السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في صيف هذا العام كشف لي مصرفي مقره في لندن، أنه يحاول شراء شقق في سنغافورة وفي زيوريخ. وأصر على أن ذلك ليس لأنه يتوقع أن يغير مكان عمله (لأنه يحب المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه الصغار في لندن).

غير أنه كان متأكداً من أن بعض زملائه سينتقلون بعيداً عن حي المال في الأعوام المقبلة، لدرجة أنه كان يريد المراهنة على ذلك. واعترف قائلاً: «ربما كنت متأخرا جدا، فقد كان الوقت المناسب لهذه العملية قبل عام».

لعل الأمر ليس كذلك. ففي اليومين الماضيين كانت هناك موجة من التحذيرات من أن المصرفيين الذين يتخذون من لندن مقراً لهم سيتركون حي المال الآن، في أعقاب الخبر المتعلق بفرض ضريبة على المكافآت التي يتقاضاها المصرفيون. لكنني أظن أن هذا الغضب يخطئ الهدف الأكبر. وهناك أسباب وجيهة تدعو إلى الاعتقاد بأن الدور الذي تلعبه لندن في الشأن المالي العالمي يجري تقويضه. لكن ذلك يعكس وجود مزيد من العوامل الأساسية والهيكلية التي تتجاوز الخبر الخاص بالمكافآت.

فالموضوع المعرض للخطر هو قصة الاختلالات العالمية على صعيد الاقتصاد الكلي. خلال العقد الماضي نمت الاقتصادات غير الغربية بخطى مذهلة. ويعتقد بنك جولدمان ساكس، مثلا، أن ما يدعى بلدان بريك (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين) شكلت منذ عام 2007 ما نسبته 45 في المائة من النمو العالمي، مقارنة بـ 24 في المائة للفترة من عام 2000 إلى 2006، و16 في المائة في تسعينيات القرن الماضي. وبناء على ذلك التوجه، يتوقع أن تصل مجموعة بريك إلى نقطة التعادل مع الغرب خلال 23 عاماً فقط. لكن أسواق رأس المال في هذه البلدان ما زالت متخلفة كثيراً عن نظيراتها في الغرب بسبب ضعف بنيتها التحتية المالية. وهكذا أمضت البلدان غير الغربية العقدين الماضيين في إعادة تدوير ذلك المال من خلال المراكز المالية الغربية، عبر الإقبال النهم على شراء سندات الخزينة الأمريكية، ومشتقات الدين، وعمليات الاكتتاب العام الأولية وما إلى ذلك.

وكانت لندن حتى الآن رابحة من ذلك، خاصة أن لأسواقها ميزة ثقافية وتنظيمية وجغرافية على نيويورك. غير أن الصفائح التكتونية أخذت تتحول. وبحسب تقرير صدر أخيرا عن ماكينزي، أسواق رأس المال الغربية وصلت إلى مرحلة النضج بعد طفرة استمرت أربعة عقود - ما يعني أن مصدر النمو التالي سيوجد في العالم غير الغربي.

وبتعبير آخر، الأمر الذي يرجح أن يحدث في العقود المقبلة هو أن العمل المالي سيتحرك إلى مكان أقرب إلى المكان الذي يوجد فيه رأس المال، سواء أكان هونغ كونغ، أو ساو باولو، أو شنغهاي. ومن غير الواضح الآن مدى سرعة هذا التحول أو حجمه، لأن هناك تفاوتاً في قدرة هذه البلدان على بناء البنية التحتية المالية. ويستدل من طوكيو أن المصادر الكبيرة لرأس المال لا تُوجد دائماً قادة ماليين عالميين حقيقيين. لكن البنوك الغربية يمكن أن تشم هذا التوجه. انظر فقط، مثلا، إلى حقيقة أن بنك سانتاندر قام بعملية اكتتاب عام أولي في أسهمه قيمتها ثمانية مليارات دولار في السوق البرازيلية (ما يعني أنه حصل على تكلفة أرخص لرأس المال مما لو قام بعملية الاكتتاب في لندن). أو لاحظ أن قيمة عمليات الاكتتاب الأولي التي أنجزتها هونغ كونغ هذا العام كانت تقريباً ضعفي قيمة ما أنجزته لندن أو نيويورك.

في هذه الأثناء، يستدل من الأحاديث الدائرة في جولدمان ساكس أن هذا البنك الأمريكي يفكر حالياً في القيام بعملية طرح أسهم للاكتتاب العام في الصين والبرازيل. وفي الوقت ذاته تظهر أبحاث أجراها البنك أن معدل القيمة السوقية لأسواق الأسهم إلى الناتج المحلي الإجمالي في بلدان بريك قفزت من نحو 20 في المائة قبل عشرة أعوام إلى قرابة 70 في المائة حالياً.

من المؤكد أن هذا لا يعني أن دور لندن مركزا ماليا عالميا سينتهي، ذلك أن جزءاً كبيراً من عملها ما زال يأتي من الأسواق الغربية. وفي عالم الدين والمشتقات، ما زالت لها ميزة كبيرة على ما دونها من المدن، باستثناء مدينة نيويورك، وهذا أمر فيه نظر.

غير أن الأمر الذي يعتريه الضعف بصورة متزايدة هو الأمل الذي كان سائداً لفترة قصيرة في وقت سابق من هذا العقد: القول بأن لندن ستكون المركز المالي العالمي الأول في المستقبل المنظور. ذلك أنني أتوقع بدلاً من ذلك أن نرى في العقد المقبل توزيعاً متساوياً للقيادة في الأسواق المالية حول العالم وستكون لندن واحدا فقط من مجموعة مراكز.

لهذا السبب تعتبر الضريبة مهمة. أنا شخصياً لا أعتقد أن أصحاب الرساميل سيرحلون عن لندن زرافات ووحداناً بسبب ما أقدم عليه أليستر دارلينغ يوم الأربعاء فقط. ذلك أن المتداولين يعملون بعقلية وإيقاع موسمي يشبه عمل مزارعي الإعاشة بشكل غريب: يعرفون أنهم يعيشون في عالم متقلب، في ظل خطر دائم بأن يقضي طقس استثنائي على المحصول المالي السنوي – سواء أكان ذلك بسبب انهيار السوق، أو بسبب وجود رئيس بغيض. وهكذا، خسارة مكافأة سنة واحدة بسبب ضريبة استثنائية أمر يمكن للمرء أن يتحمله، خاصة إذا طالت كثيرا من المصرفيين في وقت واحد.

لكن الجو العام هو الذي يهم هنا. فالمشكلة هي أن الجو المالي آخذ في التحول نحو الأسوأ عموماً في لندن – فكر فقط في قواعد التأشيرات وضريبة الـ 50 في المائة وما إلى ذلك – في الوقت الذي تتحسن فيه الأوضاع في أماكن أخرى.

وعليه، إذا التقيت مصادفة بالمصرفي الذي أعرفه مرة أخرى، فإنني سأقترح عليه عنصراً جديداً لاتجاره بالعقارات: ربما يكون الوقت الراهن مناسباً للمضاربة على هبوط أسعار العقارات في تشيلسي وغيرها من الأماكن التي يقطنها المصرفيون. لكن دعوني أؤكد أن وجهة النظر هذه تتعلق بعشرة أعوام وليس بعشرة أيام.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية