الاثنين, 5 أكتوبر 2026|22 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

''إنها المرة الأولى خلال 50 عاماً التي كان لفرنسا فيها هذا الدور. الإنجليز هم أكبر الخاسرين في هذا الأمر''. كان هذا تعليق الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي على تعيين ميشيل بارنييه مفوضاً للسوق الداخلية والخدمات المالية في المفوضية الأوروبية.

بالطبع، ساركوزي على حق في أن الإنجليز هم الخاسر الأكبر، لكن كذلك الفرنسيين، إضافة إلى أية جهة أخرى في الاتحاد الأوروبي.

إن تعيين بارنييه في أهم منصب في المفوضة الأوروبية، بعد الرئاسة، هو بالفعل أمر غير موفق، لكن لأسباب تختلف عن تلك التي زرعها الرئيس الفرنسي في الأذهان. وهي أيضا أسباب ليست لها علاقة بالحي المالي في لندن، ولا ببارنييه شخصياً. المشكلة الوحيدة في وظيفة بارنييه الجديدة هي وظيفته نفسها.

سيكون مسؤولاً عن أصعب مهمتين سياستين يتعين على الاتحاد الأوروبي إنجازهما خلال العقد المقبل: تعزيز السوق الموحدة والتنظيم المالي. والاثنتان تعانيان من مشاكل. كانت السوق الموحدة تتفكك من كل جوانبها منذ أن استعادت الدول الأعضاء السلطة من بروكسل إبّان الأزمة المالية. وفي وقت اقتربنا فيه من استنزاف مجال مناورتنا على صعيد الاقتصاد الكلي، فإن إعادة الحياة إليها هي أفضل أمل لدى الاتحاد الأوروبي في الأجل الطويل.

على صعيد التنظيم المالي، المهمة لا تقل أهمية عن قضية السوق الموحدة. يجب تحديد السياسة الخاصة بذلك ليس من منطلق مصالح الحي المالي في لندن، ولكن من منطلق كيفية جعل اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكثر مرونة في مواجهة عدم الاستقرار المالي. وفي الوقت الراهن السياسة بهذا الخصوص تتعلق بالجوانب كافة. ويندفع الاتحاد الأوروبي بشدة في سياسته ضد صناديق التحوط، لكن يبدو أن لديه قليلا من المشاكل بخصوص الأدوات المالية غير المرغوبة اجتماعياً، مثل مقايضات عجز الائتمان المكشوفة ـ حيث يسعى المشترون إلى تأمين عجز عن سداد أوراق مالية لا يملكونها، بحيث يتم أغلب ذلك لأغراض مضاربة صرفة. وما شهده الأسبوع الماضي من إضعاف للمقترحات الخاصة بإيجاد منصب مراقب قوي على مستوى الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون عامل تذكير بأن المصالح الوطنية الضيقة تظل قوة مهيمنة في الاتحاد الأوروبي.

هذه هي الفوضى المزدوجة التي يرثها بارنييه ـ سوق موحدة مضطربة، وأجندة إصلاح مالي غير متسقة. وإذا كنا جادين بالفعل في معالجة هاتين القضيتين، لا بد من فصل التمويل عن السوق الموحدة ودمجه بالاقتصاد، لأن طبيعة الوظيفة تغيرت.

في الثمانينيات والتسعينيات كان هناك مبرر قوي للجمع بين وظيفتي السوق الداخلية والتمويل. وكانت الفكرة، قبل كل شيء، هي توفير سوق موحدة للخدمات المالية. لكن إذا كان هناك من شيء واحد علمتنا إياه الأزمة، فهو أن الاقتصاد الكلي والتمويل يجب ألا يدارا من جانب جهازين وظيفيين منفصلين. وكان ذلك الإدراك بالذات هو الذي أدى إلى إنشاء ''المجلس الأوروبي للمخاطر على النظام ككل'' الذي يمثل نظاماً جديداً للرقابة الكلية الحكيمة.

إن السؤال حول مكان وجود التمويل داخل المفوضية لا يتعلق بمن هو المكلف بفعل ماذا، لكنه يتعلق بكيفية إنجاز العمل. وبالإبقاء على ارتباط التمويل بالسوق الداخلية تكون آلة الضغط وحشد القوى الخاصة بالصناعة المالية قادرة على ممارسة نفوذها كما كانت في السابق ـ في الغالب بما يلحق الضرر بالجمهور. ولو تم إلحاق التمويل بالاقتصاد لكان الأمر أصعب على جماعات الضغط، أو على الأقل يرغمها ذلك على استخدام حجج مختلفة، بينما يزداد تركيز الاقتصاد في الغالب على العوامل الخارجية أكثر من أولئك الذين ينظرون إلى المشكلة من المنظور الخاص بالصناعة.يوجد كذلك احتمال أكبر بعض الشيء لأن يتمكن أتباع الاقتصاد الكلي من تحدي واحدة، أو اثنتين من الحجج البليدة فكرياً، التي عادة ما يسوقها المصرفيون في الدفاع عن الوضع القائم، ولا سيما الجزم بأن الابتكار المالي يولد النمو. ونحن نعرف أن مزيجاً مؤلفا من الابتكار المالي والاختلالات على مستوى الاقتصاد الكلي يؤدي إلى الفقاعات. لكن لا يوجد دليل متفق عليه، نظرياً أو تطبيقياً، على أن الأدوات المالية التي تم اختراعها خلال السنوات العشر الماضية تؤدي إلى نمو مستدام.سأراهن على أن بارنييه لن يكون الرجل الذي يثير أيا من هذه القضايا غير المريحة. وإن حماسه الشديد فيما يتعلق بالوظيفة التي تمزج بين السوق الداخلية والتمويل، ليس لأن لديه أفكاراً راسخة حول ما يفعله. وإن منظري المؤامرة البريطانيين على خطأ، إذ لا توجد مؤامرة فرنسية. وإن سبب رغبة الفرنسيين في أن يشغلوا هذه الوظيفة أقرب إلى الجانب العملي الدنيوي، إذ ينظر إليها على أنها وظيفة قوية حسب مقاييس القوة في بروكسل. إن ما يهم ساركوزي هو أنه استطاع ترويج التعيين باعتباره هزيمة للرأسمالية الأنجلو – ساكسونية. وحسب الأمور على أساس أن النصر المعلن يعني نصراً تم تحقيقه. ومن منظورة المصاب بغشاوة، ربما كان على حق، فقد كان الجمهور المحلي يهتف له.لكن لا ينبغي للحي المالي في لندن أن يخاف. فمن منظوره، تعيين بارنييه يعد بصورة عامة نبأ جيدا، ليس أقله لأنه يُبقي على الهيكل الحالي قائماً. وسيكون بارنييه مطوقاً ببيروقراطية قوية يترأسها موظف مدني بريطاني.

وفي حين لا يتوقع أن يتسبب بارنييه بأذى كبير، فليس من المتوقع كذلك أن يقوم بكثير من الأمور الجيدة. سيكون مهيمناً عليه ومشغولاً بحيث لا يستطيع تقديم التوجيه السياسي الكافي وتجاوز المصالح الوطنية الهائلة التي تقف في سبيل التغيير، أو مواجهة جماعات الضغط.

مع ذلك قد يفاجئنا. غير أن الاحتفاظ بالدور المشترك للسوق الداخلية والتمويل يقول لي إن هذه المفوضية الجديدة تظل دون استراتيجية متوافقة في اثنتين من أهم المناصب في الاتحاد الأوروبي. وأجد أن ذلك الأمر أكثر تسبباً في المشاكل من مجرد وجود مفوض يمكن أن يكون معادياً للحي المالي في لندن.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية