رأى عدد كبير من المعلقين أن جذور الأزمة المالية أخلاقية. وبناءً على ذلك دعوا إلى إحياء الفضائل على صعيد الأسواق المالية. وبينما يمكن أن يؤدي السلوك الفاضل إلى نتائج أفضل، إلا أن الانتباه إلى القضايا الأخلاقية وحدها لن يحل المشاكل التي سببت الانهيار.
البابا يوحنا بولوس الثاني ـ غير المعروف بآرائه حول اقتصاد السوق ـ كتب في إحدى المناسبات أن من المهم للمصلحة الذاتية، ولمصالح المجتمع ككل، أن يتم جمعها ضمن انسجام مفيد ومثمر. وفي المملكة المتحدة عبّر فرانك فيلد، عضو البرلمان ذو العقلية المستقلة المنتمي إلى حزب العمال، عن وجهات نظر مشابهة في إطار دولة الرفاه. والدروس المستقاة من هاتين الشخصيتين ذات صلة قوية بواقع الأمور. ولدى الحكومات والجهات التنظيمية حوافز مشوهة، ونتيجة لذلك لم تكن المصلحة الذاتية للمصرفيين في حالة من الانسجام مع مصالح المجتمع، الأمر الذي جعل الكارثة تحل بعد ذلك.
يمكن القول إن جميع حالات «الانهيار» في الأسواق المالية تقريبا تسبقها «طفرات» نقدية ولم تكن الأزمة الحالية استثناء. وحين تبقي البنوك المركزية على أسعار فائدة متدنية، فإن فروق أسعار الفائدة على الائتمان تتعرض لضغط وهبوط، بينما تنتعش النشاطات الاقتصادية، وأسعار الموجودات، وتظهر المخاطر السيئة وكأنها جيدة. وسواء كانت لديك بوصلة أخلاق، أو لا، فإنه يصبح من الصعب للغاية التمييز بين المخاطر الجيدة والسيئة.
كذلك حين تشير الحكومة إلى وجود بعض البنوك التي هي أكبر من أن تفشل، كما حدث عبر سنوات كثيرة في الولايات المتحدة، فإن البنوك تزداد حجما. ويكون لدى الأفراد في هذه البنوك حافز للإقدام على المخاطر، بينما يفقد مزودو التمويل ـ ولا سيما الديون ـ الحافز للمراقبة والحرص. وعلى الحكومات أن ترسي مستقبلا سياسة ذات صدقية تقوم على عدم إنقاذ المؤسسات الفاشلة.
إلى ذلك، شجعت أنظمة الضرائب وجهات التنظيم وبقوة الهندسة المالية التي جعلت البنوك معقدة للغاية. ويتم فرض الضرائب على الأسهم في كل البلدان المتقدمة تقريباً بصورة أقرب إلى أن تكون جزائية، مقارنة بتمويل الديون. ويمكن تخفيض متطلبات توفير رأس المال من خلال عمليات خارج نطاق الميزانية العمومية. وإذا كانت هذه الأشياء بهذه الدرجة من السُميّة العالية، فلماذا يتم تشجيعها؟ وبصورة أخص، لاحظ كثير من الممارسين كيف جعلت الصفحات الـ 6500 من القواعد التي تتحرك من خلالها سلطة الخدمات المالية، وضع الإشارات على الدوائر والمستطيلات أهم من الحكم على واقع الأمور.
ربما يجادل البعض بالقول إذا كان لدى الناس شعور أخلاقي أفضل، لكان من الممكن توفير استجابة أفضل من جانب البنوك لهذه المشاكل، لكن هذه النظرية تفتقر إلى أسانيد. فقد وفرت الحكومات والسلطات المالية حوافز للبنوك كي تتصرف بعيداً عن الشعور بالمسؤولية وليس من الغريب أن يتم تقويض السلوك الحكيم. لكن الأمر الأدهى من ذلك هو أن ما يعتبر سلوكاً أخلاقياً، أو غير ذلك، لا يمكن الحكم عليه بسهولة حين تقوم الحكومات بتشويه الأسواق. فإذا كانت فروق الفائدة على الائتمان مضغوطة، هل يعتبر إقراض الأموال إلى مقترض هامشي ممارسة غير أخلاقية؟ أو هل حرمان جهة ما من الحصول على قروض يمنعها من إنشاء نشاط تجاري؟ إذا كان بإمكاني تحقيق بعض الملايين من الأرباح من عملية توريق، فهل تحقيق ذلك يعتبر احتيالا لإيجاد منتج مالي يولّد رسوما للبنك؟ أو هل يقلص فروق الفائدة على الرهون العقارية بالنسبة إلى الفقراء من مالكي المنازل؟ إننا ببساطة لا نعرف الإجابة.
إن الاستجابة المالية لإشارات الأسعار تحرك توليد الثروات في الأسواق المالية. وربما يشجع السلوك الأخلاقي إيجاد أسواق مستقرة وفعّالة ـ ويحدث ذلك بالفعل ـ لكن المشكلة هي أنه ما إن تتدخل الحكومات بالدرجة التي تدخلت بها فعلا، حتى نصبح غير قادرين على معرفة ما السلوك الذي يؤدي إلى توليد الثروة، وما السلوك الذي يعمل على تغذية الطفرة. وربما تساعد بوصلة أخلاقية المرء على الخوض في تلك البيئة، لكن ذلك لن يفيد كثيراً.
وبينما يمكن للبعض أن يجادلوا بأن هناك حاجة إلى العودة إلى الأخلاق لإنقاذ اقتصاد السوق، يمكن في الوقت ذاته الجدال بأن اقتصاداً حراً غير مكبّل بالأغلال يعمل على تشجيع الفضيلة. وتتضمن الفترة الزمنية الفاصلة بين أواخر العهد الفيكتوري وسبعينيات القرن الماضي، العديد من الأمثلة في هذا الخصوص. فقد كانت بورصات الأسهم تنظم نفسها بنفسها، استناداً إلى الثقة، والقواعد المبسطة، حتى حلت قاعدة قوية من التنظيمات والقوانين عام 1986. واعتادت شركات التأمين على الحياة على أن تتنافس حول مدى سلوكها المحافظ، حتى جاء التنظيم وقانون حماية حاملي بوالص التأمين ليغيرا تركيزها. وقبل مجيء التنظيم المالي والضمانات الحكومية كانت التوجهات ذات الطبيعة المحافظة ذات قيمة تجارية، حتى بين البنوك.
إن الدعوة إلى مزيد من الممارسات الأخلاقية أمر حسن وجيد على العموم، لكن أثر ذلك سيكون محدوداً ما لم تنسجم المصلحة الذاتية في الأسواق المالية مع مصالح المجتمع. وعادة ما تضمن الأسواق الحرة ذلك. أما ثقافة الشركات السائدة لدينا في الوقت الراهن التي تدعمها الضمانات الحكومية والتنظيم البيروقراطي من جانب الدولة، ففيها جوانب النقص ذاتها التي لاحظها فيلد في دولة تحقيق الرفاه. وبالتالي النتيجة مشابهة.
الكاتب مدير تحرير في معهد الشؤون الاقتصادية.

