الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

بدءاً من الانفجار الذي وقع في مقر برنامج الغذاء العالمي قبل أسبوعين كان هناك تزايد ملحوظ في العنف في أرجاء باكستان. فقد ركزت الهجمات، والتفجيرات الانتحارية وكذلك نمط هجمات الفدائيين على المؤسسات، وبالأخص المنظمات الأمنية في باكستان. والشيء الأكثر مفاجأةً كان الهجمة على قيادة الجيش، حيث ضربت قلب القوات المسلحة. وعند تلك اللحظة، أصبح من الواضح أن مختلف الجماعات المسلحة أعلنت الحرب على الحكومة، وهو حدث تزامن على نطاق واسع مع بدء العمليات العسكرية في جنوب وزيرستان.

هذه هي العملية الثالثة في المنطقة، وحيث نفذت قبلها عمليتان في عامي 2004 و2005، حين توجه الجيش الباكستاني إلى جنوب وزيرستان، وانتهى به الأمر وهو يتفاوض من أجل تحقيق السلام. وبينما الرواية التاريخية التي تقشعر لها الأبدان، هي أن الجيش البريطاني توجه إلى وزيرستان في فترة الثمانينيات من القرن الـ 19، ومن أصل عدة آلاف من الرجال، عاد رجل واحد بقي على قيد الحياة يمتطي ظهر حمار.

إن عمليات جنوب وزيرستان، المعروفة بـ «عمليات راهي نجات»، لن تكون سهلة، لعدة أسباب. أولاً، إن المنطقة في جنوب وزيرستان تُركت لتكون ملاذاً لمختلف مجموعات طالبان، التي اتحدت بقوة في الآونة الأخيرة. وبأهداف مختلفة من تطابق الأسماء عبر حدود أفغانستان، لم يكونوا يُعتبرون في البداية كتهديد للحكومة الباكستانية. وبالنسبة للبعض، كان يُنظر إليهم على أنهم فئة «طالبان» الجيدة، ربما ليكون بالإمكان استخدامهم من جانب أجزاء من المؤسسة الباكستانية. لذا، تُركوا بسلام بينما أنكر السياسيون أن هناك مشكلة، أو أن تلك المجموعات كانت موجودة أصلاً في المنطقة. ومنذ أن انقلبت المجموعات بصورة سيئة، على سبيل المثال، إلى مهاجمة المؤسسات الباكستانية، فقد انقسمت تلك المؤسسات نفسها فيما يتعلق بما إذا كان عليها القضاء عليهم بالكامل، أو محاولة الحفاظ على وجود بعض المجموعات المتعاطفة. وفقط بعد المجموعة الأخيرة من الهجمات في إسلام أباد، ولاهور، توصلت الحكومة إلى الحس المنطقي، وقررت إطلاق هجوم شديد ضدهم.

وثانياً، إن وزيرستان ليست سوات، حيث حارب الجيش في الآونة الأخيرة المسلحين، حيث إن تضاريس المنطقة أصعب بكثير، كما أن المسلحين والنظام القبلي متشابكان مع بعضهما بعضا، فهؤلاء ليسوا دخيلين (باستثناء بعض محاربي الأوزبك الذين ضاعوا بين تلك الجبال). وبعيداً عن ذلك، فإن الجيش الباكستاني متأهب لمحاربة جيش آخر، وهو الجيش الهندي، وليس الدخول في حرب عصابات.

والأمر الأخير، ولكنه الأهم، هو أن الجيش الباكستاني مطلوب منه أن يحارب أناسه وشعبه. ومن المثير أن قنوات تقارير الأخبار التي تصدر كل ساعة تتحدث عبر محطات التلفزيون عن أعداد من المسلحين الذين قُتلوا، وأعداد جنود الجيش الذين استشهدوا. وبالفعل، فإن وسائل الإعلام تتنصت على محادثات المتمردين، محاولةً ابتكار حوار بيننا وبينهم، والهدف من ذلك هو أن الحكومة تنوي الفوز بالحرب الدعائية.

