الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

على الرغم من الترحاب الذي تقابل به برامج الدراسات العليا والتدريبية في المصرفية الإسلامية في الغرب إلا أن هناك بعض السلبيات التي يلفت الخبراء النظر إليها. بيد أنهم يجمعون على أن الملاحظات التي يبدونها بخصوص تلك البرامج لا تقلل من تقديرهم لتلك المبادرات التي يرونها خطوة مهمة في مستقبل تلك الصناعة.

من جانبه يرى لاحم الناصر – الخبير في المصرفية الإسلامية - أن مستوى الأكاديميين الغربيين يكون في بعض الأحيان دون المستوى, كما لا يوجد منهج أكاديمي ولا يعدو الأمر كونه اجتهادات شخصية من خلال سعي الدارسين لمعرفة مزيد عن المصرفية الإسلامية من خلال خبراء تلك الصناعة في مواطنهم الأصلية. ومن خلال تجربته مع الطلاب العرب الدارسين في تلك البرامج يرصد عدم وجود إدراك كافٍ للمشرفين على المصرفية الإسلامية وأساسياتها فضلاً عن الأمور المعقدة فيها. ويكتفي هؤلاء بالإشراف فقط ودائماً ما يخبرون الطلاب بأنهم يتولون الإشراف وفي الوقت نفسه يتعلمون جنباً إلى جنب مع الطلاب ـ بحسب تعبير الناصر.

ويخلص إلى أن مفردات التعليم في أغلبية الأحوال صحيحة إلا أن من يؤدونها سيئون. وبالنسبة لكون تلك البرامج تهدف للربح فحسب دون الاهتمام بمستوى المادة العلمية التي تقدمها يقول لاحم الناصر إنه لا يوجد دليل يثبت تكسب هذه الجامعات وأنها تركز على الكسب المادي فحسب. ولا يتأتى الحكم عليها بطريقة سليمة إلا بالاطلاع على هذه البرامج وماهيتها قبل أن يصدر حكم عليها. ويجب أن تتم دراسة مفردات البرنامج التعليمي ومعرفة من الذي وضعه والمادة المقدمة والأشخاص الذين يقدمونها.

#2#

الجامعات الإسلامية أحق

ويتفق معه الدكتور محمود لاشين – أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر - الذي يؤكد أن الحكم على الدرجات العلمية الغربية الممنوحة في المصرفية الإسلامية وتقويمها أمر يحتاج إلى جهد لا يستهان به. ويكون هذا بدراسة تلك البرامج من الناحية الأكاديمية، ومن حيث فاعليتها وتأثيرها في الواقع العملي. ويقول – في حديثه لـ (المصرفية الإسلامية) - إن الغرب متقدم بلا شك في مجالات عديدة ولكن إذا أُفرغ هذا على النواحي الشرعية فإن الأمر يختلف؛ لأن هناك قصورا معرفيا في هذا الصدد. وبالنسبة لمجال المصرفية الإسلامية فإن الصورة تزداد صعوبة, فهو مجال يحتاج إلى معرفة عميقة بالأحكام الفقهية للمعاملات وبالمبادئ المصرفية. وليس أدل على ذلك من أن هناك عديدا من الأساتذة في الدول الإسلامية ممن لا يعرفون الكثير عن تلك الصناعة الواعدة, ويلاحظ هذا بصفة خاصة بين الأساتذة الذين درسوا في الدول الغربية. وتكون الاستفادة أكبر بالنسبة للدارس في مجالات مثل التحليل المالي والتخطيط وغيرها ولكن لا يمكن كلية الاعتماد على برامج الجامعات الغربية في دراسة وتطبيق الشريعة الإسلامية في القطاع المالي. ويلفت إلى أنه يفضل أن تنعكس الصورة ويدرس الغرب ذلك العلم المهم في الجامعات الإسلامية ولكن ليست كل تلك الجامعات مؤهلة للقيام بهذا الدور. وعلى الرغم من أن هناك اختلافات في توجه كل دولة في تطبيق الشريعة على القطاع المصرفي إلا أن هذا الاختلاف لا يضر طالما توجد مرجعية معتمدة مثل تبني دولة ما لمذهب من المذاهب الفقهية دون غيره، وهو اختلاف صحي من وجهة نظر الدكتور لاشين.

زحف عربي - إفريقي على البرامج الأوروبية

ومن هذه النقطة تلتقط (مالدا السرايجي) - مدير تنفيذي بمكتب سدرة للاستشارات الاقتصادية بدمشق - طرف الحديث وتشير إلى أن عدم اعتناق دول غربية نظام التمويل الإسلامي ينبع عن عدم وجود كوادر مؤهلة كافية للقيام بتوجيه الدولة في المرحلة الانتقالية وما بعدها. فيبقى السؤال حياً: من المسؤول عن تأهيل كوادر متخصصة في التمويل الإسلامي، هل هوالغرب أم الدول الإسلامية؟

وتشير في حديثها لـ "المصرفية الإسلامية" إلى أنه من المحزن أن يكون الاهتمام بالتعليم العالي في مجال المصرفية الإسلامية في الغرب قد بلغ مداه, في حين نجد حال هذه الدراسات في غالبية الدول العربية يرثى له. وعلى سبيل المثال تقدم الجامعات السورية باستحياء مادة واحدة في مناهج إدارة الأعمال قسم التمويل, وهذا الاختصاص لا يوجد في الدراسات العليا إلا في جامعة شرعية واحدة بدأت فيه منذ بضعة أشهر. فمن المرجح للمواطن السوري الذي يريد أن يتخصص في هذا المجال الذهاب للدول الغربية.

وقد رصدت صحيفة "الاقتصادية" أن بعض المؤسسات المالية الإفريقية – خاصة في نيجيريا والسودان تقوم بإرسال موظفيها للالتحاق بمثل هذه البرامج في بريطانيا.

ويعود (لاحم الناصر) للإشارة إلى أن بعض الجامعات الأوروبية غير مؤهلة لتقديم تلك البرامج, وذلك لعدم وجود خلفية كافية عن المصرفية الإسلامية نظراً لعدم وجود مناهج ثابتة وبرامج محددة سبق تدريسها, فالأمر قائم على الاجتهادت الشخصية في المقام الأول. وكي تنال تلك البرامج الثقة يجب أن يشرف عليها عدد من المؤهلين في تلك الصناعة علمياً ومعرفياً, إضافة إلى امتلاكهم خبرات عملية في هذا القطاع.

مصداقية مزعزعة في طريقها للتحسن

عن قرب تقول السرايجي عن وضع برامج المصرفية الإسلامية في الولايات المتحدة, حيث درست وعملت فيها لمدة 13 عاما بعد حصولها على ماجستير في الاقتصاد من جامعة جورج ميسون. وتوضح أنه يمكن تقسيم تطور هذه البرامج في الولايات المتحدة إلى ثلاث مراحل: الأولى ما قبل أحداث سبتمبر 2001، والثانية ما بعد أحداث سبتمبر وقبل ظهور ملامح الأزمة المالية، أما الأخيرة فهي ما بعد الأزمة المالية؛ ففي المرحلة الأولى كانت هذه البرامج تتمتع بمصداقية عالية حيث كانت الكوادر التدريسية تتكون من المزيج المثالي من الفقهاء والمشرعين من الدول الإسلامية الذين يقدمون الوجهة الشرعية لهذا الاختصاص, إلى جانب الاختصاصيين الماليين الأمريكان الذين يقدمون الوجهة الواقعية للصناعة المصرفية في الغرب وأوجه اختلافها مع الصيرفة الإسلامية.

أما في المرحلة الثانية فقد اقتضت "الحرب على الإرهاب" ترحيل معظم الفقهاء العرب, حيث اقتصر الكادر التدريسي لهذه البرامج على الاختصاصيين الأمريكان المسلمين وتلاشت الوجهة الشرعية لهذه البرامج.

وبالنسبة للمرحلة الأخيرة بعد أن ثبت أن أثر الأزمة المالية كان أخف على البنوك الإسلامية تغيرت وجهة نظر الغرب في مصداقية التمويل الإسلامي وقدرته على اجتياز الأزمات الاقتصادية, حيث صرحت المملكة المتحدة برغبتها في اعتناق الصيرفة الإسلامية كنظام مالي للدولة, وسهلت الولايات المتحدة دخول المشرعين من البلدان العربية فضلاً عن مبادرات لدول أخرى. ولكن إعادة تقويم هذه البرامج ليس بالسهل, فما زالت مصداقيتها مزعزعة لكنها في تحسن مستمر.

هجين المقررات ينسف البرامج

ومن الملاحظات المهمة على أداء برامج التعليم العالي الخاص بالمصرفية الإسلامية في الدول الغربية إضافة تخصصات أخرى ودمجها مع المالية الإسلامية, وهو ما ينتج عنه "هجين" مواد دراسية على حد وصف الخبراء. ففي بريطانيا يلاحظ أن الجامعات والمعاهد تركز على برامج إدارة الأعمال والمصرفية الاستثمارية على حساب المالية الإسلامية.

ويبدو هذا جلياً في حالة فرنسا, التي تهتم البرامج الخاصة بالتمويل الإسلامي فيها بالناحية القانونية, حيث يحرص المحامون على الالتحاق بتلك البرامج للتوفيق بين مبادئ الاقتصاد الغربي وبين الأحكام الشرعية. ويرجع هذا إلى أن شركات المحاماة كانت الأسبق في فرنسا لإدراك أهمية تلك الصناعة الوافدة. ونتيجة لذلك تم إنشاء أول برنامج ماجستير في المصرفية الإسلامية في جامعة باريس دوفين وتلاه برنامج مماثل في جامعة ستراسبورج. وبلغ عد الطلاب الملتحقين 35 طالباً يحضرون 300 ساعة معظمها أثناء عطلة نهاية الأسبوع, ومن بين هؤلاء 30 محامياً.

وفي تقرير لصحيفة لاكروا الفرنسية أكد أحد الدارسين من المحامين - وهو متخصص في عمليات الاندماج والاستحواذ - أنه قرر اختيار هذا البرنامج كي يتمكن من مواكبة الطفرة التي تشهدها أوروبا في مجال المالية الإسلامية. ويركز البرنامج الذي تقدمه جامعة باريس دوفين على الجوانب المالية فيما تركز جامعة ستراسبورج على الجانب القانوني.

ويشدد الدكتور لاشين على أن برامج التعليم العالي في المصرفية الإسلامية يجب أن تكون مناهجها مركزة لتناول مختلف الجوانب المتعلقة بهذا المجال. ويضيف أنه يجب ألا تفرغ تلك البرامج من مضمونها المفترض وهو التمكن في المصرفية الإسلامية والإلمام بسبل توظيف تلك الصناعة في الاقتصاد العالمي .

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية