بعد يوم من العمل تحت أشعة الشمس الحارقة في قمائن الطوب تجلس دارشيلا ماجي بجوار موقد الطهي في كوخها لإعداد وجبة هزيلة تكاد تسد رمق عائلتها وتكفيها للحياة حتى اليوم التالي.
وتعيش ماجي في ولاية بيهار الشرقية وهي واحدة من 10 ولايات هندية شهدت أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من ثلاثة عقود بسبب تراجع الأمطار الموسمية حيث جاء انخفض سقوط الأمطار في أنحاء البلاد عن المستويات العادية بنسبة 23% .
ومن الأمثلة الواضحة على الأحوال الغريبة للأمطار في الهند هذا العام أنه بينما تأثرت 26 من مقاطعات الولاية الأربعين جراء الجفاف فقد غمرت مياه الفيضانات عشر مقاطعات مما فاقم مأساة القرويين.
وتراجع سقوط الأمطار في المنطقة الشمالية الشرقية للهند التي تمثل أكثر المناطق التي تشهد سقوط أمطار في حين شهدت الولايات المعرضة للجفاف ، مثل ولاية جوجارات الغربية فيضانات. وتسبب هطول الأمطار في نهاية الموسم في فيضانات اجتاحت أجزاء كبيرة من مناطق جنوب ولاية أندرا براديش وكارناتاكا.
وفي ظل انخفاض محصول الأرز وعدم وجود مصدر عمل ، يضطر المزارعون مثل ماجي للعمل كأجراء براتب يومي في روتوبيجا وهي قرية تتوسط منطقة جيهان أباد.
ولجأ المزارعون لبيع حليب ماشيتهم للبقاء على قيد الحياة. ويمكن لماجي وزوجها وابنها في سن المراهقة أن يكسبوا حوالي 85 روبية (1.80 دولار) في اليوم مقابل تصنيع 300 طوبة.
وتقول ماجي "إننا لا نستطيع تحمل شراء الخضروات وعندما نحصل على عمل عدة مرات في الشهر نقوم بشراء الأرز. لكننا في معظم الأيام نأكل خبز الروتيس الهندي (غير المتساوي) مع الملح ".
وفي هذه الولاية المقفرة توجد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية غير المستغلة.
وقال مزارع يدعى سامبوران ياداف إن "الأرض لا طائل منها الآن. نحن نبيع الحليب ونطعم مواشينا المحاصيل الجافة. وتواترت تقارير عن حدوث وفيات في أماكن أخرى من الولاية بسبب الجوع لكن لم يتم تأكيد ذلك رسميا.
وتمتد المشكلة إلى ولايات هندية أخرى حيث تجبر حالة الإحباط السكان المحليين وعائلاتهم إلى الهجرة بحثا عن عمل. ويعاني عشرات الأطفال من سوء التغذية والمخاطر الصحية ويجري تهريبهم خارج قراهم للعمل في وظائف منخفضة الأجر.
ويقول مسئولون إن التغيرات في ظروف المناخ قد بدأت تؤثر على موسم الأمطار الموسمية، وهو ما يسبب مشقة في بلد يعتمد على مياه الأمطار لأغراض الزراعة ، والطاقة ، وحتى المياه الصالحة للشرب. وتعتمد الزارعة في الهند اعتمادا كبيرا على الأمطار الموسمية في الفترة بين يونيو سبتمبر، والتي تمثل ما يصل إلى 80% من الأمطار السنوية.
ووفقا لتقرير الأمم المتحدة لحالة سكان العالم لهذا العام 2009 فإن الجفاف الناتج عن تغير المناخ يهدد حاليا معيشة المزارعين الذين لديهم أراضي هامشية أو صغيرة ويشكل هؤلاء ما نسبته42% من سكان البلاد البالغ عددهم مليار نسمة.
وأشارت وثيقة للحكومة الهندية لخطط إدارة الجفاف إن "تواتر وشدة الظواهر الجوية القاسية مثل الجفاف والفيضانات والفيضانات في المناطق التي تشهد جفافا متكررا والجفاف في المناطق المتضررة من الفيضانات قد ازدادت خلال العقدين الماضيين بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري".
وقال الخبير في تغير المناخ تشادرا بوشان من مركز العلوم والبيئة في نيودلهي إن البيانات الوطنية ربما لم تعبر عن الاتجاه العام لكن هناك علامة تنوع ملحوظ في سقوط الأمطار على مستوى الولاية. ويمكن أن يهدد النضوب السريع للمياه الجوفية التي تمثل المصدر الرئيسي للموارد المائية التنمية الاقتصادية المستدامة في الهند.
وأوضح بوشاه "هناك مشكلة رئيسية تتمثل في انخفاض عدد الأيام الممطرة وفي ظل ارتفاع كثافة هطول الأمطار فإن المياه الجوفية لا يتم تعويض ما فقدته وتذهب مياه الأمطار إلى الأنهار. وهذا سيكون له تأثير هائل على ممارساتنا الزراعية التي تعتمد على الهطول المستمر لمياه الأمطار لمدة ثلاثة أشهر على الأقل".
وفي الوقت نفسه ، فقد شهدت شوراع نيودلهي احتجاجات بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي طالت أيضا البرلمان الهندي.
ووفقا لأر كيه باتشوري رئيس لجنة الأمم المتحدة الحكومية لتغير المناخ فإن شبه القارة الهندية ستكون من بين المناطق الأكثر تضررا من ظاهرة الاحتباس الحراري والتي ستؤدي إلى انخفاض سقوط الأمطار وبالتالي ندرة في الغذاء وتعريض الملايين للجوع.
وستنحسر الكتل الجليدية في جبال الهيمالايا التي تغذي الأنهار الرئيسية في المنطقة بمعدل ينذر بالخطر مما سيؤدي إلى ندرة المياه التي ستؤثر بشكل خطير على سكان الهند وباكستان وبنجلاديش ونيبال.
ويقول خبراء ان الهند تحتاج لإدارة جيدة للمياه مع التركيز على إدارة أماكن تجمع المياه وتخزينها وإعادة ملئها وتوزيعها بشكل سليم وكذلك تجميع المياه. وأشار بوشان إن "التغير في الأمطار الموسمية سيؤدي إلى تفاقم الوضع الخطير للمياه. وهناك حاجة لإدارة المياه بشكل أفضل لضمان عدم تفاقم الأزمة ومزيد من المعاناة والإضطراب الاجتماعي".