وبرغم ذلك، فإن معظم سكان باكستان لا يتقبلون ما تغذيهم به وسائل الصحافة والحكومة. وفي حفلات الاستقبال في أرجاء لاهور وكراتشي، فإن الباكستانيين منقسمون بعمق حيال عمليات راهي نجات. وبرغم الهجمات الإرهابية، حتى على الجامعة الإسلامية الدولية في الـ 20 من تشرين الأول (أكتوبر) 2009 في إسلام أباد، وهي هجمة أظهرت أن الأهداف المدنية لم تكن خارج نطاق الأهداف المحددة، هنالك عدد من المناظرات التي تشير إلى أن البلاد ليست متحدة خلف قواتها المسلحة.

إن لدى الكثير من الناس في أرجاء البلاد بعض التعاطف مع مختلف مجموعات طالبان الذين يرونهم يحاربون بوجه حق حكومة في جيب أمريكا. وقد أججت الهجمات الطنانة، والإصابات التي لحقت بالمدنيين نتيجة لذلك، المشاعر المعادية للولايات المتحدة في مختلف قطاعات المجتمع. ولكن هذه العواطف لم تنحسر بشدة، حتى في ضوء الإرهاب ضد سكان باكستان المدنيين. ولا يزال الكثير من الناس يعتقدون أن الجيش الباكستاني يقاتل في حرب بأوامر من واشنطن، وهي ليست حربه. والآن، بما أن الجيش يقتل الباكستانيين، فإن كثيرين يرون أنه من الصعب دعم سياسة الحكومة.

وهناك أولئك الذين يسألون بصورة مشروعة عمنّ يموّل المسلحين، وكيف تمكنوا من الحصول على التكنولوجيا الضرورية لمحاربة جيش مجهّز بصورة جيدة. ومن بين هذه المجموعة، تسود نظريات «اليد الأجنبية». فهل هي الهند، أو إسرائيل، أو حتى الولايات المتحدة تلعب لعبة مزدوجة؟ ومن يريد أن تفشل باكستان؟ وهل تمزيق باكستان هو الهدف المطلق لليد الأجنبية أم مجرد تأمين مواقع الطاقة الذرية؟ هناك قصص تدور حول العملاء الأجانب الذين وُجدوا، سواء مع اختفاء اللحى، أو حتى غير المختونين، فهم بالتأكيد ليسوا مسلمين. في الحقيقة، يتمادى البعض بالقول إن المسلمين لا يقتلون غيرهم من المسلمين، ولابد أن يكون المسلحون أجانب. ولطالما اُتهمت الهند بكونها متورطة في هذا الأمر، كونها تعتبر أن لها يدا في عصيان بلخستان. وإن ندب انفصال بنجلادش في عام 1971 تركت إرثاً دائماً. وبما أن العلاقات الثنائية هبطت في انخفاض جديد، فإن وزير داخلية باكستان، رحمان مالك، صرّح قبل عدة أيام، أن الهند هي خلف جميع الهجمات الإرهابية في باكستان.

إن ما تظهره وجهات النظر هذه هو أن شريحة واسعة من سكان باكستان ليسوا مع الحرب في جنوب وزيرستان، وذلك برغم قول الوزير الاتحادي للإعلام والإذاعة، كمار زمان، يوم الإثنين الماضي، إن الحرب ضد الإرهاب تتمتع بدعم كامل من الشعب. وقد فشلت موجة النشاط الإرهابي في الأسابيع القليلة الماضية في توحيد البلاد. وفي الوقت نفسه، قد تكون المشكلة متأصلة في الحرب في أفغانستان، فاليوم أصبحت تلك مشكلة باكستانية، بينما يتقاتل المسلحون مع الحكومة. وبينما يقتل مسلحو باكستان رجال الشرطة الباكستانية، والجنود، والمدنيين، أصبحت هذه حرباً باكستانية. وبناءً على ذلك، فإنها قد تكون أكبر تحدٍ تواجهه البلاد والحكومة لاستمالة المواطنين لدعم الحكومة. وإن الفشل في القيام بذلك يمكن أن يعني حرباً أهلية أسوأ بكثير مما يتم خوضه من معارك في الوقت الراهن تحت اسم راهي نجات.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: opinionasia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية