يجب على الحكومات أن تشرع في وضع الخطط الرامية إلى تصويب أوضاع ماليتها العامة.
الدول واقعة تحت الحصار. فبسبب إقدام وكالة فيتش على خفض درجة التصنيف الائتماني لسندات الحكومة اليونانية، قررت أسواق رأس المال أن الدين السيادي أخطر قليلاً مما كانت تعتقد في السابق. لم تقتصر المعاناة على اليونان وإيرلندا، بل عانت اليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة هي الأخرى من ارتفاع تكاليف الاقتراض التي تدفعها.
لا يرجع هذا الأمر إلى ظهور حالات رعب جديدة تهدد الميزانيات العمومية الحكومية، وليس مرده إلى وجود أي خوف جديد من أن الحكومات ليست لديها القدرة على تقليص عجوزاتها. فالدول ليست كالشركات التي تجد صعوبة بالغة في المواءمة بين مواردها واحتياجاتها. فهي لديها الصلاحية لخفض أعداد الموظفين، وتقليص الخدمات الاجتماعية، وزيادة الضرائب.
الخطر الذي يشغل بال أسواق رأس المال خطر سياسي. إنها تعيش دائماً تحت خطر أن يمنعها الضغط الانتخابي من تصويب أوضاع ماليتها العامة. اتضح ذلك من ردود المستثمرين على الميزانيتين الوطنيتين اللتين صدرتا هذا الأسبوع في الجزر البريطانية – ميزانية في دبلن وأخرى في لندن.
فقد كشف بريان لينِهان، وزير المالية الإيرلندي، الغطاء عن ميزانية قاسية قلصت مخصصات الخدمات الاجتماعية ومرتبات العاملين في القطاع العام. وأظهرت أن الحكومة الإيرلندية لديها القدرة السياسية على إجراء خفض شديد، ما أدى إلى تراجع العوائد على سنداتها بشكل طفيف. وهناك حاجة إلى إجراء مزيد من التصويب، فالأعصاب لم تهدأ تماماً. ورغم ذلك استقبلت الميزانية استقبالاً جيداً.
وفي المقابل شرعت حكومة المملكة المتحدة، وإحدى عينيها على الانتخابات العامة التي يجب أن تتم الدعوة لها خلال ستة أشهر، في تنفيذ خطة غير واضحة المعالم لم تكشف عن أية تفاصيل تقريباً، حول الكيفية التي ستكبح بها العجز الذي تعاني منه.
والاعتبار المهم بالنسبة لأسواق السندات لا يتمثل في القيام بعملية تصويب سريعة، بل في عملية ذات صدقية. فقد كشفت الحكومة عن خطة لضغط النفقات بمبلغ 76 مليار جنيه استرليني، لكنها حددت فقط زيادات ضريبية وتخفيضات في الإنفاق يبلغ مجموعهما 44 مليار جنيه استرليني. ولم يتم بيان الكيفية التي سيتم بواسطتها توفير المبلغ المتبقي وقدره 30 مليار جنيه.
وحتى في المواقع التي كشفت فيها ما إذا كانت تخفيضات الإنفاق أو الزيادات الضريبية هي التي ستتحمل العبء، لم يتم إعطاء تفاصيل في أغلب الأحيان. وتحدد الحكومة بعض المجالات التي ترغب في عدم المساس بها، كالرعاية الصحية وسنوات التعليم الأولى. لكن بدافع خوفها من إغضاب الناخبين، لم تعط أية معلومات تقريباً عن النواحي التي سيطالها التخفيض، والنواحي التي ستطالها الزيادة الضريبية.
وإذا أعيد انتخاب الحكومة العمالية – على عكس ما أظهرته استطلاعات الرأي الأخيرة - فإن خطة موازنتها المالية ستقضي بإجراء تخفيضات بنسبة 12.3 في المائة فيما بين عامي 2011 و2013 في بعض المجالات التي لا يوجد فيها حيز كبير للمناورة، كالنفقات الدفاعية.
وهنا أيضاً لا توجد تفصيلات حول الكيفية التي يمكن بها تدبر هذا الضغط للنفقات، أو الخيارات التي ستأخذ بها الحكومة لتمكين الوزارات من مواصلة عملها في ظل هذه التخفيضات الكبيرة. من هنا، هذه ليست خطة معقولة.
إذن، ليس هناك غرابة في أن يرتفع عائد السندات لعشر سنوات 19 نقطة أساس رداً على وثيقة الميزانية. إن أسواق المال تريد أن تعرف ما الذي تعتزم الأحزاب السياسية البريطانية فعله. والأهم أن الناخبين البريطانيين يريدون ذلك.