السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تصويت السويسريين على المآذن لا يفيد أحداً سوى المتطرفين.

كان هناك زمن تتمتع فيه سويسرا بسمعة أنها ملاذ الديمقراطية والتسامح في أوروبا التي كانت، بخلاف سويسرا، تعيش في ظلام فكري. لكن هذا تغير الآن. هذه الصورة الجميلة تحولت الآن إلى حطام من خلال التصويت على إقرار حظر دستوري على المآذن.

الطابع القبيح للجانب الغوغائي في الحملة التي تمت برعاية حزب الشعب السويسري (وهو حزب يميني) والاتحاد الديمقراطي الفيدرالي، كان واضحاً منذ البداية. ذلك أن نسبة السكان المسلمين في سويسرا لا تتجاوز 5 في المائة، معظمهم من كوسوفو المعروفة بالاعتدال الديني. عدد المآذن الموجودة في ملصق قبيح وزعته الحملة (وهو ملصق تفوح منه الرائحة الكريهة للثلاثينيات) يفوق عدد المآذن في سويسرا نفسها (وهو أربع مآذن).

مع ذلك، المبادرة التي أشارت استطلاعات الرأي العام إلى أنها ستتعرض للهزيمة بسهولة، مست وتراً حساساً لدى السويسريين. إذ صوت 57 في المائة منهم بالإيجاب، لكن مدينتي بازل وجنيف واثنين من الكانتونات الناطقة بالفرنسية رفضت المبادرة. الأمر الآخر المقلق (شأنه شأن الغالبية الواضحة التي صوتت لصالح قرار الحظر) هو العدد الكبير من الناخبين الذين حضروا للإدلاء بأصواتهم. حين تبلغ نسبة الناخبين الذين جاؤوا إلى مراكز الاقتراع 53 في المائة، فإن هذا يعني أن التصويت لم يكن مجرد فئة مسعورة على الهامش السياسي أوقعت في قبضتها مجموعة من الناخبين «المسطولين».

البعض عارض قرار الحظر على أساس أن العلاقات الخارجية السويسرية ومصالحها التجارية مع البلدان المسلمة ستصاب بالضرر، مثلما حدث مع الدانمارك بعد أن نشرت إحدى الصحف الدانماركية صوراً تسيء إلى النبي محمد (عليه الصلاة والسلام). لكن هذه ليست الحجة الصحيحة.

لو أن الحظر على المآذن كان مبرراً بأية طريقة لما كان يجدر بالسويسريين أن يتراجعوا خوفاً من ردود الفعل، على خلاف جهودهم المثيرة للشفقة في استرضاء الزعيم الليبي معمر القذافي، حين اعتُقِل ابنه في جنيف بتهم تتعلق بالعنف.

الحجة السليمة، في المقابل، هي أن الحظر مسيء للآخرين وله آثار عكسية. رغم أن المآذن ليست واجبة شرعاً من الناحية الدينية في الإسلام، إلا أن الحظر عبارة عن صفعة لا لزوم.

لكن ما هو أسوأ، أنه في الوقت الذي يخلط فيه الديماغوجيون الذين يثيرون مشاعر الناس في حزب الشعب السويسري بصورة متعمدة بين المآذن والمخاوف المشروعة ـ مثل الجهود الرامية إلى جعل الشريعة الإسلامية من مصادر التشريع في البلدان الغربية ـ فإن الحظر بحد ذاته لا يفعل شيئاً يذكر للتصدي للتهديدات الناشئة من الأطياف غير الليبرالية في الإسلام، والموجهة ضد التقاليد الإنسانية في أوروبا والعالم الإسلامي.

حين ندمج الهندسة المعمارية التي لا ضرر منها مع المشاكل الحقيقية، فإن التصويت السويسري يجعل من الصعب العثور على حلول ذكية. مع ذلك، من الأمور الملحة بالنسبة للأوروبيين، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، التوصل إلى حلول ذكية. للأسف بعض البلدان الأخرى ربما تصوت بالطريقة نفسها إذا كانت لديها استفتاءات مماثلة. سويسرا، التي لم تعد الآن أنموذجاً يحتذى به، ينبغي أن تكون علامة تحذير للآخرين.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية