حين كان أصدقاء سعيد الرميثي يهاتفونه في مكان عمله الجديد، فإنهم غالباً ما كانوا يضحكون بصوت خافت. وبإمكانهم سماع قرقعة الآلات الثقيلة في الخلفية، أو ضجيج أفران مصنع الفولاذ. ويقول الرميثي، الذي يعتبر جاكيت العمل أزرق اللون الذي يلبسه مع الجينز، متناقضاً مع الثوب الأبيض الناصع الذي يعتبر اللباس الرسمي لمعظم زملائه الإماراتيين : «لقد اعتادوا الاستهزاء بي حين كانوا يهاتفونني ويسمعون كل هذا الضجيج».
إن رد فعلهم هذا ليس مفاجئاً. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، عندما جلب الارتفاع الحاد في أسعار النفط ثروة إلى الخليج، اكتسب مواطنوه سمعة تفادي العمل الذي يمكن أن يخاطر بمواجهة العرق والأوساخ، مفضلين بدلاً من ذلك أجنحة المكاتب المزودة بالتكييف في شركة نفط تملكها الدولة، على سبيل المثال، أو صندوق ثروة سيادية. وكانت الحكومات تزود شبكات الأمان الاجتماعي التي كانت تجمع الخريجيين، وتوزع وظائف مدى الحياة في القطاع العام.
إن ذلك بمثابة استثناء يبدو غير مستدام الآن في الوقت الذي يتضخم فيه عدد السكان، وتتجه فيه الأنظار إلى المستقبل عندما يستنزف النفط. وهكذا أصبحت الحاجة إلى تنويع الاقتصادات وتطوير القطاعات الخاصة فكرة شائعة.
غير أن أبو ظبي ــ حيث يشغل الرميثي منصب نائب رئيس العمليات في مصنع الصناعات الفولاذية الإماراتي ــ تدفع قدماً باتجاه ما يعتبر بشكل مثير للجدل البرنامج الأكثر طموحاً بينها جميعاً. وتم الإعلان عن ما قيمته أكثر من 300 مليار دولار (200 مليار يورو، 181 مليار جنيه إسترليني) من البنى التحتية والمشاريع العقارية لعاصمة الإمارات، ويتم إنفاق المزيد من مليارات الدولارات كذلك بواسطة الأدوات الاستثمارية للدولة للوصول إلى التقنية الأحدث، وإغراء الشركات للحضور إلى الإمارة.
تخطط أبو ظبي لأن تكون المدينة المعترف بها دولياً بحلول عام 2030، بمزيج من السياحة الثقافية عالية المستوى، والتقنية، والصناعات الأخرى التي تحتاج إلى رأسمال، وطاقة، مكثفين. وتضع الإمارة نفسها بمستوى يقابل ما تصفه «باقتصادات التحويل» مثل سنغافورة، ونيوزلندا، والنرويج ــ بلدان صغيرة اتبعت نماذج تطوير ناجحة.
بقيامها بذلك، فإن الإمارة تستهدف قطاعات ساعدت بدفع اقتصادات «النمور» الآسيوية، ممزوجة بمشاريع بناء تقارن بدبي المندفعة. والفرق هو أن ثروات أبو ظبي النفطية الأكبر تعني أنها تنجز ذلك من مركز مالي أكثر صلابة.
وبينما ينتج الإماراتيون أجزاء عالية التقنية لزبائن يشملون شركة إيرباص، على سبيل المثال، بإمكان أبو ظبي أن ترى في المستقبل السياح الأثرياء وهم يقضون نهاراً على «جزيرة ثقافية» في فروع متحفي اللوفر Louvre ، وغوغنهايم Guggenheim ، اللذين سوف تستضيفهما. وبعد ذلك، يمكن أن ينتقل الزوار إلى ميناء فضائي، ويختبرون رحلة شبه مدارية. وهذا هو الحلم، على الأقل.
قلة يشككون في أن لدى أبو ظبي الثروة التي يمكن أن تدفعها قدماً لتحقيق أهدافها. فهي تملك ثاني أعلى مستوى في العالم من احتياطيات النفط والغاز، ومثيله في الإنتاج لكل فرد، بعد جارتها قطر، وذلك وفقاً لوكالة التصنيف «موديز» Moody’s.
طوال عقود زمنية، كان حكامها يخبئون الفوائض في سلطة أبو ظبي للاستثمار، التي تعتبر عموماً أكبر صندوق سيادي في العالم، وتقدر أصوله بنحو 400 مليار دولار. وارتفع الإنتاج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد إلى 87 ألف دولار في العام الماضي، الأمر الذي جعلها من أغنى المواقع في العالم.
وصل الإنفاق حديثاً إلى أقصى وأوسع الحدود أثناء بحثها عن المواهب والخبرة. وفي الشهر الماضي، أضافت أبو ظبي إلى مجموعتها من الأصول عندما أعلنت شركة استثمارات التقنية المتقدمة ،»أتيك» Atic، Advanced Technology Investment Company إنها كانت تقوم بالاستحواذ على «شارترد» Chartered، مصنع شبه الموصلات في سنغافورة، ضمن صفقة تبلغ قيمتها الإجمالية 3.9 مليار دولار. وظهرت «أتيك» من المجهول في العام الماضي بإعلانها أنها كانت تستثمر 2.1 مليار دولار في مصنع شبه موصلات في الولايات المتحدة بالتعاون مع شركة أيه إم ديه. وتنفق «أتيك» قرابة ستة مليارات دولار لبناء مرافق تصنيع جديدة في ألمانيا، ونيويورك.
تعطي الصفقة «أتيك» انكشافاً عالمياً، وفرصة للتغلب على هيمنة صناعة الرقائق التايوانية على سوق تقتضي الكثير من الأموال التي تتفاخر أبو ظبي في امتلاكها. وفي أقل من عام، مضت من نقطة الصفر إلى السيطرة على نسبة 18 في المائة من عقود إسناد مهام التصنيع إلى مصادر خارجية في قطاع الصناعة.
يتمثل الهدف في الوصول إلى نسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة من حصة السوق في غضون ثلاثة إلى خمسة أعوام، واعترفت أن الأمر سوف يستغرق خمسة أعوام على الأقل قبل أن تحصل على عائد على استثمارها، حسبما يقول إبراهيم عجمي، الرئيس التنفيذي لشركة أتيك. كما أن تأسيس مرفق تصنيع محلي جزء من خططه كذلك. ويقول عجمي: «يتعلق ذلك بجلب أشخاص على درجة عالية من المعرفة، وتدريب جيل جديد من المهندسين، والعلماء، والمشغلين، وغرس ذهنية جديدة تماماً حول طريقة عملنا، وماذا ننتج».
تعتبر «أتيك» واحدة من المنشآت الاستثمارية المتزايدة بشكل ثابت التي تسعى إلى تحقيق أهداف عالية بالمثل. وتشمل الصفقات التي ينجزها آخرون مثل شركة مبادلة Mubadala ، وشركة آبار Aabar، الاستحواذ على حصص في شركة ديملر Daimlerالألمانية، و»فيرجن غالاكتك» Virgin Galactic، مشروع السياحة الفضائية الذي يملكه السير ريتشارد برانسون، فضلاً عن مشاريع مع مجموعة إي أيه دي إس EADS ، وشركة جنرال إلكتريك General Electric، وشركة رولز رويس Rolls-Royce.
بالإمكان تتبع التحول الذي يجري حالياً إلى عام 2004 الذي أدخل فيه جيل جديد إلى السلطة بقيادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الإمارات وحاكم أبو ظبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي العهد.
يُنظر إلى الشيخ محمد، خريج كلية ساندهيرست البريطانية البالغ من العمر 48 عاماً، ومجموعة من التكنوقراط على أنهم القوى الدافعة خلف هذه الثورة. ويمكن النظر إلى الرميثي في مصنع الصناعات الفولاذية الإماراتي من عدة نواحٍ على أنه نموذج لما يسعى القادة إلى تحقيقه. وحصل الرميثي البالغ من العمر 34 عاماً، المرسوم على الخوذة الصلبة التي يلبسها علم إماراتي، على شهادة الهندسة في الولايات المتحدة، وتولى وظيفة مكتبية في الشركة الأم لمصنع الصناعات الفولاذية الإماراتي، وبعدئذ، وأثناء بحثه عن تحدٍ جديد، انتقل إلى مصنع الفولاذ ذاته، وشق طريقه صعوداً إلى أن وصل إلى اللجنة التنفيذية.
يقول خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة: «إننا ننظر إلى صناعات تتطلب عناصر ذات رأسمال وطاقة عاليين، وهاتان ميزتان تنافسيتان نمتلكهما. ثم تنظر إلى العنصر الإماراتي، فنجد أن لدينا صناعات تحتاج إلى عمالة مكثفة، وهنا بمقدورنا اجتذاب النوعية المناسبة من الإماراتيين، وتدريبهم، ومن ثم وضعهم في مزيج التكلفة ذلك».
مع ذلك، فإن المشكلات المحتملة في المستقبل في الوقت الذي تحاول فيه أبو ظبي تجاوز الصناعات الأساسية مثل الفولاذ والصناعات البتروكيماوية، إلى المجالات الفنية بشكل متزايد، كبيرة للغاية. وسوف تكون إحدى القضايا الرئيسة هي الموارد البشرية المحدودة في أبو ظبي، حيث أن العديد من كبار المسؤولين لديهم فعلياً أدوار متعددة.
يأتي بعد ذلك نظام التعليم في الإمارات العربية المتحدة: إنه ضعيف للغاية بحيث أن نحو ثلث ميزانية وزارة التعليم العالي يتم إنفاقها لجعل مستوى خريجي المدارس الثانوية في مستوى يتيح لهم الدراسة في جامعة محلية. وفي حين أن نظام سنغافورة في احتضان جنسية مزدوجة للاحتفاظ بالعمال المهرة في الأجل الطويل، إلا أنه ما زال على الإمارات أن تحذو حذوها على الرغم من الاعتماد الشديد فعلياً على العمال المغتربين.
يقول سيروس بهبهاني، وهو تنفيذي شرق أوسطي رفيع المنصب في بنك مورجان ستانلي Morgan Stanley، البنك الاستثماري الأمريكي، إنه إذا كان سيتم تنفيذ تأسيس مرافق لصنع شبه الموصلات في الخارج بشكل مستقل، «فلن يكون ذلك اقتصادياً أو من الممكن تحقيقه». ولكن كجزء من التجمع والمشاريع العالمية»، فإن الاحتمالات بأن تكون شركة أتيك قادرة على تنفيذ مثل ذلك الانتقالات ازدادت بحدة. ويقول بهبهاني: «هناك أوجه شبه في هذا الصدد مع التكتلات الكورية في تسعينيات القرن الماضي، من حيث التركيز والاستثمار بقوة ومواجهة الدورات في الوقت الذي يكون فيه الآخرون في مرحلة هبوط في قطاع رقائق الذاكرة، ثم في قطاع شبه الموصلات».
يتوقع مصرفي آخر، على أية حال، أن تكون هناك تحديات أمام أبو ظبي لهدفها في ترسيخ ذاتها كمصنع لقطاع الطيران تحديداً. ويقول: «ليس الأمر وكأنك تنقل الصناعة من فرنسا. بل إنك فعلياً تنافس الكوريين. وحتى لو كانت لديك مزايا من حيث التكلفة على الغرب، فإنني شخصياً لا أرى كيف يمكن أن تكون لديك مزايا من حيث التكلفة على الشرق».
رغم ذلك، يقول المراقبون إن أبو ظبي محقة في السعي إلى المعاصرة ــ وأن الآن هو الوقت المناسب لتنفيذ ذلك. وأطاحت طفرة النفط بدرع الاستثمار الحربي الخاص بها، وكانت تعني الأزمة المالية والاقتصادية العالمي بناءً عليه أنها كانت إحدى البلدان القلائل التي بقيت صامدة بتوفر رأس المال لديها، لتستغل أسعار الأصول المتعثرة. وفي نهاية المطاف، رغم ذلك، فإن الاختبار سوف يكمن في تطبيق وتنفيذ ــ وما إذا كان قد تم تحديد القطاعات المناسبة، حيث إن الإمارة تبدأ فعلياً من نقطة الصفر.
يقول مصرفي دولي آخر: «إن الأمر أشبه إلى حد ما وكأن ابنك البالغ من العمر ثلاث سنوات يقول إنه يريد أن يصبح رائد فضاء، ويتقدم الآن للحصول على شهادة الهندسة. وربما لا يبرهن أنه جيد للغاية في الرياضيات، أو أنه يعاني من الدوخة. ولكنه أمر جيد أن تراه يحاول بدلاً من القول ’والدي ثري‘، ويطلب سيارة جديدة».
يعترف المسؤولون الحكوميون الذي يصرون على ضرورة الحكم عليهم في الأجل الطويل، بوجود المخاطر. ويقول أحدهم: «ربما يتضح أن بعض خياراتنا خاطئة، ولكن ثروتنا من الموارد الطبيعية تعطينا سنداً، ورفاهية الوقت».
سوف يكون البديل هو أن تعيش الحياة ضمن إطار اقتصاد مغلق، والسيولة المستثمرة في الخارج، والقوانين التي تضمن وظيفة حكومية للإماراتيين، «وبناء عليه، فإنك تولد مجتمعاً لا يحتاج فيه أي شخص إلى العمل»، حسبما يضيف.
ويقول هذا المسؤول: «في الوقت الحالي، إننا مرتاحون بوجود مواردنا، ولكنك ترى أمثال الأرجنتين، والبرازيل قبل 100 عام، حيث كانت لديهم موارد اختفت، لذا فإننا نعد أنفسنا للمستقبل. وهنالك على الدوام قضايا تتعلق بالتطبيق، ولكن هذا الطريق هو الطريق المناسب... ومن الأفضل أن تتناول الدواء المر الآن، عندما تكون لديك الموارد، بدلاً من أن تضطر إلى ذلك».
مع ذلك، يخشى بعض الإماراتيين من أن باستطاعتهم فعلياً تذوق ذلك الدواء. فوتيرة التطور تثير أسئلة حول ما إذا كان المواطنون الذين يشكلون نسبة 20 في المائة فقط من سكان الإمارات العربية المتحدة، يخاطرون بتهميشهم بوصول المزيد من العمال الأجانب، ويجدون أنفسهم، وثقافتهم، تدفع إلى الهوامش.
يقول أحد الموظفين الحكوميين: «حسناً، لدينا مصنع لشبه الموصلات. فمن سوف يعمل هناك؟ وسوف يجلبون المزيد من المغتربين. وإن وتيرة التغيير ليست تدريجية، ولا تعطينا الوقت الكافي لاستيعابها. وما عليك سوى أن تتخيل وجود عشرة أشخاص في منزلك، يأكلون طعامك، ويدخلون حمامك. ولن تكون لديك عندئذ المساحة الكافية».

