القائمون على البنوك المركزية في كافة أنحاء العالم يوجهون لأنفسهم السؤال نفسه: ما الوقت المناسب للبدء في الخروج الكبير. من المؤكد أن هذا لا يمكن أن يكون الآن، أم أنه ممكن؟ في اعتقادي أن الجواب الصحيح: ربما ليس الآن، لكنه أبكر مما تعتقدون.
سيكون الخروج عملية متعددة المراحل. وستختلف التفاصيل الفنية من بنك مركزي إلى آخر. بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، أتوقع أن يبدأ البرنامج بسحب عمليات إعادة التمويل ذات المدى الطويل، يتبعها تشدد لسلوك سياسات السيولة العادية. وقبل أن يباشر البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار فائدته الرئيسية على القروض قصيرة الأجل، سيعمد أولاً إلى رفع الفائدة على الودائع - الفائدة التي تستطيع البنوك أن تودع فائضها النقدي على أساسها.
وهناك كثير مما ينبغي عمله قبل رفع أسعار الفائدة. ولذلك الأمر سيستغرق بعض الوقت. وفي ضوء الفقاعات التي بدأت تستفحل بالفعل في عدة أسواق، ربما تكون هذه العملية متأخرة جداً. ففي الآونة الأخيرة قدم رونالد مكينون*، أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة ستانفورد، حجة مقنعة لتطبيق زيادة متواضعة في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة. قال إن من شأن هذه الزيادة أن تساعد أسواق النقد في العودة إلى الوضع الطبيعي، وتعزز وضع الدولار، وتساعد الصين في تحقيق الاستقرار لاقتصادها. وأنا أعتبر حججه معقولة، لكن نصيحته لن يؤخذ بها.
من جانبي أضيف سببين آخرين يبينان لماذا ينبغي أن يقترب وقت رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل. الأول، أن التدني الشديد لمستوى أسعار الفائدة الاسمية، إضافة إلى البرامج التي نفذتها البنوك المركزية لشراء الموجودات أديا إلى تشكل فقاعة قوية في أسواق السندات يمكن أن تتضخم أكثر إذا بقيت أسعار الفائدة الحقيقية عند مستويات قريبة من الصفر. وحتى لو لم تكن أسعار الفائدة الحقيقية متدنية للغاية، فإن ما يهم هنا هو الأسعار الاسمية.
ففي أوروبا يتبين من أحدث عملية مسح أجراها البنك المركزي الأوروبي لنشاط الإقراض الذي تمارسه البنوك، أن الجزء الأسوأ من أزمة الشح الائتماني ربما يكون قد انتهى، وأن الطلب على الائتمان وفتراته سيبدآن بالزيادة في الأشهر المقبلة. وبعد أن تهدأ مشكلة الشح وأسعار الفائدة الاسمية عند مستويات قريبة من الصفر، أتوقع حدوث تحسن كبير في الائتمان. ورفع أسعار فائدة الأجل القصير إلى مستوى متدن حول 2 في المائة في المستقبل القريب، يمكن أن يساعد في منع تشكل فقاعة ائتمان أخرى وأن يحتوي فقاعة السندات. أما إذا انتظرت البنوك المركزية وقتاً أطول من اللازم حتى تقدم على هذه الخطوة، مثلما فعلت بعد الركود السابق، فإن الفقاعة يمكن أن تتضخم أكثر وسيتعين على السياسة النقدية أن تنفسها فيما بعد. وربما يؤدي ذلك إلى حدوث انكماش خطير.
السبب الثاني الذي أسوقه من أجل رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو تراكم الدين السيادي. إنني أتعاطف بعض الشيء مع تردد الحكومات في سحب تدابير السياسة المالية التي اتخذتها. والسبب في ذلك أنه سيكون من الخطورة البالغة أن تقوم بغير ذلك. فقد أعلنت حكومة يمين الوسط في ألمانيا الأسبوع الماضي ما يعتبر من الناحية الفعلية حزمة تحفيز أخرى لعام 2010، على أن يتبعها إجراء تخفيضات على ضريبة الدخل في 2011. وبالنسبة إلى فرنسا، فهي تتجه نحو عجز أعلى بصورة دائمة، ولذلك معاهدة تحقيق الاستقرار والنمو في أوروبا معلقة من الناحية الفعلية.
ويعتبر وضع حزمة تحفيز جديدة من المواضيع التي تجري مناقشتها أيضاً في الولايات المتحدة. وتعتبر هذه الحزمة أمراً غير وارد بالنسبة للمملكة المتحدة وإسبانيا، البلدان اللذان استنفدا هامش المناورة لديهما. وأظهرت بعض البحوث الاقتصادية ** التي أجريت أخيرا أن برامج التحفيز تكون فعالة بشكل خاص عندما تكون أسعار الفائدة متدنية جداً. ولا غرابة إذن في أنه حتى المتحفظون في الشأن المالي، كالألمان، يقترضون حالياً كما لو لم يكن هناك غد. لكن من المؤكد أن هذا لا يمكن أن يستمر ولن يستمر إلى الأبد.
ومع توجه الاقتصاد العالمي إلى تعاف غير مؤكد بعد، يصبح من غير المناسب الدوس الآن على الكوابح المالية، لكن ربما كان الوقت مناسبا لتشدد نقدي معتدل. إن تفكيك إجراءات السياسة غير العادية، كالتخفيف الكمي، ينبغي أن تكون خطوة أولى على هذا الصعيد، لكن من دون أسعار فائدة أعلى هناك خطر في أن تؤدي هذه السياسة إلى تجدد عدم الاستقرار المالي، الأمر الذي يمكن أن يكون من الصعب والمكلف حله. وحتى برفع أسعار الفائدة الاسمية إلى 2 في المائة، كما يقترح البروفيسور مكينون، فانها تظل متدنية بالمقاييس التاريخية.
وبطبيعة الحال، لا يتعين على جميع البنوك المركزية أن تفعل الشيء نفسه في الوقت نفسه. ومن أجل مصلحة الاقتصاد العالمي سيكون من المفضل بالفعل أن يقود بنك الاحتياطي الفيدرالي عملية الخروج، لأن من شأن ذلك أن يساعد في منع تراجع الدولار على نحو يتسم بالاضطراب. وإذا قيض لبنك الاحتياطي الفيدرالي أن يكرر أخطاء السياسات التي ارتكبها في عامي 2003 و2004، سيكون من الصعب مرة أخرى على البنوك المركزية الأخرى أن تتبنى سياسة مختلفة. وإذا أخذ البنك الأوروبي زمام القيادة بين البنوك المركزية الكبرى ربما يرتفع اليورو إلى مستويات لا يمكن تحملها. وهناك فرصة لا بأس بها لحدوث ذلك، لأنني أتوقع أن يتزايد ارتعاش البنك المركزي الأوروبي مع خروج منطقة اليورو من الركود.
إنني أدرك أن تجارب الكساد العظيم والتجارب التي مرت بها اليابان في تسعينيات القرن الماضي، ستؤدي إلى التوصل إلى نتيجة مختلفة غير رفع أسعار الفائدة خلال فترة قصيرة بعد وصول الأزمة إلى ذروتها. ففي اليابان، ما من شك أن البنك المركزي أخطأ في رفع أسعار الفائدة في وقت مبكر جداً. لكن اليابان لم تشهد بداية جولة أخرى من تتابع فقاعات أسعار الموجودات على النحو الذي نشهده اليوم.
إننا في وضع مختلف اليوم وهذا الوضع يتطلب رداً مختلفاً على صعيد السياسات. وإذا تمسكنا بسياسة الإبقاء على أسعار الفائدة عند الصفر فترة أطول من اللازم، فإننا نخاطر بحدوث عدم استقرار مالي بدرجة أكثر تطرفاً وتكلفة من الأزمة المالية الأخيرة.
Raise interest rates to increase lending, Martin Wolf's Economists' Forum, October 29 2009
When is the government spending multiplier large? Lawrence Christiano, Martin Eichenbaum, Sergio Rebelo, NBER Working Paper 15394

