الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ظهر الأحد، بعد نحو 20 سنة، أخذت استراحة من تصوير الأخبار لأزور مكاناً لم أتوقع قط أن أراه: البيت الذي ورثته جدتي عن أسلافها في ساكسونيا الواقعة في عمق ألمانيا الشرقية الشيوعية.وكان جدار برلين قد سقط قبل أيام وسقط معه كثير من القيود التي فرضت على الغربيين الذين يسافرون إلى ما وراء الستار الحديدي.لكن الوصول إلى تامنهاين، وهي قرية تقع شرقي ليبزج – ليس بعيداً عن المكان الذي اشتهر بلقاء الجيش الأحمر والقوات الأمريكية عند نهر الألب – كانت قضية أخرى. وكان من الصعب الحصول على خرائط. وحتى حين كنت تحصل على واحدة، فإنها في أغلب الأحيان تفتقر إلى المعلومات (وهو إجراء أمني وقائي يرمي إلى إحباط الاقتصاد الرأسمالي، كما كان يقال). كانت الطرق الريفية من قاعدتنا في دريسدن غير مأمونة، وذلك نتيجة الإهمال طويل الأمد الذي ميز البنية التحية للشرق وسقوط الثلج الكثيف.وعندما وجدنا، أخيراً، البيت الواقع على جانب البحيرة، على بقايا ما كان ذات يوم أرضاً خضراء تزدان بالأشجار، قوبل وصولنا ليس فقط بالحفاوة والفضول، بل بالمخاوف أيضا. وكان هذا أمراً مفهوماً. فالحدود الألمانية الداخلية ربما كانت مفتوحة على مصراعيها، لكن الهواجس القديمة، والمخاوف، التي ارتبطت باتصال غير مسموح به مع الغربيين ظلت موجودة.وفي العقود التي أعقبت عام 1945، عندما رحلت العائلة، كان البيت يستخدم دارا للمسنين وكانت الجدران والألواح الخشبية التي تزينها، مغطاة بدهان أبيض مهدئ (ليس بالضرورة أمراً سيئاً في ضوء بعض الفظاعات الشديدة لتحول شهده القرن التاسع عشر) وعجّ المكان برائحة الشمع المصقول الذي تفرش به الأرضية، ومبيدات الحشرات.وكان هنا وهناك بضعة ملامح – قاعة الطعام المهيبة برواقها، البرج الذي كان أبناء العم ذات يوم يراقبون منه الجيش الأحمر وهو يتقدم – مميزة من القصص المختلفة التي تروى في جلسات الشاي والكعك في شقة جدتي في بون (العاصمة المؤقتة) البرجوازية بشكل مريح لألمانيا الغربية.وكانت الأم الأرملة، أم السبعة أبناء، قد وصلت بعد الحرب، وهي واحدة فقط من ملايين اللاجئين الذين هربوا من الشرق. وبالنسبة للجيل الأصغر من العائلة، الذي ولد كثير من أفراده ونشأوا خارج ألمانيا، كانت القصص حول الماضي ''هناك'' – وهي كلمة تستخدم على جانبي المنطقة المقسمة - كانت في الحقيقة عن عالم آخر. وفكرة أن هذا يمكن أن يتغير ذات يوم وأن التقسيم الأسمنتي لألمانيا سينتهي كانت فكرة غير قابلة للتصديق. وربما يكون المتفائلون جداً، أو القوميون قد راودتهم مثل هذه الآمال. وتقبل الأذكياء والعقلانيون أن أفضل شيء يقومون به هو التوصل إلى طريقة عملية للتعايش مع الوضع.كان هذا واحداً من أوضح دروس عام 1989: رغم كل معرفتهم ورؤيتهم، فإن الناس الذين يدّعون أنهم يعرفون أفضل من غيرهم – المسؤولون والأكاديميون والصحافيون المتقلبون في رأيهم – يمكن أن يخطئوا في تقديرهم. وكما هو حال كثير جداً من اقتصاديي اليوم، فإن هؤلاء الخبراء فشلوا في تصور حدوث هذا.