الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

صياح ساركوزي شعبوية انتخابية وليس سياسة.

ثمة أشياء قليلة تزعج وتثير حفيظة البريطانيين أكثر مما يزعجهم صياح الفرنسيين. ويظل ذلك صحيحاً بصفة خاصة حين يتفاخر جيرانهم الغاليون (نسبة إلى بلاد الغال وهو اسم قديم كان يطلق على فرنسا) بفرض قيود وضوابط على الشخصيات التي تلقى كراهية عامة، مثل المصرفيين «الأنجلو ــ ساكسون».

بالتالي، ربما يكون من غير المفاجئ أن تخلى ساركوزي عن زيارة لندن يوم السبت، وهي زيارة كان يمكن أن يهيمن عليها موقف فرنسا من الحي المالي في لندن.

في الأسبوع الماضي، أثناء حملة الإعداد للانتخابات المحلية، وصف الرئيس الفرنسي التعيين الذي تم أخيرا لمايكل برانييه، مفوضاً جديداً للأسواق الداخلية في الاتحاد الأوروبي، بأنه نصر فرنسي رمزي على «تجاوزات الرأسمالية الأنجلو – ساكسونية». وتباهى كذلك بأن المملكة المتحدة كانت «الخاسر الأكبر» في تعيينات المفوضية الأوروبية.

ووضع مزيد من الملح في الجرح حين اتخذت حكومات الاتحاد الأوروبي خطوات متواضعة إزاء تجانس وانسجام تنظيماتها المالية. وتم اقتراح إنشاء أربع جهات رقابية أوروبية، هي مجلس للمخاطر على النظام ككل، وجهة رقابية لشؤون التأمين، وأخرى لشؤون المصرفية، وثالثة لأسواق الأوراق المالية، اقتداءً بروح خطة وضعها رجل فرنسي (ومن غيرهم يفعل ذلك؟)، هو جاك دو لاروزييه، المحافظ السابق لبنك فرنسا والرئيس السابق أيضا لصندوق النقد الدولي.

وتم إيراد هذه الرزمة القليلة من الأخبار المبتورة والمرتبكة في صحافة المملكة المتحدة إلى جانب صور لنابوليون وإشارات إلى معركة ووترلو، وعناوين رئيسية حول نزاعات السلطة الأوروبية. والفرنسيون متهمون بقيادة حملة لإبعاد الشركات عن الحي المالي في لندن. ومع ذلك، من المهم فصل الخطاب الحماسي الشعبوي لساركوزي عمّا يحدث فعلياً على أرض الواقع.

تماماً كما يتذمر السياسيون البريطانيون، ويكررون انتقاد المعونات المالية المقدمة للزرّاع الفرنسيين، فإن السياسيين الغاليين، وبالذات الديجوليين منهم، يتعهدون بإصلاح الأسواق وتقييد الرأسمالية الفظة. ووجد استطلاع حديث للرأي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية، أن 43 في المائة من المستجيبين الفرنسيين يعتقدون أن الرأسمالية ذات زيف قاتل ـ أكثر من ضعف من يقولون بذلك في المملكة المتحدة.

لذا يمكن للمرء أن يفهم لماذا أراد ساركوزي أن يبالغ في شأن تعيين بارنييه. ومن المؤكد أن هذا المفوض الجديد ليس ليبرالياً اقتصادياً. غير أن ذلك كان على أية حال انغماساً سياسياً ذاتياً، إذ لم تعد وظيفة بارنييه أمراً يجتذب أو يحرك الناخبين الفرنسيين.

إذا كان تعيين بارنييه نجاحاً بالفعل، فلن يكون أول مفوض يتعين عليه أن يبرهن على أهليته في وظيفة أوروبية. إذ تم استقبالهما بعين الشك إلى تعيين البلجيكية كاريل فان ميرت، والفرنسي باسكال لامي، غير أنهما كانا صاحبي اتجاه تحرري حين توليا حقيبتي المنافسة والتجارة. ولا بد من منح بارنييه الوقت كي يرتكب الأخطاء قبل أن يدان بذلك.

أكثر من ذلك، أن الخطوات التي تتخذ هذا الأسبوع باتجاه تطبيق تقرير دو لاروزييه ليست مدعاة للخوف. فقد كشفت الأزمة المالية عن السماح للبنوك بأن تصبح قليلة الرسملة، بينما تسابق المراقبون لتخفيض المعايير التنظيمية.

من خلال مساواة المتطلبات التنظيمية عبر القارة، فإن توصيات دو لاروزييه يجب أن تمنع تكرار حدوث تلك الحركة اللولبية. والسماح لكيان ما بتمثيل القارة يفترض كذلك أن يجعل التفاوض مع الولايات المتحدة أسهل من أجل تقليل الأنظمة الاعتباطية عبر الأطلسي.

هذه الإصلاحات ضرورية، على أية حال، للتخلص من عيوب الوسائل التنظيمية لدى الاتحاد الأوروبي. وقد سمح للبنك الآيسلندي «لاندزبانكي» الذي انهار في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2008، بالعمل في سوق المملكة المتحدة، حيث حصل على 4.5 مليار جنيه استرليني من ودائع التجزئة. غير أن المسؤولية الرئيسية عن تنظيم وتأمين مودعيه لم تنقل إلى لندن.

لذلك لم يقتصر الأمر على عدم تعوّد جهة التنظيم في المملكة المتحدة على تلك المؤسسة وعدم قدرتها على حماية المودعين البريطانيين، ولكنها حين تعثرت لم تكن هناك خطوط للمسؤولية. وكما قال اللورد تيرنر، رئيس سلطة الخدمات المالية في المملكة المتحدة، في آذار (مارس)، هذا وضع غير مستدام.

ويجب أن يكون هناك أنظمة أكثر انسجاماً حتى تتمكن الشركات من العمل عبر الحدود، أي «مزيد من العمل الأوروبي المشترك»، أو أن تتوافر سوق مشتركة أكثر ضحالة يتم بموجبها تنظيم كل البنوك، ورسملتها بصورة منفصلة في كل دائرة قضائية،»قليل من العمل الأوروبي المشترك». ومقترحات لاروزييه وسيلة جيدة لجعل سوق عميقة وآمنة احتمالاً حقيقيا.

إن الحي المالي على حق في الانزعاج من الأسلوب التمويلي الذي يتخذ في بعض دوائر الاتحاد الأوروبي: مسودة التوجيه الخاص بشركات الأسهم الخاصة وصناديق التحوط أمر عبثي وغير عقلاني. لكن لا يفترض النظر إلى أي شيء يأتي من بروكسل على أساس أنه مؤامرة فرنسية. فليس بالضرورة أن تكون المصالح البريطانية نقيضة لمصالح فرنسا ـ ووجود حي مالي قوي في لندن هو أمر في صالح فرانكفورت وباريس.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية