إسلام أباد لممارسة المزيد من الضغوط على الجيش الباكستاني لمواجهة طالبان.
لا يفضل زعماء الصين نوع المناقشات المتدفقة بحرية والصريحة التي تقتضيها مثل هذه العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة. وفي الجانب الأكبر من تفاعلهما خلال زيارة أوباما، كان يرافق كل رئيس منهما جهاز كبير من المساعدين. وكانت جميع المداولات مكتوبة نصياً في الغالب. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين لم يصفوا ذلك تماماً، إلا أنه كان الانطباع الواضح هو أن الزعيمين فشلا في تأسيس كيميائية شخصية متبادلة – وهو تواصل يقيمه أوباما عالياً.
يبقي بعض السياسيين الصينيين شكوكاً متجذرة عميقاً إزاء الدوافع الحقيقية للولايات المتحدة في آسيا، ويخشى العديد منهم من أن واشنطن لا تزال تريد احتواء نهضة الصين بواسطة علاقاتها مع اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند. وتهدف استراتيجية السياسة الخارجية للصين جزئياً إلى تقييد سلوك الولايات، وتقليل الحيز الذي تملكه أمريكا لنوع الأساليب أحادية الأطراف التي كانت إدارة بوش تفضلها.
يقول ديفيد شامبوف، وهو خبير صيني في جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة، إن هناك تاريخاً طويلاً من مبدأ المعاملة الأبوية الأمريكية تجاه الصين، يعود إلى القرن التاسع عشر، وتنطوي هذه المعاملة على الجهود الأمريكية لتعليم الصين كيف عليها أن تتجه نحو الحداثة. ويضيف: ''تبدو الولايات المتحدة الآن راغبة في تعليم الصينيين كيف عليهم أن يكونوا قوة عالمية. ولكن هنالك الكثير من التناقض في الصين حول التعلم من الولايات المتحدة''.
يبدو التناقض والشكوك، أكثر وضوحاً بشأن قضايا حقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن أوباما أثار الجلبة المعتادة برمتها بشأن التطبيق العالمي لحقوق الإنسان، إلا أن رئيس الولايات المتحدة تخلى بهدوء عن المنطق الواضح في الماضي، من أن المشاركة والتجارة مع الصين سوف تؤديان بشكل حتمي إلى إحلال الديمقراطية في جمهورية الصين الشعبية.
بعد سقوط جدار برلين، كان معيارياً لرؤساء الولايات المتحدة التحدث عن الصين بصفتها تمثل تهديداً. وفي حملته الانتخابية عام 1992، وعد بيل كلينتون ''بعدم مهادنة الطغاة، من بغداد إلى الصين''، ووصف بوش، خلفه، الصين بأنها ''منافس استراتيجي'' للولايات المتحدة. ولكنهم مضوا بعدئذ إلى تبرير تعميق روابطهم الاقتصادية بقوة مع الصين بأنها سوف تنتج على الأرجح تراخياً داخل تلك البلاد. وعلى النقيض من ذلك، لم يشر أوباما إلى الصين كدولة دكتاتورية، ولم يعد بأن يؤدي منهجه الجديد إلى إحلال الديمقراطية فيها.
إن بعضاً من هذا فقط يتم الاعتراف به صراحة من جانب المسؤولين في البيت الأبيض. وفي مقابلة مع ''فاينانشيال تايمز''، يرفض بين روديس، وهو مستشار أمن قومي رفيع المنصب لأوباما، وصف ''الواقعية''، ويصر على أن أوباما حث بالقوة ذاتها التي حث بها أسلافه على احترام حقوق الإنسان والحرية الدينية للتبت خلال اجتماعاته مع هو، ووين جياباو، رئيس الوزراء الصيني. يقول روديس: ''إن الفكرة بأننا نساوم بشأن قيمنا بالسعي إلى الحصول على التعاون العالمي مع الصين فكرة ليست صحيحة. والصحيح هو أن القليل للغاية بالإمكان إنجازه ما لم تصبح الولايات المتحدة والصين معتادتين على التعاون مع بعضهما البعض في الشهور والسنوات المقبلة. ولكننا لا نسعى إلى الشراكة على حساب علاقاتنا مع حلفائنا التقليديين.'' مع ذلك، سببت اللهجة الخطابية منخفضة النغمة التي تحدث بها أوباما بشأن حقوق الإنسان إساءة للبعض في الصين، حيث تم النظر إليها على أنها تدخل غير مقبول. وكان تاو ويشاو، وهو طالب في جامعة فودان في شنغهاي، وعضو في الحزب الشيوعي، في اجتماع على غرار اجتماعات البلدية، حين انتقد أوباما الضوابط على الإنترنت. وكتب تاو على منتدى الإنترنت التابع للجامعة لاحقاً: ''يجب عدم إلقاء المحاضرات على الشعب الصيني والشباب الصيني من جانب زعيم أجنبي كما يشاء بطريقة اعتباطية''. استغل أوباما زيارته إلى الصين لتحديد الوقائع الجديدة للعلاقات الدولية، وتجسيد أفكاره لإشراك القوة الأسرع نهوضاً في العالم. ولكن في تبنيه منهجاً أكثر عملية من أسلافه، فإنه يخاطر بكونه ساذجاً فيما يتعلق بالكيفية التي سوف يستجيب بها شريكه الجديد.

