مرة أخرى يشعر المغتربون بالقلق بشأن وظائفهم وبشأن مآل أسعار العقارات، وأبناء البلد يصبون جام غضبهم على كبار المسؤولين، الذين بالغوا في الاقتراض لإقامة مشاريع غير مألوفة، ويشعر جميع المقيمين بالذهول حول الكيفية التي تحول بها نموذج شهير للنمو المندفع، من منارة للأمل بالنسبة لمنطقة بكاملها، إلى دراسة حالة في إدارة الأزمات.
أهلاً بكم في دبي، لقد أصبحت هذه المدينة الخليجية المرصعة بناطحات السحاب مكاناً مختلفاً منذ الأسبوع الماضي، عندما لم تبد حكومتها ولا حكومة أبو ظبي، شريكتها النفطية الغنية في الإمارات، الاستعداد لضمان الديون البالغة 59 مليار دولار (ما يعادل 36 مليار جنيه إسترليني، 39 مليار يورو) والتي تراكمت على شركة دبي العالمية، وهي شركة استثمارية رائدة، كان يفترض الكثير من المستثمرين أنها تحظى بدعم الدولة لها.
في المقاهي والديوانيات الملحقة بالفلل في دبي، يصب أبناء البلد جام غضبهم على كبار مساعدي الحاكم الذين رغم أنهم شيدوا مدينة عصرية، إلا أنهم أثقلوها بعبء مديونية قدرتها وكالة موديز بمبلغ 100 مليار دولار.
الضرر الذي تسببت به مديونية دبي يهدد بالتأثير على الإمارات ككل، بما في ذلك أبو ظبي العاصمة الثرية وأخواتها. غير أنه في حين أن لدى أبو ظبي التي تتربع على أكثر من 90 في المائة من الثروة النفطية للإمارات، الوسائل التي تمكنها من الخروج من الأزمة بأقل الأضرار في المدى الطويل، فإن نموذج دبي الذي فتن المراقبين، وأضجرهم بالقدر نفسه تقريباً طوال العقد الماضي، من المرجح أن يعاد تشكيله بصورة جذرية.
ولكن رغم كل الفزع الذي ساد في أوساط المستثمرين، جراء القرار الخاص بطلب تجميد سداد الديون المترتبة على شركة دبي العالمية، يحرص رجال الأعمال الأجانب والمحللون على عدم شطب دور دبي، باعتبارها مركز الخدمات الرئيسي في المنطقة. ورغم أن المدن القريبة من دبي بما فيها أبو ظبي نفسها والعاصمة القطرية الدوحة، حاولت اللحاق بدبي وترسيخ أنفسها كمراكز إقليمية، فإن دبي أصغر وأكثر تعقلاً ستكون لها ميزتان رئيسيتان: ثقافة أكثر تحرراً وبنية تحتية عالمية متطورة. إن منطقة التجارة الحرة في جبل علي وحدها تسهم بربع اقتصاد دبي.
ولكن لكي تتمكن دبي من حماية هذه المكانة، يقول المصرفيون والمحللون إنه سوف يترتب عليها أن تتعلم من أخطائها، وأن تنبذ الثقة الزائدة بالنفس التي اتسمت بها في الأعوام الأخيرة، والتي حولتها إلى ما يشبه شركة الأسهم الخاصة المثقلة بالديون، التي تغرق الأموال في مشاريع عقارية غريبة، وفي الموجودات ذات القيمة المشكوك فيها في الخارج. وهذا يقتضي تغيير الطريقة التي تدير بها دبي شؤونها المالية وتغيير عقليتها.
يقول إبراهيم دبدوب رئيس بنك الكويت الوطني، وهو بنك تجاري إقليمي: لا أعتقد أن أي مركز آخر في المنطقة يمكنه أن يحل محل نموذج دبي ــ فهي أولاً لديها الثقافة، أن تكون مركزاً مالياً ليس فقط أن يكون لديك قانون، إنه ثقافة. إنها لدى مسؤول الهجرة في المطار والحمال في الفندق، والطريقة التي تحصل بها على رخصة في غضون يومين وليس خلال أشهر.
غير أن المشكلة هي أن دبي بالغت في الاقتراض الذي لم يكن له علاقة بنموذج العمل .... لقد تحول اقتصاد الخدمات إلى صندوق استثماري.
بالنسبة للكثير من المقيمين فيها ــ 90 في المائة منهم من الأجانب ــ احتفظت دبي بمكانة فريدة. لقد خلطت هذه المدينة المفتوحة الأموال الروسية برأس المال الإيراني، وبين العمال الهنود والباكستانيين ذوي الأجور المتدنية، وبين الممولين العرب الأغنياء في مزيج من الجنسيات التي كان يفترض في كل جالية منها أن تعرف مكانها.
يحتل أبناء البلد المناصب العليا، أما الهنود الذين يعتبرون أكبر وأعمق مجموعة متجذرة من المغتربين، فيشكلون جزءاً من الطبقة العاملة وموظفي المكاتب، ومن الناحية التقليدية فإن البريطانيين يشكلون الطبقة الإدارية، واللبنانيون يشغلون المناصب التنفيذية في البنوك والشركات الإعلانية، والفلبينيون يشكلون العمال المحليين، ويساعدون أصحاب المحلات. وفي الأعوام الأخيرة، قدم إلى البلد كثير من الصينيين للاستفادة من الطريق التجاري المزدهر.
وفي العالم العربي بصورة خاصة، يعتبر الشباب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، زعيماً عصرياً يهتم بالأعمال أكثر من السياسة وأنه وضع منطقتهم على خريطة العالم لكل الأسباب الصحيحة. وُيعرف عن آل مكتوم الذين يحكمون دبي منذ عام 1833 إقدامهم على مراهنات عادت على البلد بالفائدة.
على سبيل المثال، بنى والد الحاكم الحالي ميناء جبل علي وبرج مركز التجارة العالمية، في وجه كثير من الشكوك من الشركات المحلية حول جدوى ذلك.
غير أن أهداف الإمارة لم تعد تقتصر على لعب دور باعتبارها مركزاً إقليمياً لمنطقة الشرق الأوسط – كانت تطمح لخدمة ملياري شخص انتشروا بعيداً في منطقة جنوب آسيا.
في عام 2004 قال الشيخ محمد إن ما حققته دبي في ذلك الوقت لا يمثل إلا 10 في المائة من رؤيته. وقبل ذلك بعام، كان واثقاً من خططه لدرجة أنه نصح المستثمرين، بأن يصبوا أموالهم في دبي بدلاً من إيداعها في البنوك»حيث سوف تتبخر كالمياه الراكدة». ومضى يقول إن دبي كانت تعطي عائداً استثمارياً بنسبة 18 في المائة.
أين يمكنكم أن تجدوا هذه النسبة في غير دبي؟ وأضاف يقول إنه لم يحدث أن أفلس أي شخص استثمر أمواله في دبي. امتد هذا الطموح إلى الأسواق العالمية، حيث سعت دبي إلى إيجاد مكان لنفسها من خلال الأدوات الاستثمارية، التي اشترت موجودات منها سلسلة محال بارنيز لبيع التجزئة في نيويورك، وحصة 10 في المائة في شركة إم جي إم MGM ميراج لتشغيل الكازينوهات.
وزيادة على ذلك، عاملت الحكومة العديد من الشركات التي تملكها ككيانات تجارية ــ وهي الحجة التي تقدم اليوم لحملة السندات بشأن شركة دبي العالمية. ولكن هذه المجموعات كانت تدار من قبل أشخاص مقربين للشيخ محمد، كانوا يتنافسون فيما بينهم ليظلوا محظيين عنده. وفي بضع سنوات ماضية، تمت مراهنات أكبر بكثير. وقد تبين الآن أن تلك المراهنات أكبر من أن يتم تدبرها.
يقول جورج مخول الرئيس الأسبق لبنك مورغان ستانلي في منطقة الشرق الأوسط: الخطأ لم يكن في النموذج وإنما في التنفيذ. لقد شيدت دبي بنية تحتية من الدرجة الأولى، ولكنها لم تعرف أين تتوقف. كما أنه لم تكن لديها الخبرة المناسبة (اللازمة) لبناء مركز تجاري، سواء من حيث الإدارة المستقلة أو مجالس الإدارات المستقلة، إنها لم تبن مؤسسات.
وحتى قبل أن تضرب الأزمة المالية العالمية ضربتها، أصبح واضحاً أن ماليات الإمارة بدأت تخرج عن السيطرة، نظراً لعدم وجود سلطة مركزية تتبع الديون المتزايدة المترتبة على الشركات ذات العلاقة بالدولة، ونظراً لقلة التنسيق حتى داخل مجموعة الشركات نفسها.
على سبيل المثال، سعت شركة دبي العالمية لإصدار سند إسلامي بقيمة 2.7 مليار دولار، في الوقت نفسه الذي كانت تجمع فيه شركتها التابعة دبي العالمية للموانئ قرضاً ضخماً.
شركة دبي العالمية في نهاية المطاف أغلقت الصفقة عند مبلغ خمسة مليارات دولار، وذلك بزيادة تفوق الفروقات السائدة على ديون شركات دبي، الأمر الذي اضطر سلطة الكهرباء والماء في دبي التي كانت تعتزم الاستدانة هي الأخرى، إلى صرف النظر عن خطتها الخاصة بإصدار السندات في الشهر التالي. ويقول أحد المستشارين الماليين: إن اليد اليسرى لم تكن تعرف ما الذي تفعله اليد اليمنى.
ولم يتم إخبار الشركات التابعة للدولة إلا في عام 2008 بأن عليها الحصول على موافقة قبل التوجه للاقتراض – غير أن هذا القرار استثنى شركتي دبي العالمية ودبي القابضة، وهي الشركة التي يملكها حاكم دبي، والتي تملك بدورها سلسلة فنادق الجميرة. ويقول حسن هيكل رئيس بنك EFG هيرميس الإقليمي الاستثماري، إن هاتين المجموعتين تشكلان ما نسبته 60 – 70 في المائة من ديون دبي.
ما من شك في أن دبي تلقت كثيرا من التشجيع أثناء طفرة الاقتراض التي مرت بها، ويشكو المصرفيون من أنهم أبرموا اتفاقيات القروض، على أساس أن هناك شبه ضمانة سيادية، حتى لو لم تكن هناك أي ضمانة من الناحية القانونية.
ويقول أحدهم: كان كل شيء يتم بإيماءة تدل على الموافقة وبغمزة، أي بوعد شفوي بأن حكومة دبي سوف تدعم الدين، ولكن مصرفيين آخرين يقولون إن اللوم يقع أيضاً على القطاع المالي.
إن العديد من شركات المحاماة والبنوك كان حريصاً على المشاركة في هذه الصفقات لإبقاء دبي إلى جانبها أثناء الطفرة. كانت السوق في صالح المشترين وكان الجميع على استعداد لإبرام الصفقات، على نحو لا يمكن أن يحدث الآن.
وزيادة على ذلك، كانت عملية التطوير المحمومة تدار بواسطة نظام يفتقر إلى الشفافية والمساءلة. ويعتبر تحقيق استغرق عاماً كاملاً في عملية تحايل، وكشف عن تفشي سوء الإدارة في القطاع العقاري، جزءا من صراع القوى بين محمد الشيباني رئيس ديوان الحاكم، وبين كبار مساعدي الشيخ ومنهم سلطان بن سليم رئيس شركة دبي العالمية، وأحد أصدقاء الحاكم المقربين، والذي يشترك معه في حب سباق التحمل للخيول.
لمع اسم بن سليم الذي يعتبر شعلة نشاط في الميناء، حيث شيد أكثر مراكز شحن الترانزيت كفاءة في المنطقة، قبل أن يتوسع إلى مجال العقار من خلال شركة نخيل للتطوير العقاري، وشرع في إنشاء محفظة استثمارية عالمية تشتمل على المنتجعات والموجودات العقارية، التي شيد جزء كبير منها بالدين وبأسعار عالية جداً.
لقد فقد كل من سليم ومحمد القرقاوي الذي يرأس شركة دبي القابضة، قدراً كبيراً من سلطتهما. وأما سلطة الشيباني الذي كان يشرف على مصالح دبي في سنغافورة ولندن، وكون سمعة بصفته لا يخشى أحداً ويحارب الفساد، فكانت وما زالت تتوسع باستمرار. يقول عبد الخالق عبدالله الأستاذ بجامعة الإمارات: الشيباني هو الشخصية البارزة الجديدة في البلد، غير أن عدداً كبيراً من الناس لم يحتكوا به ولا يستطيعون الوصول إليه، إنه شخص يعمل بشكل أفضل خلف الأبواب المغلقة.
وبالنسبة لإمارة بذلت هذا الجهد الكبير لتسويق نفسها، موظفة جيوشاً من تنفيذيي العلاقات العامة الشبان ومشيدة مشاريع ضخمة، مثل مجمع برج العرب الذي يشبه شكل الشراع، كان الأسبوع الماضي كارثياً على صعيد التواصل.
لحق ضرر شديد بمصداقية الإمارة، ولم يعد بمقدورها الاقتراض في الأجل القصير من البنوك ومن الأسواق الدولية. ولم يتكشف حتى الآن مدى المتاعب التي تعاني منها بشكل كامل، ويشعر المحللون بالقلق بشأن عافية الشركات المحلية، والبنوك المنكشفة على شركة دبي العالمية.
غير أن جزءا من الألم سيكون، كما يقول أحد المصرفيين، إنه يتعين على دبي أن تقلل طموحاتها وأن تتراجع عن نموذج عملها الأساسي: إن الأمر أشبه بشخص يصبح سميناً ويتعين عليه أن ينقص وزنه إلى 90 كغم، وهذا هو الجزء الصعب.
سوف تكون دبي أيضاً في حاجة للمساعدة من أبو ظبي. لقد اختبرت الأزمة الراهنة العلاقة بين الإماراتين، فقد سبق للبنك المركزي الذي يخضع لسلطة أبو ظبي، أن مد يد المساعدة في وقت سابق من هذا العام لدبي التي أثقل الركود كاهلها. إن طلب مزيد من المساعدة من أبو ظبي، حتى لو كان ذلك تحت مظلة المؤسسات الاتحادية، له ثمن غير معلن من حيث وضع قيود على استقلال دبي السياسي والاقتصادي.
ولكن الناس في الإمارات يقولون بعد المحادثات التي جرت في عطلة نهاية الأسبوع، إن من الواضح ظهور: إن دبي سوف تتواصل بشكل أفضل مع مقرضيها، بينما تدعم أبو ظبي الاقتصاد المحلي، وتقدم مزيدا من المساعدة للشركات ذات الجدوى في دبي. بيد أنها لن تتدخل لإنقاذ الشركات التي تعتبر أنها مفلسة من الناحية العملية.
ويقول الأستاذ عبدالله: على المستوى الاقتصادي والمالي، أثبت الاتحاد أنه يقف بجانب الجميع، وأن البنك المركزي يلعب دوراً رئيسياً، لكن المستوى السياسي يعتبر لعبة أخرى.
ويقول بعض المصرفيين إن إبقاء طموحات دبي تحت المراقبة، سوف يتطلب إشرافاً أكثر مباشرة من جانب أبو ظبي. ويضيف أحدهم: إذا تدخلت أبو ظبي وحاولت تولي مهمة التحجيم، فسوف ينجح هذا الأسلوب في النهاية.
غير أن آخرين يعتبرون إمكانية مزيد من الانخراط من جانب أبو ظبي، أمرا غير واقعي بسبب العلاقة الحساسة بين الإماراتين، اللتين توليان اهتماماً كبيراً لحكمهما الذاتي - وهو عامل يقول المراقبون المتمرسون إن المستثمرين أخفقوا في فهمه. وحسب تعبير أحد المحللين: إن هذه ليست علاقات فعالة، إنها مغلفة بالحساسيات السياسية والشخصية.


