الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يعطي ديفيد سي هيدلي انطباعاً واضحاً عن نفسه كلما مرّ بالهند من أجل العمل. وهذا الرجل البالغ من العمر 49 عاماً، وابن دبلوماسي باكستاني، والمعروف جيداً في المجتمع الأمريكي، حيث دعم المؤسسات النخبوية، واختلط بالمجتمع الراقي خلال تسع زيارات له خلال الأعوام الثلاثة الماضية، كما يبدو أثناء عمله كمستشار في شؤون الهجرة.

ولكن الوكالات الأمنية الهندية تحقق الآن فيما إذا كان هذا الرجل الاجتماعي البالغ من العمر 49 عاماً – أعتقل الشهر الماضي في الولايات المتحدة بسبب الشكوك في تخطيطه لهجمة إرهابية في كوبنهاغن – كان في واقع الأمر متعاوناًً يجري تحقيقاً حول الهجوم الإرهابي الجريء على مومباي قبل عام مضى.

استهدفت الهجمات فندقين فخمين، ومحطة القطار الرئيسية، ومركزاً يهودياً صغيراً، وقتلت 166 شخصاً. ووجهت نيودلهي اللوم إلى «لاشكار – أي – طيبة» Lashkar-e-Taiba ، وهي مجموعة مقرها باكستان، تم تأسيسها مبدئياً لمحاربة القوات الهندية في مقاطعة كشمير في جبال الهملايا المتنازع عليها.

وجاء الهجوم في أعقاب ستة أشهر من موجة تفجيرات اجتاحت شتى أرجاء البلاد، وقتلت 131 شخصاً على الأقل، وجرحت المئات في بعض أهم مدن الهند على الصعيد الاقتصادي، بما فيها جيابور، وأحمدآباد، ودلهي.

خلال العام الذي أعقب سفك الدماء، لم تعان الهند من أي هجمات إرهابية كبيرة على أرضها. ووضعت المجموعات المسلحة نصب أعينها باكستان، التي هزتها سلسلة من التفجيرات المدمرة انتقاماً لاعتداء إسلام آباد على مؤيدي طالبان، والمجموعات المتطرفة الأخرى.

على الرغم من ذلك، فإن اعتقال هيدلي – والمعلومات التي أفصحت عنها السلطات بشأن أنشطته المشبوهة – هو تذكير بالتهديد الذي ما زالت الهند تواجهه من المجموعات المسلحة والمتطورة الباكستانية، فعلى سبيل المثال، ترفض الشبكة العالمية ليت LeT، مزاعم إسلام آباد بأنها أحبطت قدراتها على تنفيذ العمليات.

ويقول دبلوماسي غربي في دلهي: إن الأمر يشير إلى القلق الذي كان يساور ذهن الجهات الأمنية الهندية منذ بعض الوقت، بشأن المتعاطفين مع منظمة ليت الذين من المحتمل أن يسافروا مستخدمين جوازات سفر بلد ثالث. ويضيف هذا الأمر بعداً جديداً تماماً إلى المهمة الصعبة فعلياً لمحاربة الإرهاب في الهند.

كثيراً ما ظلت الهند توجه اللوم بشأن الإرهاب على أرضها إلى المجموعات المسلحة المتمركزة في باكستان، وتتمتع بالحماية من جانبها – التي حاربت ضدها ثلاث حروب حول كشمير، المتنازع عليها بين الجارتين المسلحتين نووياً، وتطالب بها البلدان.

وفي تسعينيات القرن الماضي، كان العنف مقتصراً بشكل رئيسي على المقاطعة، وتحارب الميليشيات الأجنبية إلى جانب الانفصاليين الغاضبين. وكثيراً ما أنكرت إسلام آباد تقديمها الدعم العسكري إلى المتمردين، وتقول إنها كانت تقدم دائماً «الدعم الأخلاقي».

لكن حين تراجع الصراع المسلح، انتشر الإرهاب إلى قلب الهند. وتعرضت حيدر آباد، وهي مدينة هندية جنوبية تعتبر مركزاً لصناعة البرمجيات، إلى هجوم في عام 2007، حين قتلت قنبلتان أكثر من 40 شخصاً. وتم استهداف العاصمة المالية مومباي حديثاً، قبل العام الماضي، في تموز (يوليو) 2006, حين قتلت عدة قنابل على قطارات محلية، وفي المحطات، أكثر من 180 شخصاً.

#2#

حصلت الهند على دليل على تورط باكستان في هجمات العام الماضي، وألقت القبض على واحد من عشرة إرهابيين – محمد أجمل كاساب، وهو شخص باكستاني من الطبقة العاملة لم يكمل دراسته الثانوية. وجلب اعترافه الذي ذكر فيه بالتفصيل تدريبه في المعسكرات الباكستانية ومعلومات أخرى حول الهجمات، ضغوطاً مكثفة من جانب واشنطن على إسلام آباد للتشديد على مجموعة ليت. واعتقلت باكستان سبعة من أعضاء المجموعة، وخلال هذا الأسبوع وجهت تهماً جنائية ضدهم تتعلق بتدبيرهم الهجوم.

وتقول المنظمة إن الرجال أبرياء، ولكن بعض الأعضاء قالوا سراً إنهم يحتفظون بالحق للهجوم على الهند.

مع ذلك، وعلى الرغم من فترات الهدوء في الهند، يحذر الدبلوماسيون الغربيون وخبراء الأمن الهنود من أن مخاطر هجوم آخر – مع احتمالات أن تنفجر المواجهات مع إسلام آباد – عالية للغاية. ووفقاً لأحد الدبلوماسيين، فإن لدى الميليشيات الباكستانية التي تتعرض لضغوط قوية الآن من جانب الجيش، حافز قوي لتفعيل تصعيد التوترات بين إسلام آباد ودلهي.

ويقول هذا الدبلوماسي: إذا استطاعوا استفزاز رد هندي ـــ وتوليد توتر هندي ــ باكستاني ــ فإن اهتمام باكستان سوف يتحول.

يقول بي رامان، الرئيس السابق لقسم مكافحة الإرهاب في جناج الأبحاث والتحليل Research and Analysis Wing ، في وكالة الاستخبارات الهندية، إن البنية التحتية الأساسية لمنظمة ليت تبقى دون مساس. وأضاف: فيما يتعلق بالملاذ، أي معسكرات التدريب، فإن باكستان لم تتخذ أي إجراء. وتتخذ باكستان إجراءات ضد أولئك الذين حددهم مجتمع الاستخبارات الغربي فقط.

تم الثناء على مانموهان سينج، رئيس وزراء الهند، في العواصم الغربية لرده المتعقل إزاء الهجمات على مومباي في العام الماضي، حتى وسط الضجة الجماهيرية للرد على منظمة ليت. غير أن المحللين السياسيين يقولون إن دلهي سوف تكتشف أنه من المستحيل مقاومة الضغوط للقيام بعمل عسكري، في حال حدوث هجوم جديد من الحجم ذاته. ويقول براهما شيلاني من مركز أبحاث السياسة في دلهي، Centre for Policy Research: كانت تلك هي الرسالة التي نقلها الأمريكيون كذلك إلى إسلام آباد: استطعنا منع الهنود من الرد، ولكن لا تعتمدوا علينا في المرة المقبلة.

تم تسليط الضوء على هشاشة الهند إزاء هجوم آخر أثناء التحقيقات مع هيدلي. وبصفته مواطناً أمريكياً، فقد تم توجيه التهم إليه في الولايات المتحدة، فيما يتعلق بما يدعي مكتب التحقيقات الفيدرالية أنه قاد رحلتين استكشافيتين إلى كوبنهاغن في عام 2009، للتخطيط لهجمات إرهابية على «جيلاندس – بوستين» Jyllands-Posten، الصحيفة التي نشرت رسوم كاريكاتورية مثيرة للجدل عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عام 2005.

أما هيدلي الذي ولد في داوود جيلاني، ووفقاً لاتهامات مكتب التحقيقات الفيدارلية الموجهة إليه، فقد غير اسمه في عام 2006 لتسهيل سفره دولياً، وحصل على تعليمه في أكاديمية عسكرية للنخبة الباكستانية حتى عام 1977، حين انتقل إلى فيلادلفيا للانضمام إلى والدته التي كانت تمتلك باراً محلياً. ونقلت صدمته الثقافية في ذلك الحين بعد تنشئته الإسلامية الصارمة، صحيفة فيلادلفيا إنكويرر، رغم أنه أدار البار لاحقاً لمدة عام.

تم اعتقاله في شيكاغو في 3 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أثناء استعداده للسفر إلى فيلادلفيا في طريقه إلى باكستان، واعترف للسلطات أنه تلقى التدريب على يد منظمة ليت، وعمل معها لعدة سنوات. وعلى أية حال، أنكرت المنظمة أية صلة به. وزعم كذلك أنه اعترف بأنه عمل مع إلياس كاشميري، زعيم المجموعة الإرهابية، حركة الجهاد الإسلامي في باكستان، التي يعتقد المسؤولون الأمريكيون أنها مرتبطة بالقاعدة.

تحقق السلطات الهندية في تسع رحلات لهيدلي إلى الهند، حين زار مدناً مهمة بما فيها مومباي وبونه وأحمد آباد، وأقام في فنادق فخمة، وتجول في مراكز لياقة بدنية راقية، ومعابد هندوسية يدعمها أجانب، واختلط مع ممثلين من نجوم بوليوود (السينما الهندية العالمية).

ومن بين الأسئلة التي تطرحها السلطات الهندية، هي ما إذا كانت هناك حلقة مفقودة بينه وبين الهجوم على مومباي – كشاف نفذ استطلاعات مفصلة. وتحقق كذلك فيما إذا كان قد ساعد في التخطيط لبعض التفجيرات السابقة.

يؤكد مكتب التحقيقات الفيدرالية كذلك أن رسائل إلكترونية تم اعتراضها منذ تموز (يوليو) الماضي، وآب (أغسطس) هذا العام تشير إلى أن منظمة ليت أرادت إرسال هيدلي إلى الهند مجدداً، على الأرجح للتخطيط لهجوم جديد. وفي المحكمة، ادعت جهات الادعاء العام الأمريكية أنه وشخص آخر، تاهاوور حسين رانا، وهو كندي من أصل باكستاني تم اعتقاله كذلك في الولايات المتحدة، ناقشا هجوماً محتملاً على كلية الدفاع الوطني في دلهي، رغم أن تفاصيل قليلة ظهرت بهذا الشأن.

وسوف تضيف الإشارة إلى أن أعضاء رفيعي المنصب من منظمة ليت، كانوا يدبرون كذلك هجمات على الهند، إلى الضغوط على باكستان للتشديد على المنظمة بقوة أكبر.

ما زالت الهند تطالب بمحاكمة حافظ سعيد، أستاذ الجامعة سابقاً الذي أسس منظمة ليت، ومعروف عنه صلاته السابقة مع الاستخبارات الباكستانية. وتم اعتقال سعيد بعد فترة وجيزة من الهجوم على مومباي، ولكن أطلق سراحه في حزيران (يونيو) الماضي، بعد أن أقرت المحكمة بأن اعتقاله كان غير دستوري. وينكر سعيد أي دور له في التخطيط للهجوم.

قال أجاي شاني من معهد إدارة الصراعات Institute for Conflict Management في دلهي: لم يتم إغلاق أي من هذه المجموعات على الإطلاق. ويتم تسهيل الأمر للأشخاص قيد الاعتقال المنزلي كي يديروا منظماتهم. ولا يخضعون لأي نوع من القيود التشغيلية.

على أية حال، يشير المحللون الباكستانيون، مثل حسن أسكاري ريزفي، إلى القيود المفروضة على العمل لكبح المجموعات مثل منظمة ليت. ويقول: في الواقع الفعلي، لا يمكنك أن تتوقع أن تنحني باكستان علناً أمام ضغوط الهند. وسوف يكون رد فعل اليمين سلبياً للغاية، إذا كان هناك إجراء أشد.

مع ذلك، يمكن أن ينتج عن التحقيقات في أنشطة هيدلي في الهند، والمتوقع أن تستغرق شهراً آخر على الأقل، الكثير من المعلومات – بما في ذلك التحديد المحتمل للمزيد من اتصالاته الباكستانية، وللهنود الذين يشتبه أنهم يدعمون الأنشطة الإرهابية.

واعتقلت السلطات الباكستانية هذا الأسبوع، رائداً متقاعداً من الجيش على خلفية صلاته المشبوهة مع هيدلي، ورانا. ويقول أحد الدبلوماسيين في دلهي: يمكن أن تكون نتيجة هذا التحقيق مطمئنة، إذا أدت إلى القضاء على عناصر الخطر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية