هناك أسطورة تبعث السرور بشأن الدورة التجارية، وهي أنها مجرد تذبذب حول اتجاه أساسي معين. ويكون الإنتاج في وقت الطفرة أعلى من المستوى المستدام، بينما يكون أثناء الانكماش أدنى من هذا المستوى. ويمكن تعديل العجوزات في الميزانية، بل يجب تعديلها، خلال مرحلة الانكماش من خلال الفوائض التي كانت موجودة أثناء سنوات الطفرة. وسواء كنت متفائلاً، أو متشائماً بشأن جعل السياسات مستقرة، فإنها موجودة في مجال خاص بها، ويمكن أن تركز السياسة الاقتصادية على ما يطلق عليه تدابير «جانب العرض».
لسوء الحظ، هذه الصورة المتناسبة الجميلة تكذبها الحقائق. وهناك اتفاق واسع الانتشار بأن الضرر الذي يحدث أثناء الانكماش المرتبط باتجاهات أزمة مالية، يكون ضعفي شدته مقارنة بانكماش ليس مرتبطا بأي أزمة. والأهم من ذلك هو اكتشاف أن جانباً كبيراً من الخسائر في الإنتاج أثناء انكماش شديد يكون بشكل دائم، ولا يعود الاقتصاد على الإطلاق إلى خط اتجاهه القديم. وأثبت ذلك بتفصيل إلى حد ما، الراحل كريستوفر داو في دراسته التي حملت عنوان «انكماشات رئيسية»، ونشرت عام 1998. ورغم أن تلك الدارسة كانت دقيقة، وكمية، إلا أنها لم تضرب على الوتر الصحيح بالنسبة لعلماء الاقتصاد الكلي في يومنا هذا. وعلى أية حال، أحدث تقرير عن آفاق الاقتصاد العالمي صادر عن صندوق النقد الدولي، يشير في فصله الرابع إلى ذلك الأمر.
يقدر مؤلفو تقرير صندوق النقد الدولي أنه بعد حدوث أزمة مالية يبقى الإنتاج أدنى بنسبة 10 في المائة عن اتجاهه السابق في الأجل المتوسط، والذي يحددونه بسبع سنوات. وهذا بطبيعة الحال متوسط يتسم بتباينات واسعة النطاق على الجانبين. ففي تشيلي بعد عام 1981، وفي المكسيك بعد عام 1994، سرعان ما ارتفع الإنتاج إلى أعلى بكثير من اتجاهه السابق، بينما تأخر في اليابان بعد عام 1997 لعدة سنوات. وربما يعطي تقدير المعدل انطباعاً مبالغاً فيه عن خسارة الطاقة الإنتاجية المستمرة. وربما يتأثر بآثار الانكماش المتبقية التي يمكن أن تستغرق أكثر من سبع سنوات لتختفي. وتقدر وزارة المالية البريطانية، مثلا، الخسارة الدائمة في الإنتاج بنحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
تشكل البلدان التي تعيش حالياً وسط أزمة مصرفية ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي الفعلي للاقتصادات المتقدمة. ويماثل هذا مجموع الناتج المحلي الإجمالي المدمج البالغ 40 ألف مليار دولار سنوياً. وعند تطبيق نسبة الـ 5 في المائة على خسارة الإنتاج الدائمة، فإن الفجوة الناتجة في الاقتصاد العالمي تصل إلى ألفي مليار دولار. والعزاء القليل فقط هو أنه وفقاً لصندوق النقدي الدولي «الاقتصادات التي تطبق حوافز مالية ونقدية مضادة للدورات في الأجل القصير لتخفيف الهبوط بعد حدوث أزمة، تميل إلى أن تعاني خسائر مماثلة في الإنتاج خلال الأجل المتوسط».
إن الأمر المثير للاهتمام على نحو كبير هو أن هذه الدراسات تظهر عودة حتمية إلى معدل النمو خلال فترة ما قبل الأزمة من هذا المستوى الأدنى. ولا يسعني إلا التعليق بأن هذه تمثل نتيجة مناسبة بالنسبة لصانعي السياسة. وبغض النظر عن مقدار اللوم الموجه إليهم بسبب الانكماش بحد ذاته، إلا أنه يبدو أن الإنتاج في مرحلة التعافي يعود بخط اتجاه جديد، ولو أدنى، ولا يمكن اعتبارهم كذلك، بشكل واضح، مخطئين بسبب النمو غير الملائم.
يشير التحليل المفصل لصندوق النقد الدولي إلى أن البطالة الهيكلية الأعلى، والتراكم الأبطأ لرأس المال، ونمو الإنتاجية الأدنى، تلعب جميعها دوراً مهماً في تفسير الخسارة الدائمة في الإنتاج بعد حدوث أزمة مالية. ويسلط المعهد الوطني البريطاني الضوء على السعر الأعلى للمخاطر الذي من شأنه زيادة التكلفة الفعلية لرأس المال، وينطوي على حصة أعلى لملكية الأسهم في سوق البورصة.
مع ذلك، شخصياً لست مقتنعاً تماماً. ووفقاً لرؤية كينز، الملخصة في الفصول القليلة الأخيرة من كتابه «النظرية العامة» General Theory، هناك ميلاً مزمنا نحو الادخار لتجاوز فرص الاستثمار الحقيقية. وبناء عليه يتحقق التشغيل الكامل في حالات نادرة فقط، مثل أوقات الحرب، وعند ذروة الطفرة. وبحسب هذا التحليل، خسارة الإنتاج بعد الانهيار ليست الأمر الذي ينبغي تفسيره، وإنما المستويات العالية غير المستدامة التي سبقته. وهو بناءً على ذلك، أيد أسعار الفائدة المتدنية بشكل دائم لتخفيف الميول باتجاه التضخم المصحوب بركود. لم تبدُ هذه الصورة منطقية في عقود ما بعد الحرب، لكنها ربما تأتي الآن بطبيعتها مع ظهور فوائض الادخار الآسيوية المزمنة.
إذا كانت الصين، والبلدان الأخرى، مدخرين مزمنين بإفراط، فمن يكون المقترضون بإفراط؟ إنهم، ولسنوات عديدة، أولئك المستهلكون في الاقتصادات التي على غرار الاقتصاد «الأنجلو ــ ساكسوني». لكن حتى إن لم تكن هناك أزمة مصرفية، فإنهم عاجلاً أو آجلاً سيخرجون عن حدود الحذر فيما يتعلق بنسب الديون الخاصة بهم. ويترك ذلك الأمر السلطات الحكومية لتقوم بعمليات الاقتراض. لكن ربما يكون الموقف الصحيح هو موقف أوغستين المتمثل في «اجعلني فاضلاً، ولكن ليس بعد»، وتمتد عبارة «ليس بعد» إلى فترة طويلة في المستقبل.

