الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تحل علينا الآن الذكرى الثمانون للانهيار العظيم. وهذا الأمر يأتي في وقت يشعر فيه الجميع بالتوتر الشديد، لأننا على ما يبدو كنا قبل عام واحد فقط ننظر إلى الهوة نفسها التي لا قرار لها. سلسلة الأحداث التي وقعت قبل 80 سنة، بدءاً من الانهيار العجيب في أسعار الأسهم في وول ستريت، الذي وقع في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 1929، إلى الكساد العظيم الذي أحاط بالاقتصاد العالمي لعدة سنوات، قفزت فجأة من صفحات كتب التاريخ لنجد أنفسنا أمام مواقف مشابهة لها، لكنها جديدة تماماً. يتساءل المتشائمون: ما السبيل إلى وقف حدوث كل ذلك من جديد؟ ويتساءل المتفائلون: ما الذي نستطيع تعلمه حتى نوقف حدوث ذلك مرة أخرى؟

الصلات بين الانهيار العظيم والكساد العظيم كانت دائماً موضع أخذ ورد. لاحظ أن انفجار فقاعة المضاربات في الولايات المتحدة، بصرف النظر عن مدى انتشار آثاره ضمن مجتمع وسَّع الديمقراطية لتشمل ملكية الأسهم، ليس مماثلا للآثار العالمية التي امتدت لتؤدي إلى البطالة الشاملة والفقر الشديد بين الناس. هناك سؤال مهم في هذا الجانب، وهو كيف استطاعت عملية الانكماش الاقتصادي أن تؤدي إلى الكساد، أي هبوط الناتج في الاقتصاد بصورة عامة. سؤال آخر، ما الذي يمكن فعله بهذا الخصوص؟ هذا سؤال مختلف، لأن عرض الفيلم بالعكس من النهاية إلى البداية ليس خياراً في الحياة الحقيقية.

أساتذة الاقتصاد وأساتذة التاريخ في الجامعات، المعزولون فيما يطلق عليه على نحو من الاستهزاء، البرج العاجي، يعيشون منذ فترة طويلة حياة اقتصادية غير مكلفة من مجادلاتهم حول المواضيع التي من هذا القبيل. في البرج الموجود في جامعة برنستون، قبل نحو عشر سنوات، قرر أحد أساتذة الاقتصاد إعادة نشر المقالات المجموعة التي كتبها على مدى العقدين السابقين. في مقدمة الكتاب قال: «أعتقد أنني من المتحمسين لموضوع الكساد العظيم، شأني في ذلك شأن المتحمسين لموضوع الحرب الأهلية»، وبطبيعة الحال لم يكن هناك على الإطلاق من اكترث حين قام هذا الإنسان المنعزل عن العالم بالاعتراف بهوايته التي لا تضر أحداً.

وقال في المقدمة أيضا: «أنا أستمتع بدراسة الكساد العظيم لأن الحادث نفسه كان مذهلاً في وقت مهم في التاريخ الحديث. بالتالي من المناسب تماماً بالنسبة لي، من الناحية المهنية، أن أعلم أن هناك الكثير الذي يمكن أن نتعلمه من حركيات الاقتصاد». الأمر الذي تعلمه هذا الأستاذ، باعتباره اقتصادياً اعترف بدين فكري إلى ملتون فريدمان، هو أن معظم السبب فيما حدث يعود إلى التقليص النقدي الخاطئ من قبل السلطات. الأمر الذي أضافه هو نفسه إلى هذا التحليل هو أن الفكرة المهمة هي أن حالات الهلع في البنوك كانت لها دلالة خاصة في نقل الصدمات الانكماشية إلى الاقتصاد الفعلي.

أستاذ الاقتصاد الذي كنت أحدثكم عنه هو، بطبيعة الحال، بن برنانكي، الذي وجد نفسه في موقع أفضل بكثير لتعلُّم الدروس التي من هذا القبيل. وباعتباره رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإن سجله المهني أصلاً يستحق مزيدا من عبارات الثناء العاطر تفوق ما كان يعطى بصورة دائمة لسابقه، ألان جرينسبان. فتخيل مدى حسن حظنا في أن أحد المتحمسين للكساد العظيم كان على رأس الاحتياطي الفيدرالي حين وقع الانهيار العظيم الثاني. ذلك لأن القوى التقلصية هذه المرة لم تكن عميقة، باسم النقود السليمة. الذي حدث بدلاً من ذلك هو أنه تم اتباع سياسة نقدية نشطة تقوم على استراتيجية تخفيف القيود الائتمانية على الاقتصاد الفعلي، وكان صانعو السياسة على حق في تجاهل التضخم باعتباره خطراً قومياً بحتاً في ظل الظروف الحاضرة.

نستطيع أن نقول إنه حتى الآن هذا التحليل يشبه إلى حد كبير تحليلات فريدمان. أظهر برنانكي نفسه على أنه أمين لتراثه الفكري كعالم اقتصاد حين ضمن هذه المرة أن الانهيار العظيم لن يؤدي (عن طريق التقلص العظيم) إلى الكساد العظيم. كذلك كان برنانكي منهجياً من حيث ضمان سلامة الجمهور من الشر الأعظم، وهو حالات الهلع في البنوك، حتى وإن كان ذلك على حساب سعر غير مرغوب سياسياً، وهو مساندة الشر الأدنى المعروف ببرنامج «إنقاذ وول ستريت». بهذه السبل كان برنانكي هو الرجل المناسب في الوقت المناسب، وساعده في ذلك فهمه لكيفية وقوع الأزمة وأنه لم يجعلها أسوأ مما هي عليه، وإنما كان يتحلى كذلك بعِرق من البرجماتية التي تتجاوز أية نظرة من هذا القبيل لدى فريدمان.

لاحظ أننا حين نتناول السؤال المتعلق بكيفية انتشال الاقتصاد من حالة أخرى من الكساد العظيم، فإن النظرة النقدية (نظرية فريدمان) تنفذ منها الأجوبة. استراتيجية المالية العامة من خلال تطبيق برنامج التحفيز المباشر للاقتصاد هي فكرة تأتي تماماً من نظرية كينز. كانت هذه هي «العلاج الجذري» للبطالة والتي طالب جون مينارد كينز بتطبيقها في سياق بريطاني في وقت مبكر هو عام 1924، أي قبل خمس سنوات من الانهيار العظيم، وقبل 12 سنة من نشر كتابه «النظرية العامة»، الذي سعى فيه إلى تثوير المفاهيم النظرية في علم الاقتصاد الرسمي. أنتج كينز تبريراً برجماتياً للتدخل الحكومي المؤقت، وهو تدخل لا يعتمد على أن نفرض على أي شخص اعتناق المبادئ الكينزية الرسمية.

حين يتعلق الأمر بالقضايا العملية للسياسة الاقتصادية، كان كينز يفضل اللجوء إلى الحس المنطقي السليم بدلاً من النظرية الاقتصادية المعقدة. والواقع أن هذا هو الأساس الذي قامت عليه عبارته المشهورة «على المدى الطويل نحن جميعاً من الموتى». هذه العبارة التي كانت تفسَّر بصورة روتينية على أنها دعوة لا يلبيها أحد، لتجاهل الآثار طويلة الأجل، إنما هي إدانة للرفض المذهبي لأن نفتح أعيننا ونشاهد العالم الحقيقي من حولنا. لذلك حين نتساءل عن السبب في أن الانهيار العظيم أدى إلى الكساد العظيم، وعن مدى اختلاف الأوضاع الحالية، فإن جزءاً من الجواب هو أن بعضاً من الدروس المهمة تم استيعابها. هذه المرة على الأقل سار التاريخ والاقتصاد في طريق برجماتية، وسارت السياسة النقدية جنباً إلى جنب مع الحس المنطقي السليم.

صدر للمؤلف في الفترة الأخيرة كتاب جديد عن كينز، من نشر دار بلومزبيري في لندن ونيويورك.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية