تنظر إلي من بعيد ،تقترب أكثر ثم تتساءل وعلى ثغرها طيف ابتسامة "وش فيك ؟" كاد قلبي يقفز من الخوف فقلت:"أبداً.. لا شيء .."
وأتمتم بداخلي يا إلهي ..كأنها علمت ما بنفسي تجاهها دون أن أتكلم !
توجد أمور كثيرة لا نراها ولا نعلم ما حقيقتها ولكن نحس بآثارها مثلما نحس بآثار الجاذبية الأرضية ..رغم عدم تحسسنا لها بشكل مباشر ..لكن مع ذلك نقول بها ..
في أحياناً كثيرة تبّرِز ضحكة الأسنان ومشية الإنسان شخصية الفرد الذي أمامك وتخبِر عنه وما أضمر أحد شيئا إلا ظهر على فلتات لسانه وصفحات وجهه ..!
من منا لا يتفق على أن ترى شخص فتتوسم منه الذكاء أو تعتقد فيه البلاهة ! ويحصل حدسك تجاهه ..
كثيراً ما تسأل علماء النفس عن سبب هذه الحالة ..فقالوا عنها "توارد خواطر "وقال عنها علماء الإسلام نور يقذفه الله في قلب العبد يجعله يفرق بين هذا وذاك ..وعن نفسي أعتقد أنه خاطر يهجم الفؤاد يكذب ما يضاده.
مثل الخاطر الذي هاجم يعقوب عليه السلام حينما أضمروا أبناؤه ليوسف الشر كما تمثل في قولهم "مالك لاتأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون".
فلم يشأ أن يعلمهم بتخوفه على يوسف منهم فقال "إني ليحزنني أن تذهبوا به " ثم علل ضنه فقال "وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون " والله يعلم أنه يتخوف عدوانهم على يوسف أكثر من تخوفه من اعتداء الذئب !
يقول الواسطي عن هذه الحالة :هي شعاشع أنوار لمعت في القلوب ..تمكن معرفة السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب ؛ ويقول عنها الداراني هي مكاشفة النفس ومعاينة الغيب وهي من مقامات الأيمان ..وأعتقد أن القول الثاني أقرب للصحة ألم يقولوا "قلب المؤمن دليله"؟
ويعتبر البعض أن هذا الأمر يعد من الفراسة استناداً على قول الرسول عليه الصلاة والسلام "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" حديث حسن
ففي بعض الكتب القديمة يقال الصادق لا تخطئ فراسته.. قال أبن مسعود رضي الله عنه أفرس الناس ثلاث العزيز في يوسف حين قال لأمراته "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى "أستأجره" و امرأة فرعون حين قالت عن موسى "قرة عيني لي ولك ..عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "
أما عن سبب أن الصادق خصص بهذا النور فكما يقول صاحب كتاب فراسة المؤمن الأستاذ إبراهيم الحازمي لان الكاذب لديه عمى وضباب وعدم وتشويش بالرؤية على نفسه فكيف بغيره
مستدلاً بذلك على الآية الكريمة""أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن في الظلمات ليس بخارج منه "
ليس المقصود هنا الشك فيمن حولنا وتأويل ما لا يتأول من كلماتهم وصبغ نظراتهم بصبغة سوداء،متجاهلين قوله عز وجل "إن بعض الظن أثم " لكن أحيانا يصادف أن تلتقي بشخص يشبهك تماما وكأنه نسخة ثانية منك تنطقان نفس الكلمات بذات اللحظة ويعلم تفكيرك رغم أنك لا تعرفه.. يتجسس على قلبك بخفة وكأنه مراءه لروحك ..تشعر معه بعمق العلاقة من الدقائق الأولى لمعرفتك به فيصادق تخمينك ..! ألم يقول محمد عليه الصلاة والسلام "الأرواح جنود مجندة ما تشابه منها أءتلاف وما تنافر منها أختلف ""
ختاماً :
أسأل نفسك كم شخص تجسس على قلبك خلال حياتك الماضية ..ورأيت فيه صورتك الصادقة فيه !
