مؤتمر دولي من أجل المناخ في كوبنهاجن ضم 192 دولة وحضرته زعامات بلغ عددها 100 زعيم وقدمت إليه عريضة موقعة بإمضاء عشرة ملايين ناشط في حماية البيئة والهدف المزمع خفض درجة حرارة المناخ درجتين مئويتين لا غير.
سبقت هذا المؤتمر جولات ولقاءات على مستوى الدول والقارات وعلى مستوى التجمعات الإقليمية والمؤسساتية وماراثونات بينية وغير بينية، فضلا عن أرتال من الدراسات والبحوث والمقالات والندوات حول مناخ الأرض وما يحيق بها من أخطار جسيمة عبّرت عن نفسها بكوارث عديدة في مختلف القارات سواء ما جاء على هيئة أعاصير أو فيضانات بحرية أو ما كان أمطارا حمضية أو عواصف ورياحا هائلة السرعة، فضلا عن البراكين والزلازل والانزلاقات الأرضية وموجات الجفاف والتصحر أو طوفان الأمطار المباغت.
وعلى مدى السنوات الماضية لم تكن المسألة مستحقة الوفاء على الدول النامية لا من حيث كونها مصدر انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبته العالية ولا من حيث عدم الالتزام بالتوقيع على مواثيق المناخ وأبرزها كيوتو، بل كانت الدول المتقدمة وعلى رأسها، وبإصرار دائم، الولايات المتحدة الأمريكية التي ظلت تتملص من دورها في صيانة المناخ الأرضي ومعالجة قضية ثقب الأوزون أو ما عُرف بمعضلة سخونة الغلاف الجوي (الاحترار).
وقعت قضية التسخين الحراري للأرض بين طرفي كماشة نزاع السياسة مع المصالح السيادية، فعلى حين بدأت أوروبا برامج تبريد الغلاف الجوي وفق سياسات متريثة لكنها مستمرة ظلت الولايات المتحدة تتشاغل عن ذلك بالحديث عن الوقود الأحيائي والطاقة البديلة وما شابه ذلك دون أن تفرض نظاما صارما على قطاعها الصناعي الهائل الحجم والمتنوع الأغراض لكي تحد مصانعه من كميات انبعاث الكربون بالنسبة التي أوصى بها ميثاق كيوتو. أو طالب بها علماء البيئة والأرصاد.
على الطرف الآخر، في الصين والهند، على وجه الخصوص، حيث التنمية بمعدلات متسارعة، ظل غض النظر عن صيحات مؤتمرات المناخ وتوصياته هو السائد، وإن أبدت هاتان الدولتان شيئا من التطمين النظري في أنهما تعملان ما ينبغي عليهما عمله.
المؤتمرون في كوبنهاجن اليوم، ليسوا أمام تحد، فقد كشر التحدي عن أنيابه ولطم الأرض أكثر من مرة في أكثر من مكان، وفي أكثر من صورة وعلى نحو مخيف مرعب، لذا فالمؤتمرون في كوبنهاجن باتوا الآن في أتون التحدي بالضبط، وهم إذ يتقاذفون كرة اللوم أو يمارسون لعبة الغماية أويلوذون بالأقنعة والستر الواقية من لفح هذا الأتون فلسوف يمنحون بذلك لأتون التحدي أن يأخذهم إلى مداه الرهيب.
هذه الصورة القاتمة ليست مقدمة بلاغية خبائزية لرثاء كوكبنا الأرضي لكنها مشهد هول “النذر” الفعلية التي ما عاد بالإمكان الالتفاف عليها بالسياسة والمصالح الوطنية والقومية أو غيرها من الامتيازات، فقد برهن ثقب الأوزون أنه كوة من الجحيم لا يستثني بعذابه أحدا.. الأمر الذي لا يدع أمام السادة الساسة والعلماء المؤتمرون في كوبنهاجن سوى أن يكفوا عن العمل كإطفائيي حرائق وإنما سد ثقب الجحيم الذي يهطل بالشرر اللاهب بالتزام رشيد دقيق بكل ما ينبغي لكل طرف عمله، وما لم يصطف العالم، كل العالم، للذود عن سلامة كوكبنا الأرضي، فليس غريبا أن يتوحش الخطر إلى الحد الذي لا قبل للجنس البشري باحتماله.. فهل يعلن العقل البشري عن رشاده ولو لمرة في التاريخ ليحول دون موت التاريخ!!
