الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يمكنك أن تصبح غنياً من خلال تكوين الثروة، أو الاستيلاء على الثروة التي كونها الآخرون. وحين يكون الاستيلاء على ثروات الآخرين غير قانوني، فإنه يسمى بسرقة. وحين يكون قانونياً يسميه الاقتصاديون السعي إلى تحقيق مصالح خاصة.

والسعي إلى تحقيق مصالح خاصة يتخذ عدة أشكال. فعلى أقدم الطرق السريعة في أوروبا، على امتداد نهر الراين، توجد قلاع على نتوءات صخرية يعود تاريخها إلى ذلك الزمن الذي كان فيه أفراد العصابات من ذوي الألقاب الأرستقراطية يفرضون رسوم مرور على من يسلكون ذلك الطريق. وغالبا ما تتركز الحياة السياسية وحياة الشركات في الدول الفقيرة على السعي إلى تحقيق المصالح الخاصة، بدلاً من تكوين الثروات. ويفسر ذلك لماذا توجد بلدان غنية وأخرى فقيرة.

يحرك السعي إلى تحقيق المصالح الخاصة لعنة الموارد المتناقضة. وغالباً ما يؤدي النفط والثروة المعدنية إلى تدني مستوى المعيشة، لأنهما يبعدان الجهود والمواهب عن تكوين الثروة ويوجهانها صوب السعي إلى تحقيق المصالح الخاصة. ومن المحزن أن للمساعدات الأجنبية في الغالب أثراً مشابهاً.

يمكن أن السعي إلى تحقيق المصالح الخاصة من خلال العمولات التي يتم تقاضيها مقابل العقود الحكومية، أو الاستيلاء على موجودات الدولة بواسطة قلة محيطة بالسلطة وأقارب السياسيين.

لكن في الاقتصادات الأكثر تقدماً يتخذ تحقيق المصالح الخاصة أشكالاً أكثر تعقيداً. فبدلاً من تقاضي عمولة بنسبة 10 في المائة على مبيعات الأسلحة لدينا نسبة 7 في المائة على الإصدارات الجديدة. وغالباً ما يتم تحقيق مثل هذه المكاسب بصورة غير مباشرة من المستهلكين، بدلاً من أخذها مباشرة من الحكومة، كما يحدث في الحماية من منافسة البضائع الأجنبية ومن الداخلين الجدد، وكذلك الصخب المتعلق بالاستثناء من حقوق الملكية الفكرية. ويمكن كذلك ضمان الحصول عليها من خلال المعاشات المبالغ فيها للموظفين في القطاعات الحكومية المكتظة بالقوى العاملة.

إن السعي إلى تحقيق المصالح الخاصة يوجد حيثما وجدت القوة الاقتصادية ـ في الدولة، وفي الشركات الكبيرة التابعة للقطاع الخاص، وفي مجموعات الشركات المتعاونة والمتواطئة. ويميل تركيز القوة الاقتصادية في القطاع الخاص إلى تعزيز ذاته. وكانت هذه المشكلة واضحة على نطاق واسع أثناء عصر التحوّل في الولايات المتحدة. كانت المخاوف ذات الأسس الصحيحة هي أن كبار الأثرياء الجدد ـ من عائلات روكفلر، وكارنيجي، وفاندربلت ـ يمكن أن يستخدموا ثرواتهم لتعزيز نفوذهم السياسي وتعظيم قوتهم الاقتصادية، قاهرين بذلك كلاً من الأسواق والديمقراطية. وفي أيامنا هذه روسيا هي التي تجسد هذه المشكلة.

غير أن لدى أمريكا جيلاً جديداً من الساعين إلى تحقيق المصالح الخاصة. فالمواقع الحديثة التي تعادل القلاع على نهر الراين هي صالات الدرجة الأولى والطائرات النفاثة لدى الشركات. والموجودون فيها هم مصرفيو بنوك الاستثمار وكبار تنفيذيي الشركات.

إن السيطرة على تحقيق المصالح الخاصة تتطلب تفكيك مركزية القوة الاقتصادية. وتتضمن مثل هذه السياسات وضع حدود للدور الاقتصادي للدولة، وقيود على تركيز القوة الاقتصادية في الشركات الكبرى، ويقظةً دائمةً على الحدود بين الدولة والصناعة، ومزيجاً من الرقابة الخارجية والأعراف الداخلية للحد من قدرات الأفراد الجشعين في المنظمات الكبرى على تخصيص ريع الشركات لأنفسهم. والاتباع الصارم والقوي لهذه الأمور يجسد الفرق بين اقتصاد سوق تنافسي ونظام يقوم على مبدأ «دعه يعمل». وإنه لفرق شاسع.

التخصيص وتجزئة الاحتكارات غير القانونية أديا إلى تقليص السعي وراء تحقيق المصالح الخاصة من خلال مجموعات منظمة من الموظفين العامين. لكن نشاط الشركات في هذا الجانب ـ الذي يتم على يد مؤسسات وأفراد رفيعي المناصب ـ اتسع بصورة حادة.

يمكن مشاهدة نتائج ذلك في زيادة نشاط جماعات الضغط (اللوبيات) في الكونغرس وفي مطاعم بروكسل المزدحمة، وكذلك في هياكل صناعات، كالصناعات الدوائية، ووسائل الإعلام، والمعدات الدفاعية، وبالطبع الخدمات المالية. ويبدو ذلك الأمر واضحاً أيضاً في انفجار مكافآت وتعويضات المسؤولين التنفيذيين.

ولأن الابتكار يقوم على دخول أمر جديد، فمن المهم مقاومة تركيز القوة الاقتصادية. ويجب تمييز الموقف المؤيد للشركات عن الموقف المؤيد للسوق. وخلال العقدين التاليين لسقوط جدار برلين، لم يتم تقدير ذلك التمييز بما فيه الكفاية.

هناك قصة تروى عن صانع السياسة الروسي الذي كان في زيارة للولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. سأل: «من المسؤول عن تزويد نيويورك بالخبز؟» لم يكن ذلك البيروقراطي قد تعلم كيف تعمل الأسواق. إن جوهر اقتصاد السوق الحرة ليس في عدم خضوعه لسيطرة الحكومات فحسب، بل عدم سيطرة أيا كان.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية