حين كنت عضواً في لجنة نقابة عمالية خلال تسعينيات القرن الماضي، ردد زملائي من ذوي الخبرة درساً على مسامعي: لا تتورط على الإطلاق في أي نزاع ما لم تعرف كيف يمكنك أن تظهر عند الطرف الآخر.
ليس من الواضح ما إذا كان قادة عمال البريد البريطاني، الذين نظموا إضراباً ليومين في الأسبوع الماضي، قد أدركوا ماذا سيكون تأثير عملهم هذا، ولكن الآخرين فعلوا. فالعديد من الناس الذين لم يكونوا مقتنعين بالإضراب – الشركات التي علقت دفعاتها في البريد، وأولياء الأمور الذين لم يكن بإمكانهم تقديم طلبات المدارس لأبنائهم – سوف يقررون دون أدنى شك استخدام الإنترنت في المستقبل.
الأهم من ذلك، استغلت الشركات المنافسة الفرصة للاستيلاء على حصة كبيرة من تجارة توصيل البضائع التي يتم تسويقها عبر الإنترنت، والتي تمثل أفضل فرصة في المستقبل للـ ''بريد الملكي'' وعماله.
قال موقع ''أمازون'' الإلكتروني لزبائنه إنه كان ''يتخذ تدابير مكثفة، ويعمل مع نطاق عريض من شركات النقل، لتقليل الأثر على عمليات التوصيل في شتى أرجاء المملكة المتحدة''. ومن غير المرجح أن تنضم شركات النقل المنافسة تلك إلى النقابات العمالية بقوة.
لكن في المقابل، فإن عدداً أقل من الشركات بشكل متزايد ينضم إلى النقابات العمالية. وانخفضت نسبة الموظفين البريطانيين الذين ينتمون إلى النقابات من 44.8 في المائة في عام 1970، إلى 29.3 في المائة في عام 2003، وفقاً لدراسة قام بها المكتب الأمريكي للإحصاءات العمالية في عام 2006.
أما في الولايات المتحدة، وخلال الفترة ذاتها، انخفضت عضوية الانضمام إلى النقابات العمالية من 23.5 في المائة، إلى 12.4 في المائة. وفي فرنسا، تراجعت النسبة من 21.7 في المائة، إلى 6.3 في المائة فقط. وكان هناك المزيد من الانخفاض الحاد في بلدان تمتد من نيوزلندا إلى اليابان وألمانيا.
حسبما ذكر المكتب، فإن البلدان الوحيدة التي ارتفعت فيها عضوية الانضمام إلى النقابات، كانت فنلندا، والسويد، والدنمرك، وبلجيكا. وكان هناك سبب لذلك. وقال المكتب: ''تصادف أن هذه البلدان الأربعة كانت البلدان الوحيدة التي كانت فيها النقابات معنية بالإدارة، وتطبيق تأمين البطالة''.
أنا شخصياً لا أجد مسرة في ذلك، فالنقابات العمالية المستقلة تشكل علامة لوجود مجتمع حر. ولا يحتمل وجودها أي نظام استبدادي.
تبقى الحجة للتمثيل العمالي حجة قوية. فالعقود الزمنية من تراجع النقابات رافقها ارتفاع لطبقة من المديرين الذين نمت عوائدهم بشكل ضخم مقارنة بعوائد موظفيهم. ولم يضاه ارتفاع الرواتب التنفيذية أي زيادة واضحة في الكفاءة، كما أثبتت الأزمة المالية بوضوح، ولكن الحكومات والمساهمين عملوا جاهدين لجلب المديرين إلى المساءلة.
هناك بعض الدلائل على وجود اهتمام متجدد للانضمام إلى النقابات. وكانت هناك في الولايات المتحدة خلال العام الماضي زيادة صغيرة في العضوية وفقاً لمكتب الإحصاءات العمالية، ولكن نسبة المنضمين إلى النقابات ما زالت أدنى بكثير من 13 في المائة.
لماذا انخفضت نسبة الانضمام إلى النقابات العمالية بهذا الشكل الحاد؟ يبدو أن المشكلة الرئيسة لا تتمثل إلى حد كبير في انسحاب الأعضاء القدامى، وإنما عدم انضمام أعضاء جدد. والعمال الشباب أقل احتمالاً بكثير من حيث الانضمام إلى النقابات مقارنة بالكبار منهم. وهنالك أسباب متعددة لذلك. فالشباب يبقون فترة أطول في التعليم المنتظم. ومعدل البطالة لديهم أعلى، وحين يتم تعيينهم، فالأكثر احتمالاً أن يكون ذلك بعقود مؤقتة.
هناك تغييرات ثقافية كذلك. وأشار تقرير صدر عن معهد نقابة العمال الأوروبي إلى أن الجيل الأصغر كان أقل اهتماماً بشؤون التضامن النقابي. وذكر التقرير أن ''الغالبية العظمى من الشباب ليسوا متعاطفين مع قضية النقابات''، ولكنهم كانوا معتادين على ثقافة الخدمة، ويفضلون الاختيار من نطاق من الخيارات المتاحة على الإنترنت. وقال التقرير كذلك، ''إن اللجان الداخلية المستهلكة للوقت أقل احتمالاً أكثر فأكثر في اجتذاب الشباب الفعال والنشط''.
اعترف ريتشارد ترومكا، الرئيس الذي تم انتخابه حديثاً لإيه إف إل – سي آي أو AFL-CIO، اتحاد النقابات الأمريكي، في خطاب ألقاه في شهر آب (أغسطس)، بأن الشباب '' عندما ينظرون إلى النقابات، فغالباً ما يرون أنه بقايا اقتصاد آبائهم''. وتوجب أن تتكيف النقابات. وأشار إلى اتحاد بدأ بين العمال المؤقتين لدى شركة مايكروسوفت، وانتشر عبر الإنترنت، وساعد موظفي تقنية المعلومات في قضايا مثل الأمن الوظيفي والرعاية الصحية.
لم يمت مبدأ الانضمام إلى النقابات بحسب الطراز القديم. وحيث إن معظم أعضاء النقابات الآن هم من القطاع العام، فإننا على الأرجح سوف نشهد المزيد من القلاقل في الوقت الذي تستجيب فيه الحكومات إلى العجوزات العالية بتخفيض الإنفاق العام.
ينبغي على قادة النقابات أن يستنبطوا استراتيجيات ذكية. وعليهم أن يركزوا على الوظائف التي سوف تبقى مستمرة في عصر الإنترنت. وما يحتاج إليه الموظفين هو التدريب المتكرر، والمرونة للمنافسة على وظائف متاحة فعلياً.
التذمر بشأن السلوك الاستبدادي للإدارة، كما فعل قادة قطاع البريد، لن يؤثر في القطاع الخاص المعتاد على ذلك، ويعلم أن المديرين يواجهون ضغوطاً خاصة بهم. وليس نوع الالتماس الذي قدمه أحد عمال البريد إلى ''فاينانشيال تايمز'' يوم الجمعة الماضي قائلاً: ''نريد الأمن الوظيفي فقط''. قلة منا في الوقت الحاضر لديهم الأمن الوظيفي.

