في الشهر الماضي تلقى ستيفن هِستر، كبير الإداريين التنفيذيين في رويال بانك أو سكوتلاند، مفاجأة كريهة في الساعات الأخيرة من الاتفاق على صفقة إنقاذ على نفقة الدولة بقيمة 25.5 مليار دولار. فقد اكتشف أن الحكومة البريطانية، التي على ما يبدو لم تكن قانعة بإرغام البنك على زيادة قروضه إلى الشركات الصغيرة المتعطشة للائتمان في الوقت الذي تعمل فيه على التخلص التدريجي من الموجودات بقيمة 250 مليار دولار أو بيعها، أرادت كذلك، مثل شايلوك، الحصول على رطل آخر من اللحم من جسم البنك، وهو السيطرة التامة على مجموعة الأموال المخصصة للعلاوات.
''هذا ظلم، ويضعف التنافس، ويدل على سلوك غير مهني''. ذلك كان رد الفعل الغاضب من أعضاء مجلس الإدارة، الذين نصحهم محاموهم بأنه يجب عليهم الاستقالة إذا حالت وزارة المالية بينهم وبين الحصول على دفعات العلاوات التي تتمشى مع معدلات السوق والتي يرون أنها ضرورية لحماية البنك.
هذا المشهد العجيب كشف المعضلة التي تواجه الحكومات التي تدخلت لمساندة النظام البنكي العالمي بمليارات من أموال دافعي الضرائب، وهي السماح بالعلاوات الضخمة ومواجهة غضب الناخبين، أو إرغام المصرفيين والمخاطرة في التسبب في هجرة جماعية للمواهب، ما يعمل على إتلاف قيمة المؤسسات التي هي الآن من الناحية العملية مملوكة لدافعي الضرائب.
رغبة الصناعة في تجنب النتيجة الأخيرة تدفع البنوك التي أنقذتها الدولة على جانبي الأطلسي لاتخاذ إجراءات عجيبة للهرب من القيود الحكومية.
في مطلع الشهر الحالي، أعلن بانك أوف أميركا أنه حصل على موافقة واشنطن لتسديد مبلغ 45 مليار دولار من أموال ''برنامج الموجودات المعتلة''. لكن الشروط المفروضة على أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت شروطاً مرهقة. فقد وافق البنك على جمع رأسمال بقيمة 18.8 مليار دولار من خلال إصدارات الأسهم، وهي أكبر عملية إصدار تقوم بها مجموعة مالية أمريكية، إلى جانب الحصول على أربعة مليارات دولار من خلال بيع الموجودات.
لكن الأسواق رحبت بالإجراء، وهذا كان من شأنه رفع سعر أسهم البنك، وتمكينه من إنجاز عملية الإصدار العملاقة خلال يوم واحد فقط والتفوق على الهدف المنشود بقيمة 500 مليون دولار. كان النجاح يعود بصورة كبيرة إلى أن تسديد المبالغ المستحقة إلى برنامج الموجودات المعتلة من شأنه تحرير البنك من القيود المفروضة على العلاوات والتي رافقت المساندة الحكومية.
بالمقابل فإن بنك جولدمان ساكس، من بين المؤسسات التي تتمتع بوضع صحي أفضل قليلاً، والذي صُوِّر في دور الشرير المالي في الوقت الذي أدت فيه أرباحه المتصاعدة إلى الإعلان عن وعد بدفع علاوات وافرة لموظفيه، وجد أن عليه شن حملة ساحرة لإقناع المساهمين بقيمة إنفاق نسبة كبيرة من أرباحه على تعويضات الموظفين. مع ذلك، كما ذكرت ''فاينانشيال تايمز'' في الأسبوع الماضي، فإن بنك جولدمان ساكس ينظر الآن بصورة جدية في أن تكون جميع المكافآت التي تُدفع لكبار التنفيذيين في البنك على شكل أسهم، حتى تكون هناك رابطة أقوى بين المكافأة وبين الأداء على المدى الطويل، وهي علامة على تصميم البنك على ألا يُنظَر إليه على أنه ملاذ للأثرياء الجشعين في ''وول ستريت''. في السنوات السابقة على الأزمة، حين كانت هناك طفرة في الأرباح في القطاع المالي، ارتفعت أهمية القطاع إلى عنان السماء وكان التحرير التنظيمي بكامل قوته، وبالتالي كانت مكافآت المصرفيين هي المسؤولية الوحيدة للتنفيذيين ولمجلس الإدارة. نادراً ما كان المساهمون يتساءلون عن الرغبة القوية لدى مجلس الإدارة في ''شفط'' نحو نصف الأرباح التي تحققها شركاتهم وتوجيهها إلى الموظفين، وهي نسبة تفوق كثيراً ما نراه في الصناعات الأخرى. بل إن بعض المساهمين أثنوا على هذا التوجه واعتبروه مثالاً طيباً على المكافآت المرتبطة بالأداء.
لكن الأزمة الاقتصادية غيرت ميزان القوى بصورة جذرية. عملية إنقاذ عدد من أكبر البنوك العالمية (مثل ''سيتي جروب'' و''رويال بانك أوف سكوتلاند'' و''يو بي إس'') على أيدي دافعي الضرائب أعطت السلطات الحق في إحداث تغيير شامل في ممارسات المكافآت التي كان معمولاً بها لسنوات دون أي اعتراض.
الهبوط الاقتصادي الناشئ عن الأزمة، وما صاحب ذلك من ألم اجتماعي، أعطى السياسيين مزيداً من الذخيرة. رواتب وتعويضات المصرفيين، التي كانت حتى ذلك الحين تُقرَّر بصورة خاصة في المكاتب الجانبية، أصبحت مادة ساخنة للنقاش العام. وفي الوقت الذي فقد فيه الملايين وظائفهم ومساكنهم في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن فكرة الشيكات الضخمة التي تُدفع للنخبة المالية (التي تُلام على معظم المتاعب التي ألَمَّت بالناس) أصبحت رمزاً للجانب القبيح للرأسمالية.
يقول يوجين لودفيج، الذي كان يعمل في السابق مسؤولاً في أحد الأجهزة التنظيمية لقطاع البنوك في الولايات المتحدة، ويعمل الآن رئيساً لشركة برومونتوري فاينانشيال جروب للاستشارات: ''الأطراف التي تشعر بالغضب الشديد على صفقات التعويضات الضخمة. . .لا تقتصر على القوى اليسارية. لقد عُدت لتوي من جولة من المحاضرات في ولايات الغرب الأوسط الأمريكي، ومن الواضح أن رجال الأعمال المتوسطين يشعرون بالقدر نفسه من الغضب، حيث إن الدولة لها دور كبير في إنقاذ تلك المؤسسات. من الواضح أن الطبقة المتوسطة الأمريكية ترى أنه لا ينبغي لنا أن نكافئ الأشخاص الذي كان سلوكهم سبباً في وضع مؤسساتهم أنفسهم في خطر عظيم، إلى جانب بقية الاقتصاد''.
السؤال المهم بالنسبة للمصرفيين وللأجهزة التنظيمية وللمساهمين يدور حول ما إذا كانت الصلاحيات الجديدة للحكومات حول الرواتب والمكافآت، واقتران ذلك بالحماسة النشطة للسياسيين حول هذا الموضوع، ستُحْدث تغييرات دائمة في القطاع المالي العالمي.
المدافعون عن الإصلاحات الجذرية يجادلون بأن الأزمة كان من شأنها تعرية جوانب القصور الأساسية في نظام من الحوافز كان يشجع على الإفراط في المخاطر ويركز على الأجل القصير. هارييت هارمان، نائبة زعيم حزب العمال الحاكم في بريطانيا، بعد التهديد المبطن الذي أطلقه مجلس إدارة بنك رويال بانك أوف سكوتلاند بالاستقالة، أدانت ''التهور وعدم المسؤولية'' عند المصرفيين، وأضافت أنها لم تكن تتوقع منهم أن ''يمنحوا أنفسهم علاوات ضخمة''.
قال فينس كيبل، الناطق باسم وزارة المالية عن حزب الديمقراطيين الأحرار في بريطانيا: ''إذا استقال المصرفيون، فلنتركهم وشأنهم. إذا رضخت الحكومة لهذا التهديد فلن تُحمل أبداً على محمل الجد مرة أخرى في سياستها المالية''. الغضب الشعبي والسياسي حول عوائد المصرفيين هو علامة على القناعة بأن الانتعاش السريع لكثير من المؤسسات المالية بعد ''الكساد العظيم'' لم يكن بمجمله بسبب الذكاء الخارق للموظفين. كما قال المستثمر جورج سوروس لـ ''فاينانشيال تايمز'' قبل فترة قصيرة، فإن الأرباح الضخمة التي جنتها البنوك في الأرباع الأخيرة هي ''هدايا خفية'' من الحكومات التي ضخت مليارات الدولارات في النظام وأبقت أسعار الفائدة عند مستويات متدنية للغاية.
الأجهزة التنظيمية على جانبي الأطلسي تقر بأن هياكل العوائد بحاجة إلى إصلاح، وإن كان ذلك على سرعات مختلفة. بين القانون الجديد للعوائد، الذي نشرته سلطة الخدمات المالية، وهي الجهاز الرئيس الذي يختص بتنظيم أسواق لندن، والتوصيات التي طرحها السير ديفيد ووكر، وهو من كبار الشخصيات في الحي المالي في لندن، فقد وضعت بريطانيا أكثر القواعد تشدداً في العالم بشأن العلاوات.
في الولايات المتحدة، رفض البنك المركزي الأمريكي نداءات من البنوك المركزية الأوروبية بوضع حدود عليا صارمة على العلاوات. لكن البنك الأمريكي نشر مسودة خطوط عامة تؤكد على الحاجة إلى ربط العوائد بالأداء على المدى الطويل، وإغلاق الفجوة بين الرواتب الصغيرة والعلاوات الضخمة، وتفضيل الدفع من خلال الأسهم على الدفع نقداً فيما يخص العلاوات الضخمة.
كثير من البنوك سعت للالتزام بتوجيهات الأجهزة التنظيمية من خلال إدخال نظام ''استعادة الأموال''، من شأنه سحب العلاوات إذا كانت هناك خسارة في المراهنات التي يقوم بها المتداول. كما أنها اتخذت إجراءات لزيادة مقدار الأسهم ضمن الرواتب.
لكن الأمر الذي يثير الجدل هو أن بعض البنوك رفعت الرواتب الأساسية، في محاولة منها لتقليص حوافز موظفيها للدخول في مخاطر هائلة في سبيل الحصول على علاوات ضخمة. على سبيل المثال في الأسبوع الماضي زاد بنك باركليز كابيتال، الذراع الاستثمارية لبنك باركليز البريطاني المعروف، رواتب عدد من موظفيه البالغ عددهم 21 ألف موظف، بنسب وصلت في بعض الأحيان إلى 100 في المائة. بعض المصرفيين، مثل لويد بلانكفاين، كبير التنفيذيين في بنك جولدمان ساكس، أرفقوا الإجراءات التي اتخذوها بشأن العوائد بالتعبير عن مشاعر الندم والعار حول دورهم في الأزمة، والتعبير عن الشكر الحار للحكومات على قيامها بإنقاذ البنوك. لكن عدداً كبيراً من العاملين في الصناعة في محافلهم الخاصة يعتبرون أن التدخل السياسي في آليات العوائد هو اقتحام خطر ولا داعي له في أمر لا يخصه. روبرت بِنموش، كبير التنفيذيين في المجموعة الدولية الأمريكية للتأمين AIG، التي تملك الحكومة الأمريكية نسبة 80 بالمائة منها، عالقة في صراع مرير مع كينيث فاينبيرج، ''قيصر الرواتب'' لدى الرئيس باراك أوباما. من وجهة نظر بِنموش، يعتبر قرار فاينبيرج الصادر في تشرين الأول (أكتوبر) والقاضي بتخفيض رواتب 12 من كبار التنفيذيين في المجموعة بنسبة تزيد على 90 في المائة، يعتبر أنه سيعرقل قدرة المجموعة على الاحتفاظ بكبار الموظفين ويجعل من الصعب عليها أن تسدد دينها للحكومة، والذي يزيد على 60 مليار دولار.
في اجتماع عقد في الفترة الأخيرة مع مجلس إدارة المجموعة الأمريكية، أجاب فاينبيرج بأن الشركة لا تدرك الحقيقة التي تقول إن المجموعة، باعتبارها مؤسسة مدعومة من الحكومة، يتعين عليها ممارسة قدر أكبر من التحفظ بخصوص الرواتب، وفقاً لما يقوله أشخاص مطلعون على الموضوع.
التنفيذيون في بنك سيتي جروب، وهو أحد من أكبر بنكين أمريكيين عليهما أن يسددا ديونهما من برنامج الموجودات المعتلة، يرددون حجة بِنموش ويحذرون من أن من الصعب توظيف كبار المصرفيين والاحتفاظ بهم أثناء المجاهدة تحت نير الحكومة.
بعض المراقبين يجادلون بأن المخاطرة على المدى الطويل هي أن النظام المالي لما بعد الأزمة سينقسم إلى طبقتين، وهو أمر من شأنه السماح للبنوك السليمة بالاستفادة من تقلُّص المنافسة. يقول لودفيج: ''هناك خطر حقيقي في الاستهانة بالآثار المدمرة ... الاستمرار في وجود نظام ثنائي للتعويضات يجعل من غير المرجح أن تكون بعض البنوك قادرة على تسديد الأموال المأخوذة من برنامج الموجودات المعتلة، ونحن بحاجة إلى أن نكون مدركين بعمق لهذا الأمر''. إضافة إلى ذلك، وفقاً للمنتقدين، فإن ميل الحكومة لتلعب دور القدَر بخصوص مسألة العوائد والتعويضات يزيد من خطر وقوع المزيد من الأضرار في قطاع المصرفية العالمية على المدى القصير. مارك وليامز، وهو مسؤول سابق في البنك المركزي الأمريكي يعمل الآن أستاذاً للعلوم المالية في جامعة بوسطن، يقول إن القرار القاضي بالسماح بانك أوف أميركا بتسديد مستحقات برنامج الموجودات المعتلة قبل البنوك التي من قبيل بنك سيتي بانك وبنك ويلز فارجو من شأنه تعميق وإثارة المخاطر التي من هذا القبيل. ثم يتساءل: ''هل يجب علينا أن نفترض أن بنك سيتي جروب وبنوكاً أخرى لم تصل حتى الآن إلى بر الأمان المالي؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن السماح لبانك أوف أميركا بتسديد ديونه من البرنامج في الوقت الذي لا تزال فيه البنوك الأخرى في وضع ضعيف من شأنه زيادة المخاطر المنهجية (التي تمس النظام بأكمله)، وهي المخاطر التي قال لنا البنك المركزي إنه يعمل على إنقاذنا منها''.
في السنة الماضية، مع بداية صيحات الغضب حول التعويضات، علق مصرفي كبير بطريقة مرحة قائلاً إن ''التعويضات أمر يبلغ من الأهمية حداً لا يجوز معه أن يُترَك في أيدي مجموعة من السياسيين''. (في إشارة إلى كلمة كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي في العقد الأول من القرن العشرين، حيث قال إن الحرب تبلغ من الأهمية حداً لا يجوز معه أن تُترَك في أيدي الجنرالات).
أثبتت الأحداث أن هذا المصرفي، وإخوانه، لم يكن أمامهم حرية التصرف. وفي الوقت الذي يتشكل فيه العالم المالي لعصر ما بعد الأزمة، فإن التدخل السياسي في قرارات الرواتب يرجح له أن يصبح واحداً من أكثر التركات بقاء واستمراراً.

