الأحد, 13 سبتمبر 2026|30 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

الدليل المؤيد لاتخاذ إجراءات مسألة معقدة، لكن لا بد منه.

بينما تقترب قمة كوبنهاجن التي تعقد في الشهر المقبل، يجب ألا يتم تشتيت انتباه زعماء الدول بما يبدو من زيادة في الأصوات المشككة، التي تتحدى الحاجة إلى إجراء عالمي لمواجهة التغير المناخي. ربما تكون لدى بعض المشككين خلفيات علمية، لكنهم لا يعملون في المجالات الرئيسية للأبحاث الحديثة فيما يتعلق بالتغير المناخي. وليس هناك من شك لدى الخبراء الحقيقيين، وهم مئات من العلماء على نطاق العالم ممن يبحثون في العلاقة بين المناخ والانبعاثات الغازية السامة، في أن الاحتباس الحراري الذي يحدثه بنو البشر يمثل أزمة فعلية لا بد من معالجتها على وجه السرعة.

حين يختلط العلم مع السياسة، على العلماء تبسيط حججهم لتمكين السياسيين من التعامل مع القضايا ذات العلاقة. التعقيد الشديد لعلوم المناخ، من الفيزياء الجوية إلى أبحاث الكتل الجليدية القطبية، يجعل إيصالها إلى الأفهام أصعب من بعض المسائل المستندة إلى العلوم، مثل السياسات الفضائية، والخلايا الجذعية، وفيروس الإيدز. وكانت هناك مبالغة حتمية في التبسيط المفرط ـ مع تضخيم في بعض الأحيان من مجموعات البيئة المتحمسة لعرض تهديد الاحتباس الحراري بأوضح صورة ممكنة.

وأهم نقطة ينبغي استيعابها فيما يتعلق بالاحتباس الحراري هي أنه لم يتخذ شكلا متجانسا ولا سرعة قابلة للتوقع ولن يكون له شيء من ذلك مستقبلا. وكما يحب أن يشير المشككون، عام 1998 كان العام الأعلى حرارة حسب السجلات العالمية (بسبب الكثافة الخاصة لظاهرة النينو في المحيط الهادئ). غير أن حرارة التكوينات المحلية حرارتها بصورة ملحوظة منذ ذلك الحين، وبالذات في المناطق القطبية، حيث تراجعت كتل الجليد الصيفية بصورة تبعث على القلق خلال السنوات الخمس الماضية.

من الأخطاء الشائعة محاولة رسم خط يميز بين التغير المناخي الناجم عن «بني البشر» وذلك الناتج عن «أمور طبيعية». فالنتائج الحقيقية على تغير المناخ تنجم عن تفاعل معقد بصورة غير عادية بين التغير الطبيعي والتأثير البشري متزايد الأهمية.

وتظهر السجلات الجيولوجية أن التغير المناخي الطبيعي يمكن أن يحدث بصورة سريعة ـ في مناسبات عدة خلال الـ 20 ألف عام الماضية ارتفعت درجات الحرارة عالمياً، أو انخفضت عدة درجات خلال قرن من الزمن. ويبدو أن المتشككين يحصلون على الراحة في بعض الأحيان من هذا التغير الطبيعي، لكن بالنسبة إلى عالم مناخ ذي إحساس بالتاريخ، فإن هذه التقلبات الشديدة في الماضي يمكن أن توصف بأي شيء، عدا أنها مريحة. وهم يقولون إن هناك خطراً حقيقياً (رغم أن من المحتمل أن يكون صغيراً) من أن نطلق شرارة تغير مناخي كارثي خارج حدود السيطرة، من خلال ضخ ثاني أوكسيد الكربون في الجو إلى مستويات لم تشهدها ملايين السنوات الماضية.

إن المناخ المستقبلي أمر غير قابل للتوقع بطبيعته. ولأغراض تتعلق بالتخطيط، يحتاج صانعو السياسة إلى إسقاطات توقعية للتغيرات المناخية قبل عقود من حدوثها. ويساير العلماء ذلك من خلال إصدار توقعات توافقية عبر جهات مثل «هيئة ما بين الحكومات للتغير المناخي».

تذكّر أن الأرقام ليست توقعات مؤكدة. وإذا كان المناخ أقل حساسية للغازات السامة المتزايدة مما تقوله نماذج التوقع، وإذا حدثت أمور طبيعية غير متوقعة، مثل تراجع خفيف في إشعاع الشمس، أو نشاط بركاني استثنائي، فإننا يمكن أن نحصل على تسخين قليل. وأكثر احتمالات ارتفاع درجات الحرارة العالمية يراوح بين درجتين تظلان تحت السيطرة، وأربع درجات تحمل معها احتمالات الكوارث، اعتماداً على مدى سرعة العالم في السيطرة على الانبعاثات الغازية. وربما تكون الأمور أسوأ من ذلك بكثير.

في نهاية الأمر، حين تجتمع كل عوامل عدم اليقين مع وجهة نظر العلماء بأننا نفعل أشياء لها تأثير مهم على المناخ العالمي، عندها يصبح هناك سببب وجيه كي يستثمر العالم مئات المليارات من الدولارات من أجل تخفيض الانبعاثات الكربونية، لضمان الدفاع ضد التغير المناخي الكارثي الذي يمكن أن يدمر الحضارة الصناعية. وهذه قضية يطرحها بصورة مقنعة، مارتن فايتزمان، عالم الاقتصاد في جامعة هارفارد.

من حسن الحظ أن العلم يزداد وضوحاً حين ننتقل من توقعات المناخ إلى تقييم أفضل وسائل تقليص انبعاثات الغازات السامة في الجو. وعليك أن تتناسى أمر المقترحات الموجهة إلى فئة محدودة تفهمها حول «الهندسة الجيولوجية» لتبريد كوكب الأرض، لأن التكنولوجيا الموجودة بالفعل (أو التي هي قيد التطوير) يمكنها أداء هذه المهمة جيداً من خلال زيادة كفاءة استخدامنا للطاقة المنتجة من مصادر كربونية.

إن أقل إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة بريقاً، مثل عزل المباني بصورة ملائمة وزيادة كفاءة النقل، لا تزال أمامها مساهمات ضخمة ينبغي عليها تقديمها. وكذلك هي حال الطاقة النووية ومختلف أشكال الطاقة المتجددة؛ الشمس، والرياح، والأمواج، على الرغم من أن من المهم والأساسي الاستثمار في تقنية «الشبكة الذكية» لتحقيق أفضل استخدام من كل ذلك. وبينما تبدأ المفاوضات النهائية السابقة لمفاوضات كوبنهاجن في برشلونة، فإن تعليقاً افتتاحياً في عدد الغد من «فاينانشيال تايمز» سيحدد السياسات التي يمكنها أن تحدث فارقاً فعلياً في التغير المناخي دون التسبب في تعطيل غير مقبول لمسيرة الاقتصاد العالمي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية