الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026|23 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

طالما كان الاقتصاديون متحمسين لاستعارة المبادئ من العلوم المحضة. وفي القرن التاسع عشر، بدأ ليون والراس ووليم ستانلي جيفونز، عملهما وفي ذهنهما جلب رؤى الفيزياء إلى فضاء الاقتصاد. وكتب إيرفنغ فيشر، عالم الاقتصاد النيوكلاسيكي العظيم، الذي تمت إعادة اكتشاف أعماله التي أنجزها في ثلاثينيات القرن الماضي خلال هذه الأزمة، أطروحته للحصول على شهادة الدكتوراة، عند بداية القرن العشرين تحت إشراف عالم فيزياء.

تم إعطاء هذا الميل زخماً متجدداً في منتصف القرن العشرين من جانب بول صامويلسن، حين طبق مبادئ الحساب المشتقة من الديناميكيات الحرارية على الاقتصاد. وجعل تطوير الكمبيوترات القادرة على تحليل البيانات سريعاً، مسألة تطوير النماذج الاقتصادية المصممة جيداً بطريقة حسابية أمراً مرغوباً للغاية، الأمر الذي دفع باتجاه قبول المفاهيم، مثل نظرية الأسواق الفعالة الخاصة بالاقتصادي الأمريكي إيجوين فاما.

طالما كان معظم علماء الرياضيات المالية الذين استخدموا مثل تلك المفاهيم لتصميم النماذج المالية، يعرفون أن هذا المشروع يعاني من أخطاء خطيرة. على سبيل المثال، يعزى الفضل إلى إيمانويل ديرمان عالم الفيزياء الذي أصبح خبيراً مالياً والذي عمل سابقاً لدى بنك غولدمان ساكس، للعبه دوراً محورياً في تطوير النماذج ذات العلاقة بالمشتقات. ومع ذلك، وقبل عقد من الزمن، كان يحذر زبائن بنك غولدمان ساكس من حدود نماذج المشتقات – قارن علاقتها بالواقع بالعلاقة بين لعبة سيارة الطفل، والسيارة الفعلية.

أقل ما يمكن أن يقال هو أن ديرمان يبقى حذراً من فكرة أن نظرية الأسواق الفعالة، يمكنها أن توفر دليلاً «كاملاً» للتمويل. وكتب في الآونة الأخيرة قائلاً: لسوء الحظ، فإن نظريات القيم المطلقة لا تنجح جيداً في الاقتصاد. ومن الصعب للغاية، أو حتى من المستحيل التوقع بشكل شامل ماذا سوف يحدث.

وربما تعتقد أنك تعرف أنك في فقاعة، ولكنك رغم ذلك لا تستطيع أن تعرف ما إذا كانت الأمور سوف تتجه إلى الأعلى أو إلى الأسفل في اليوم التالي.

تم التعبير في الغالب عن مثل تلك الشكوك بصراحة تامة. وعلى النقيض من ذلك، فإن بعض علماء الرياضيات المالية، استمتعوا بحماس في السلطة التي منحتهم إياها معرفتهم النخبوية الواضحة. ويعلق أحد المصرفيين بقوله: إن الأسرار القذرة في المصرفية هي أن الكثير من المصرفيين طالما شعروا بانعدام الأمن قليلاً، لأنهم لم يكن لديهم فهم فعلي كيف كانت هذه الأمور تعمل ــ وبناءً عليه كان أولئك ممن فهموا الأمر في مركز قوي.

على أية حال، بعد أن كشفت الأزمة الآن عن أخطائهم، فإن نظرية الأسواق الفعالة، ومنهج التمويل برمته الذي يعتمد على النموذج، تواجه مسألة إعادة تفكير جذرية. وهناك دعوات متزايدة من جانب خبراء المال، وعلماء الرياضيات المالية، والاقتصاديين، تجادل بالقول إنه من الخطأ تطبيق افتراضات مبسطة تؤكد على النماذج الشبيهة بالفيزياء على البشر، حيث إنه – على النقيض من الذرات حسبما يقولون – بمقدورهم أن يتعلموا من بعضهم البعض، وتغيير الاستجابة إلى الأحداث. وعلى الأرجح ألا تحدث التغييرات بطريقة مرتبة ومنظمة.

يقول دونالد ماكينزي من جامعة أدنبره إن المشكلة الفعلية التي تعاني منها النماذج، هي أن المصرفيين يميلون إلى النظر إليها وكأنها «كاميرات» تلتقط صور العالم وهو يعمل، مثل الكاميرا التي يمكن أن تصور تجربة فيزيائية. وبدلاً من ذلك، حسبما يجادل بالقول، فإن عليهم أن ينظروا إليها وكأنها «محركات» – حيث إن وجود أي نموذج من شأنه أن يميل إلى تغيير ودفع سلوك السوق، بطريقة تجعل من المستحيل الافتراض أن بإمكان الماضي أن يتوقع المستقبل.

على الرغم من ذلك، لم يظهر نموذج فكري بديل ــ أو مصدر إلهام ــ يعطي بديلاً منطقياً بحق. ويجادل جورج سوروس مدير صندوق التحوط سابقاً بالقول، على سبيل المثال، إن على المشاركين في السوق أن يحتضنوا فكرة «الفعل الانعكاسي»، لإدراك أن الأسواق تتغير استجابة للمشاركين، والقبول بأن النماذج هي «محرك وليس كاميرا». وعلى أية حال، فإن تحويل نظرية الفعل الانعكاسي هذه إلى دليل استثماري او استراتيجية، ثبت أنه غاية في الصعوبة. بناءً عليه جاءت الخطوة للبحث في فروع العلوم الأخرى خارج نطاق الفيزياء ــ والأحياء تحديداً. وطور الأستاذ أندرو لو من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، نظرية الأسواق المتكيفة، ويحاول إدخال مبادئ التطور والنشوء ــ المنافسة، والتكيف، والاختيار الطبيعي ــ في نماذجه المالية.

يعتقد الأستاذ لو أن بعضاً من ملامح السلوك البشري ــ مثل كره الخسائر، والثقة الزائدة، والمبالغة في رد الفعل، والانحرافات السلوكية الأخرى ــ التي تم التقليل من شأنها من قبل النماذج الأبسط، هي في واقع الأمر عقلانية. وهذه النواحي من السلوك البشري، رغم أنها لا تشكل الإطار العام للاقتصاد البشري العقلاني، ربما تكون الاستراتيجيات الأفضل للسلوك الإنساني التي شحذتها ألوف الضغوط التطورية .

في واقع الأمر، فإنه يأخذ عملية التطور هذه على محمل الجد: إنه مغرم بالتوضيح لجمهوره بأن لديهم أدمغة «ثديات» و «زواحف» يمكن توظيفها في أوقات مختلفة. ويعتقد الأستاذ لو أن الأسعار لا تعكس المعلومات في السوق فحسب، وإنما كذلك الانحرافات البشرية المتجذرة والمتطورة ببطأ.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية