جدة تغرق.. كان عنوان العدد الأكبر من وسائل الإعلام المختلفة التي نقلت أخبار جدة بعد عملية هطول الأمطار عليها، لقد كان ذلك العنوان المنشور ربما لا يعبر لقارئه سوى عن مضمون يحمل إثارة إعلامية لا تتعدى جذب انتباه القارئ من أجل تحريك الركود الذي غالبا ما تمر به وسائل الإعلام في أيام الأعياد، حيث ينشغل الناس عادة بالارتباطات والعلاقات الاجتماعية المختلفة، لقد كان الهاجس الغالب هو أن الأمر فيه كثير من المبالغة باعتبار أن جدة لا تتعرض لأمطار سوى لفترات قصيرة جدا ومحدودة خلال العام ولكن بعد ساعات بدأت الفضائيات تتناول هذا الموضوع، وبدأت الصور تنشر عبر تلك المحطات, سواء محطات محلية أو عربية لم يكن أحد ليصدق أن تلك الصور التي تعرض هي صور لمدينة جدة!!
لم يكن أحد ليصدق أن جدة فعلا تغرق!! وهي تمر فعليا بكارثة حقيقية وتعد مدينة منكوبة!
ما كمية الأمطار التي هطلت على جدة؟ هل هي شيء يدخل تلك المدينة ضمن صور تلك الكارثة!!
أسئلة كثيرة حولت هاجس الإثارة الإعلامية إلى سراب وليته بعد الحقيقة كان هو الحقيقة.. صور الأطفال وهم يركضون في الأحياء يبحثون عن مخرج وسط ارتفاعات المياه التي تحيط بهم وصورة الأموات والضحايا التي غطى وجوهها الطين الذي لم يجد سبيلا ليتنفس سوى أن يطمس أنفاس وجوه أولئك الأبرياء، عندها فقط كان العنوان أقل بكثير من المحنة التي تمر بها جدة!!
وبعد هذا كله وبعدما رحل عديد من الضحايا الجميع أصبح ينظر إلى بعضه بعضا.. ترى من المسؤول؟
الجميع يلتفت إلى بعضه البعض وحرقة موت أحد الأبناء أو الأقارب أو الأهل تزيد من الرغبة في البحث عن الأسباب وتزيد من الإصرار على محاسبة المتسببين فيما حدث وما كان الجميع يتوقع أنه يوما سيحدث في مدينة جدة وهي المدينة الاقتصادية الثانية في المملكة وبوابة المسلمين ومدخلهم للمقدسات؟
لا أبالغ حين أقول إنه شيء لم يكن ليتخيله الإنسان فهناك مبالغ هائلة تصرف من أجل مدينة جدة من قبل حكومتنا الرشيدة وهذا ما يثير عديدا من التساؤلات ولكن جاء خطاب خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – ليضع البلسم على الجرح ويخفف من المأساة عندما أقر – حفظه الله - ترسيخ مبدأ المحاسبة من منطلق شرعي وقانوني وطرح ما يطفئ حرقة النفوس بالرغبة الكبيرة في محاسبة المسؤول، أما الأمر الآخر الذي يعبر عن مدى إنسانيته – رعاه الله - هو تقديم تعويضات فورية مختلفة للمتضررين من مياه السيول إضافة إلى صرف مليون ريال لذوي كل من غرق وليس غريبا أن يصدر من ملك العدل والإنسانية مثل تلك المبادرات.
