في الوقت الذي تلقى فيه تجربة المصارف الإسلامية خلال الفترة الأخيرة ترحيبا وقبولا واسعاًفي كثير من دول العالم كنظام مصرفي آمن ويعتد به، أخذ كثير من المصارف التقليدية يولي التجربة اهتماما ويقدم كثيرا من الخدمات عبر منتجات إسلامية تختلف من مصرف لآخر. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة والمعطيات الدولية المستجدة تواجه المصارف الإسلامية تحديات كثيرة، الأمر الذي يملي عليها ضرورة بناء استراتيجية عمل جديدة تتناسب وتحديات المرحلة القادمة، حتى تتمكن من الحفاظ على المكتسبات التي حققتها والبناء عليها للمستقبل لكي تكون خيارا ناجحا وفاعلا في العمل المصرفي.
على الجانب الآخر نرى أن المصارف الإسلامية تواجه اتهامات تتزايد وتيرتها في الفترة الأخيرة منتقدة النظام المصرفي الإسلامي في بعض جوانبه, وفي هذا الإطار تفتح مجلة "المصرفية الإسلامية" هذا الملف للرد على ما يواجه النظام المصرفي الإسلامي من اتهامات وانتقادات من خلال آراء العلماء والمتخصصين في هذا المجال, وفي الوقت نفسه تحاول الإجابة عن التساؤلات التي تطرح فيما يتعلق بالمصرفية الإسلامية في محاولة لإرساء الفهم الصحيح للنظام المصرفي الإسلامي.
#2#
تنهال الطعنات على جسد المصرفية الإسلامية بصورة غير مسبوقة في الآونة الأخيرة بين اتهامات لها وتشكيك في مدى جدواها كبديل عن المصرفية التقليدية.
وهناك بعض المآخذ التي تجد لها نصيبا من الصحة فيما تصنف أغلبية الاتهامات على أنها جاءت في غير موضعها. وحتى بالنسبة إلى المآخذ الفعلية فإنها لا تعدو عن كونها أخطاءً في تطبيق مبادئ تلك الصناعة ليس إلا أو تجاوزات فردية يقوم بها هذا البنك أو ذاك. يضاف إلى هذا أن حداثة التجربة تجعل الأمر لا يخلو من أخطاء ولا سيما مع غياب الأسلوب الأمثل للدعوة إلى تلك الصناعة.
ويجد البعض صعوبة في فهم المصرفية الإسلامية فهما صحيحا حيث يعمد هؤلاء إلى التركيز على بعض الممارسات التي ترتكب باسم المصرفية الإسلامية في حين أنها لا تعدو عن كونها ممارسات تتمسح في الدين. ويرجع ذلك إلى ضعف التوعية بطبيعة صناعة المصرفية الإسلامية وهو الأمر الذي يجعل البعض يشكك في مدى مصداقيتها بسبب تجاوز ما من أحد البنوك الإسلامية أو سوء فهم لطبيعة وآلية عملية ما تجري في تلك البنوك.
لهذا فإن هناك حاجة ملحة إلى فهم أسس المصرفية الإسلامية والعمل على نشر مفاهيم تلك الصناعة والتوعية بمدى أهليتها لكي تكون البديل للأنظمة المصرفية التقليدية الربوية. ويجب – في هذا الإطار- أن يتم تقديم كل ما يتعلق بتلك الصناعة بشفافية وموضوعية لكي يتمكن العميل من فهم آلية العمل بها فيقتنع من ثم بجدواها وأفضليتها.
ويجب ألا يقتصر الأمر على الأفراد فعلى مستوى الدول يجب أن تدرك الحكومات أهمية تلك الصناعة ومدى الفوائد التي ستجلبها، كما يجب ألا تتخوف الحكومات من هذا النمط الاقتصادي وأن تنحي خوفها من أن يصبح حصان طروادة الذي سيدخل منه الإسلاميون.
الادعاءات والرد عليها
من الأبحاث المهمة في هذا الصدد والتي تقدم تحليلا للادعاءات وتفنيدها ما قدمه الدكتور حسين حسين شحاتة الأستاذ في جامعة الأزهر بعنوان "الرد على الافتراءات على المصرفية الإسلامية".
ومن أهم الادعاءات المثارة ما يتردد عن وجود قصور فى أداء بعض الخدمات المصرفية مقارنة بالبنوك التقليدية. وتوضح الدراسة أن هذا الانتقاد قد يكون له أساس من الصحة وهذا يرجع إلى عدة أسباب من بينها نقص الإمكانيات الفنية بالبنوك الإسلامية ولاسيما أنها مازالت فى الأطوار الأولى مقارنة بالبنوك التقليدية والتي يزيد عمرها على 300عام. ونقص الكوادر الإدارية والمالية المدربة والمؤمنة عقائديا برسالة البنوك الإسلامية مع كبر حجم النشاط عما كان متوقعا. والتأخر في استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة فى أداء الخدمة المصرفية فى بعض البنوك الإسلامية.
ومن الادعاءات التي يشير إليها شحاتة, بيوع المرابحة لأجل لأمر بالشراء حيث يرى البعض أن الزيادة التي يحصل عليها البنك الإسلامى والتي يطلق عليها ربح تعتبر ربا مثلها في ذلك مثل البنوك التقليدية. ويرد بأن فقهاء المسلمين أجازوا بيع المرابحة لأجل للأمر بالشراء، وقد أيدوا رأيهم بالأدلة الشرعية المستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية. لكنه يعترف بوجود أخطاء شرعية فعلا فى بعض المصارف الإسلامية عند تنفيذ بيوع المرابحة يجب أن تصوب.
وثمة اتهام بأن المصارف الإسلامية تحتفظ بأرصدة فى حساباتها الجارية مع مراسليها فى البلاد التي لا توجد بها بنوك إسلامية وهو ما يثير عديدا من الاعتراضات والشبهات بأن البنوك الإسلامية تتعامل مع البنوك الأجنبية والتقليدية وتودع أموالها لديها بفائدة .
ويتطلب الرد على هذه الشبهة بيان الأسباب التي تحتم على المصارف الإسلامية التعامل مع البنوك التقليدية. وتؤكد الدراسة أن البنوك الإسلامية لا تتقاضى فوائد وإن تقاضتها فإنها لا تضيفها إلى أرباحها وإنما تنفقها فى وجوه النفع العام للمسلمين وليس بنية التصدق أخذا بالفتوى الراجحة فى هذا الشأن.
وهناك اتهام آخر بأن بعض البنوك الإسلامية تستثمر جزءا من أموالها فى البلاد غيرالإسلامية. وهذا واقع فعلا حيث إن بعضها يقوم باستثمار جزء من أمواله في مشروعات تجارية خارج البلاد الإسلامية، ويبرر القائمون على شئون البنوك الإسلامية أنها قد تلجأ إلى هذا النوع من الاستثمار فى حالة ارتفاع مستوى السيولة، وكذلك لتنويع مجالات الاستثمار لتقليل المخاطر. ويكون ذلك غالبا فى مجال التجارة وفى المعادن والسلع وفى سوق الأوراق المالية طبقا لأحكام البيوع الإسلامية. ولكن الدراسة تخلص إلى أن هذه المبررات ليست قوية إذا ما قورنت بمساوئ وسلبيات استثمار أموال المسلمين فى بلاد غير إسلامية، ففى ذلك تدعيم لاقتصاداتها ويجب أن يكون خير المسلمين للمسلمين.
كما أن هناك اعتراضا على أن عائد الأموال المستثمرة بواسطة البنوك الإسلامية أقل مما توزعه البنوك التقليدية أو قريب منه، كما أن أصحاب الأعمال يرون أن تكلفة الأموال المأخوذة من البنوك الإسلامية أعلى بكثير من تكلفة الأموال المـأخوذة من البنوك التقليدية.
وتشير الدراسة إلى أن الفكر الربوى ما زال مهيمنا على عقلية معظم أصحاب الأموال (أصحاب الحسابات الاستثمارية) وعلى بعض أصحاب الأعمال (الذين يشغلون الأموال) الذين يتعاملون مع المصارف الإسلامية فيتوقع المستثمر أو يأمل أن تكون أرباح أمواله المستثمرة على الأقل مساوية للفائدة الربوية التي كان من الممكن الحصول عليها لو أنه أودع ماله فى بنك تقليدي. كما يتوقع صاحب المشروع الاستثماري ألا يدفع للمصرف الإسلامى (المضارب) من الأرباح الناتجة عن نشاط المشروع أكثر من الفائدة الربوية التي كان من الممكن دفعها لو أنه كان قد اقترض المال من بنك تقليدي.
وللتغلب على هذا الانتقاد يلزم أن تكون هناك توعية فكرية لهؤلاء وهؤلاء حتى يعيدوا النظر فى حساب العائد الحقيقي للأموال المستثمرة والتكلفة الحقيقية لرأس المال وأن يأخذوا فى الاعتبار العوائد المعنوية الروحية من التعامل الحلال.
وثمة مأخذ بأن بعض البنوك الإسلامية تتعامل مع عملاء لا قيم ولا أخلاق لهم مما يوقعها فى شبكة من النصابين، وأحيانا يقوم بعض العملاء بادعاء التقوى والورع وحرصهم على التوبة من كبيرة الربا وعدم الرجوع إلى التعامل مع البنوك الربوية مرة أخرى، استدرارا لعطف المصارف الإسلامية ثم بعد ذلك يدخلون فى بعض الأنشطة مع المصرف الإسلامى ثم يبتزون أمواله ويوقعونه فى مخاطر، ويترتب على ذلك الإساءة إلى سمعته وسمعة القائمين على أمره.
وهذه الشبهة لها أساس من الصحة، ويستوجب ذلك أن يكون لدى كل بنك إسلامي نظام للمعلومات، وإدارة للتثبت من صحة البيانات التي يقدمها العملاء وأن تتغلب الموضوعية على العاطفة إضافة إلى هذا يمكن أن تتعاون البنوك الإسلامية سويا في إنشاء نظام معلومات عالمي عن العملاء وهذا أصبح ممكنا بعد انتشار شبكات الاتصالات المحلية والعالمية كما يجب عدم التهاون فى الحصول على الضمانات المناسبة الموضوعية.
ومن تلك الادعاءات, الزعم بأن بعض البنوك الإسلامية تأخذ مصاريف على القروض الحسنة التي تعطيها للمحتاجين تقارب أسعار الفائدة، كما تتفاوت تلك المصاريف تبعا لقيمة القرض، وهذا يجر البنك الإسلامى إلى التورط فى شبهة الربا.
وللرد على تلك الشبهة تجب التفرقة بين نوعين من مصاريف القرض الحسن هما: المصاريف الفعلية المباشرة التي أنفقها المصرف على قرض معين بذاته, وقد أجاز الفقهاء المسلمون ذلك. ومصاريف القروض الحسنة غير المباشرة مثل نفقات قسم القرض الحسن وتتضمن الأجور والإيجار ونحو ذلك. فهذا نوع من المصاريف يلزم أن يحمل على القروض بشرطين هما:
1 - أن تؤخذ النفقة مرة واحدة فى بداية القرض ولا تتكرر. والآخر أن تكون مبلغا موحدا على القرض بغض النظر عن قيمته.
2 - الادعاءات والقول بأن بعض العاملين فى البنوك الإسلامية يفتقدون إلى الكفاءة الفنية والثقافية والشرعية للأعمال المصرفية وخصوصا الذين انتقلوا من البنوك التقليدية الربوية.
وفي هذ الصدد يوصى بأن يتم وضع معايير إسلامية دقيقة لاختيار العاملين بالبنوك الإسلامية. وكذلك الاهتمام بالتدريب المستمر لهم.
الفرق بين التقليدي والإسلامي
تختلف البنوك الإسلامية عن البنوك التقليدية في وجوه متنوعة فيما يلي بعض منها: من حيث طبيعة دور كل منهما نجد أن التقليدي مجرد مؤسسة وسيطة حيادية لا تتدخل في الأعمال ولكنها تجني الأرباح من الأموال التي توظفها في الإقراض والتمويل. أما البنك الإسلامي فيتعدى دوره إلى ممارسة العمل الفعال من خلال كونه شريكا ومضاربا وتاجرا وكفيلا.
وبالنسبة إلى أساس تمويل كل منهما يقوم التقليدي على أساس الإقراض بسعر الفائدة المحددة دون عمل في حين يقوم البنك الإسلامي على أساس العمل وفق قاعدة الربح والخسارة.
وفي الأول يكون العميل مودعا أو مقترضا أو مستأجرا لصندوق أمانة في حين يكون العميل في الآخر مشاركا وبائعا ومشتريا وصاحب حساب جارٍ على أساس القرض الحسن. وفي حالة البنك الإسلامي فإنه لا يقرض ولا يقترض بفائدة كما لا يقوم بإصدار أسهم ممتازة على عكس البنوك التقليدية.
وفي حال إعسار المدين لا تسمح البنوك التقليدية بمهلة سداد ويتم تحميل المدين فوائد تأخير. أما البنوك الإسلامية فإنها تمهل المعسر إذا كان غير مماطل ولديه عذر ولا تتم زيادة الدين أو تعديل السعر.
وثمة فارق مهم وهو أن البنوك الإسلامية تهتم بالتعامل مع أصحاب المهن والحرف وصغار التجار، بينما تركز البنوك التقليدية بالتعاون مع كبار العملاء. حيث تقوم أنشطة البنوك الإسلامية على قاعدة قطاع العملاء الذين تتعامل معهم لتشمل أصحاب المهن الحرة، والحرفيين وصغار التجار، وحديثي التخرج من الجامعات، وبذلك تساعد هؤلاء جميعا على تنمية طاقاتهم، وتذليل الصعوبات والمعوقات المالية والفنية أمامهم.
وعلى النقيض مما سبق نجد أن معظم البنوك التقليدية تركز على إعطاء القروض لكبار العملاء، والذين يستطيعون تقديم ضمانات عقارية أو عينية، ومن ثم يُحْرَمُ صغار رجال الأعمال والحرفيين من خدمات البنوك التقليدية.
انتشار عالمي واسع للمصرفية الإسلامية
إن أكبر مؤشر على المستقبل الواعد لتلك الصناعة اعتراف الفاتيكان بنجاح تجربة المصرفية الإسلامية بل وتوصيته بأن يتم تعميم التجربة لتلافي آثار الأزمة العالمية. كما أقدم عديد من الحكومات على الاعتراف بهذا النجاح حتى إن دولا عديدة أصدرت تشريعات خاصة لتنظيم عمل البنوك الإسلامية وعلاقتها بالبنوك المركزية لتلك الدول.
وثمة مؤشر مهم يشي بمستقبل أكثر إشراقا وهو الاهتمام الأكاديمي بكل ما يتعلق بالمصرفية الإسلامية سواء على مستوى الدراسة الجامعية أو الدراسات العليا. ولم يقتصر هذا على الدول الإسلامية بل إن فرنسا أعلنت بدء الدراسة للحصول على شهادة عليا في هذا التخصص في مسعى للحاق بقطار المصرفية الإسلامية السريع. في الوقت الذي يتوقع فيه الخبراء وصول حجم التمويل الإسلامي في العالم إلى حوالي تريليون دولار بحلول عام 2010, تسعى العاصمة البريطانية لندن لأن تصبح وجهة رئيسة لاجتذاب خدمات التمويلات المصرفية المطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية والتي تضاعفت حول العالم ثلاث مرات خلال العقد الأخير.
وأوضحت دراسة حول التمويل الإسلامي أعدتها مؤسسة الخدمات المالية الدولية (إي إف إس إل) برعاية إدارة التجارة والاستثمار البريطانية, أن لندن تتمتع بمقومات مهمة لاجتذاب التمويلات الإسلامية أبرزها وجود 23 مصرفا بها إلى جوار تسع مؤسسات لإدارة المحافظ المالية وعدد من المؤسسات القانونية الدولية التي تقدم خدمات مطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية, فضلا عن وجود سوق ثانوية في الصكوك الإسلامية بتعاملات تصل قيمتها إلى ملياري دولار شهريا إلى جانب سوق متنامية لخدمات الرهن العقاري بالتجزئة حسب الأصول الإسلامية.
وأضافت الدراسة أن حجم التعاملات اليومية في السلع عبر بورصة لندن للمعادن يعد من المقومات الجوهرية لإدارة الأصول والسلع بالأنظمة الإسلامية منوهة إلى أن حجم المصارف البريطانية الـ 23 مجتمعة يبلغ أربعة أضعاف مثيلاتها في أي من بلدان أوروبا الغربية.
كما تتصدر بريطانيا باقي أوروبا الغربية في تأسيس مصارف مطابقة بالكامل لأحكام الشريعة الإسلامية مع تأسيس ثلاثة من المصارف البريطانية خدمات إسلامية منذ عام 2004 وهي المصرف الإسلامي البريطاني, المصرف الأوروبي للاستثمار الإسلامي, وبنك لندن والشرق الأوسط.
وفي فرنسا قررت الحكومة إدخال أنشطة التعاملات الإسلامية إلى معاملاتها المؤسسية والفردية, وتتعالى الأصوات بضرورة إدماج النشاط المالي المتوافق مع الشريعة الإسلامية في النظام الاقتصادي والجهاز التشريعي الفرنسيين، وعدد من البنوك الرئيسة، مثل البنك القومي لباريس تمارس ضغوطا على السلطات الفرنسية، من أجل التعامل مع المصارف الإسلامية، وبنك سوسيتيه جنرال يقوم بإنشاء صناديق تمويل وفقا للشريعة الإسلامية، وبعض الأسواق في الدولة تعرف الأسهم الإسلامية، ومدينة "ستراسبورج" تقرر تدريس "الاقتصاد الإسلامي" في إحدى جامعاتها لتكون بذلك الأولى في تاريخ فرنسا.
وفي إيطاليا تم افتتاح أول بنك إسلامي، وقد أكدت الباحثة لوريتا بوليت في كتابها (اقتصاد ابن آوى) أن التمويل الإسلامي يمكن أن ينقذ الاقتصاد الغربي وأن المصارف الإسلامية قد تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية.
أما في الولايات المتحدة, نلاحظ أن البنوك هناك تتسابق في تقديم القروض المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتعمل على تطوير أنظمتها ومعاملاتها المالية لتتوافق مع أحكامها، ومع غرقها والعالم في الأزمة المالية العالمية تعيد كثير من البنوك والشركات الكبيرة تفكيرها في التمويل والصيرفة الإسلامية وتنطلق جديا بالعمل بها.
وفي إندونيسيا, يُقّر البرلمان قانونا يسمح بموجبه للأجانب بتأسيس بنوك إسلامية بالمشاركة مع مواطنين إندونيسيين أو كيانات محلية كما يتيح للبنوك التجارية خيار تحويل أنشطتها إلى أنشطة مصرفية إسلامية في محاولة للاستفادة من إمكانات قطاع التمويل الإسلامي فيها " أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان 226 مليون نسمة, 85 في المائة منهم مسلمون وصناعة البنوك الإسلامية تمثل أقل من 5 في المائة من إجمالي أصول البنوك المحلية، و"إتش. إس. بي. سي" هو البنك الأجنبي الوحيد الذي يدير عمليات إسلامية، لكن هناك عدة بنوك محلية لها عمليات إسلامية. هذا فضلا عن تبني عديد من دول العالم الأخرى إدخال النظام المصرفي الإسلامي ضمن أنظمتها المالية.
مستقبل المصرفية الإسلامية
بات من الواضح بما لا يدع مجالا للشك أن المصرفية الإسلامية استطاعت أن تثبِّت أقدامها بقوة خاصة في ظل صمودها أمام الأزمة المالية العالمية وتبعاتها.
ويدلل الاقتصاديون على ذلك بزيادة نسبة نمو التمويل الإسلامي بين 64 و70 في المئة ما يؤكد أهمية سلامة المصرفية الإسلامية. واستطاعت تلك الصناعة بأدائها خلال الأزمة وبعدها أن تنتزع اعتراف البنوك الربوية بنجاح التجربة بصورة لم يكن يتوقعها أكثر المتفائلين. ونتج عن هذا تسارع وتيرة إنشاء فروع لتلك البنوك تعمل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، ولم يقتصر الأمر على البنوك التقليدية في الدول الإسلامية بل امتد إلى البنوك الأجنبية أيضا.
#3# ويرى الدكتور يوسف بن عبد الله الزامل، مستشار اقتصادي,أن انتشار المصرفية الإسلامية يزداد بمعدلات نمو أكبر بكثير من التوقعات السابقة، فقد كانت المصرفية الإسلامية التي تصل في حجمها إلى أكثر من 500 مليار دولار تنمو منذ عدة سنوات بمعدل 15 في المائة سنويا، وهو معدل مرتفع جدا ويدل على طفرة في هذا القطاع. وهذه المعدلات العالية ستتضاعف في الغالب خلال هذا العام نتيجة للأزمة المالية العالمية وما أحدثته من قيام السلطات النقدية والبنوك المركزية والمصارف الخاصة بإعادة النظر في الأدوات والمنتجات المالية والبنكية والاتجاه للبحث عن بدائل جديدة منها البدائل المصرفية الإسلامية. وسيدعم تصاعد النمو في انتشار المصرفية الإسلامية عاملان مهمان، أحدهما: يتعلق بالأزمة المالية العالمية وهو أن الأزمة أدت إلى انخفاض الثقة بالمصارف التقليدية والغربية خاصة من قبل الدول الخليجية والعربية والإسلامية ما سيتضمن مزيدا من الاتجاه نحو المصرفية الإسلامية. والآخر, السيولة الضخمة التي تتكون في دول النفط العربية التي ستحرك ميزان السيولة الدولي لصالح المنتجات المصرفية الإسلامية التي أهم عملائها هم المواطنون العرب والمسلمون، ويضاف إلى ذلك أن الوعي المصرفي الإسلامي في العالم العربي والإسلامي يزداد نموه مع الزمن وتلقى المصرفية الإسلامية مزيدا من الراغبين في التعامل فيها . وأشار الدكتور الزامل إلى أنه قد تكون هناك ملاحظات وبعض انتقادات موجهة إلى النظام المصرفي الإسلامي ولكنها تتلخص حول بعض تطبيقات وآلية عمل النظام وليست متعلقة بمبادئ وأسس المصرفية الإسلامية، ومع ذلك ينبغي أن يلاحظ أهمية تعميق أسس وجذور المصرفية الإسلامية، حيث تبنى على جوهر القواعد المالية والمصرفية الإسلامية وتؤدي إلى خدمة الاقتصاد والتنمية والرفاهية، لا أن تستمر كمعاملات صورية أو غير مباشرة للمنتجات المالية والمصرفية التقليدية الغربية كيلا تتعرض في فترة مستقبلية لأزمة ثقة من حيث مصداقيتها الشرعية أو من حيث ارتفاع تكلفتها بشكل لا يعكس كفاءة أعلى في معاملاتها.
#4#
أيضا أضاف الدكتور خالد عبد الرحمن المشعل، عميد الدراسات العليا وأستاذ الاقتصاد المشارك في جامعة الإمام, أن الواقع المالي العالمي المعاصر أثبت أن كثيرا من الأزمات المالية والاقتصادية تعود أسبابها إلى تبني المؤسسات والمصارف عمليات مالية تعتمد على صور متعددة من الغرر والغبن والتدليس، إضافة إلى قيامها على الربا فيما تتبناه من عقود واستثمارات مالية.
لذلك تبدو الفرصة الآن سانحة لتقديم المصرفة الإسلامية بشكل أكبر عالميا، خاصة أن كثيرا من المؤتمرات وورش العمل والبرامج المالية الدولية تركزت في الوقت الحاضر على الأدوات المالية الإسلامية وبقي الدور المهم للمؤسسات المالية الإسلامية لتقديم مقترحاتها في شكل قوي ومنظم لمستقبل رائع للعمل الإسلامي
#5#
أما لاحم الناصر، الخبير في المصرفية الإسلامية, فقد أوضح أن الأزمة المالية التي يمر بها العالم كشفت عن مدى هشاشة النظام المالي الرأسمالي، وفي الوقت نفسه كشفت أيضا عن صحة وصلابة الأسس التي تقوم عليها المالية الإسلامية، وقد عبر عديد من صانعي القرار في العالم عن ذلك حيث قال جوردن براون رئيس وزراء بريطانيا "البنوك الإسلامية أكثر أمانا، ومحافظها محمية بأصول حقيقية، وعملياتها ذات مردود جيد على الاقتصاد، ومربوطة بمشاريع رصينة وقوية، مؤكدا أن بلاده تحض على أن تكون لندن مركزا ماليا للبنوك والمصارف الإسلامية"، ولا شك أن الصيرفة الإسلامية بعد هذه الأزمة أصبحت محط أنظار الحكومات والمؤسسات المالية الغربية أكثر من أي وقت مضى، كما أتوقع أن تزداد ثقة الحكومات المحلية في الدول الإسلامية وعلى الخصوص دول الخليج العربي بنموذج الصيرفة الإسلامية، ولذا فهو يتوقع أن تشهد الصيرفة الإسلامية نموا غير مسبوق من حيث الأصول وعدد المؤسسات، حيث يتوقع أن تفتح أمامها أسواق جديدة لم تكن متاحة من قبل كالسوق الفرنسية والإسبانية واليابانية، كما يتوقع أن يتم سن كثير من التشريعات والقوانين المنظمة لهذه الصناعة التي تناسب خصوصيتها في كثير من دول رغبة في اجتذاب السيولة الإسلامية، حيث يتوقع أن يصل حجم أصولها بعد خمس سنوات من الآن إلى أربعة تريليونات دولار وفقا لتقرير بنك قطر الإسلامي، وهذا الأمر ليس ببعيد.