وجاء درس آخر في أعقاب سقوط الجدار مباشرة، حين كانت الحاجة إلى اغتنام الفرص التي وفرتها لحظة ثورية في أشدها. وفي هذا أثبت هيلموت كول، المستشار الألماني في ذلك الوقت، أنه مهني ممتاز على نحو غير متوقع. فهو سياسي كان يُعرف حتى تلك اللحظة بطريقته البطيئة والبورجوازية، لكنه تحول إلى رجل سريع الحركة – تحركه الأحداث على الأرض – واندفع إلى خطة جريئة لإعادة التوحيد في وقت قياسي.وخلال ذلك كان كثير من الحقائق المؤكدة يسقط، وتم تجاهل النصائح السليمة. وتم تجاهل اعتراضات رجال البنوك المركزية والاقتصاديين على التحويل السخي جداً للمارك الشرقي إلى المارك الغربي بنسبة واحد إلى واحد. وبالمثل تم تجاهل هواجس القانونيين بأن دولة متقدمة – جمهورية ألمانيا الديمقراطية – بكل هياكلها ومؤسساتها وعلاقاتها الدولية لا يمكن اجتثاثها بين عشية وضحاها. وذهبت الدعوات إلى توحيد بطيء ومنتظم للألمانيتين، الذي يمكن أن يسمح بتلطيف التوترات الاجتماعية، دون أن تجد آذناً صاغية. وكانت النتيجة عملية توحيد سريعة بشكل مثير للدهشة - أقل من 11 شهراً من اختراق الجدار إلى قرع ''جرس الحرية'' عند مبنى البرلمان يوم الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) 1990.لكن بينما يستحق كول الفضل في اغتنام اللحظة لتأمين إعادة توحيد ألمانيا، فقد فوت فرصة كبيرة للقيام بالتغيير على كلا جانبي الحدود القديمة. فألمانيا الشرقية التي استنزفتها عقود الإدارة الاقتصادية السيئة ربما تكون قد انهارت بين أحضان شقيقتها الغربية الأكبر، لكن ألمانيا الغربية احتاجت أيضاً إلى إصلاح هيكلي. وقد وفر التوحيد وسيلة للتصدي لذلك، كجزء من مشروع وطني فعلاً. وكان هناك إحساس في تلك السنة بأن أي شيء كان ممكناً.وفي الحقيقة كان يُنظر إلى النظام الغربي على أنه متفوق بشكل واضح بحيث يمكن تطبيقه في الشرق. وبالنسبة لكثير من الشرقيين، وحين انحسرت النشوة الفورية، أصبح هذا مصدر استياء وأحسوا أن نظاماً يجري فرضه عليهم وكانوا هم الناس الذين كابدوا خسائر كبيرة في الوظائف، والتوتر، والذل الذي رافق التكيف تحت توجيه مسؤولين متعجرفين وعاديين هبطوا بالمظلة من الغرب.وبالنسبة لكثير من الغربيين كان التوحيد أكثر بقليل من عملية توحيد بدا أنها في النهاية تعبر عن نفسها كمجرد وجهة أخرى لعائداتهم الضريبية.والنتيجة أن ألمانيا بعد عقدين ما زالت تنوء تحت كثير من المشاكل – من كيفية دفع الأموال لنظام رعاية اجتماعية واسعة النطاق، إلى تحرير السوق والإصلاحات الدستورية التي كانت معروفة عندئذ. فالبلد الذي تبنى التغيير بحماس قبل 20 سنة، هو الآن أكثر خشية من القيام بذلك.ولا شيء من ذلك يحط من قدر ما كانت لحظة رائعة وبهجة تستحق المشاهدة. واختارت جدتي عدم العودة إلى تامنهاين. ولو عادت ربما لا تندهش على نحو باعث للسرور. وفي بقية الشرق تم رفع مستوى البنية التحتية بسخاء. والبيت، مثل البلد نفسه، يمر بعملية تجديد مستمرة تتسم بعناية شديدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية