الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 22 مايو 2026 | 5 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

هل نجحت البنوك الإسلامية في تسويق الودائع الاستثمارية؟

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
السبت 31 أكتوبر 2009 18:12
هل نجحت البنوك الإسلامية في تسويق الودائع الاستثمارية؟
هل نجحت البنوك الإسلامية في تسويق الودائع الاستثمارية؟
هل نجحت البنوك الإسلامية في تسويق الودائع الاستثمارية؟

تُؤمّن المصارف التقليدية للمودع ربحاً على شكل نسبة فائدة، كما تضمن له المبلغ الأصلي الذي أودعه. بينما تمنح المصارف الإسلامية للمودع الاستثماري مبلغاً على شكل مشاركة في الأرباح ولا تضمن له المبلغ الأصلي الذي أودعه. هل تستطيع المصارف الإسلامية تعبئة الادخار من خلال استخدام منتج الوديعة الاستثمارية؟ إنه من المعروف أن عملية الادخار نتيجة لمجموعة من العوامل: القدرة على الادخار ـ أنظمة القيم المحيطة ـ توفر الأدوات المناسبة للاستثمار ـ المكافأة المنتظرة من المنتوجات، إلخ. ومن هذ المنطلق, فإنه يتعين التأكد من أن هذا المنتج الجديد يستجيب للعوامل الأساسية التى تجمعها المميزات التالية: الشرعية ـ والأمان ـ والسيولة ـ والمردودية ـ والضرائب .

ما هو المنتج الشرعي؟ المنتج الشرعي أو الحلال هو المنتج الذى لا تحرمه الشريعة الإسلامية. إن دوافع الادخار تنبع في المقام الأول، من القيم المعتمدة في مجتمع معين. فالمنتـَج المالي الجيد هو الذي يستجيب لحاجة حقيقية لدى المدخـر الذي يستخدم الدوافع الباطنية لتحويلها إلى عمل ادخاري فعّال قادر على خلق عملية جديدة لم تكن موجودة من قبل. وينطبق هذا على الودائع الاستثمارية التي عبأت جزءاً من الادخار النائم بواسطة استخدام المعاملات الشرعية. ولذلك، قام بعض الخصوصيين بمغادرة مصارفهم التقليدية التي كانت توفر لهم مكافأة ثابتة ومضمونة ليعيدوا إيداع أموالهم لدى المصارف الإسلامية التى تمنحهم مكافأة متغيرة وغير مضمونة. وقد أثبتت دراسة أن 20% من العملاء يبحثون عن منتجات حلال دون غيرها وأن %10 لا يبحثون إلا عن العمليات الربوية التقليدية وأن %70 من العملاء يبحثون عن الكفاءة والجودة فقط بغض النظر عن الحلال أو الحرام.

ويسترشد الباحث عن المنتج الحلال بآراء المجالس الشرعية, غير أن محاولات توحيد الفتاوى لم تنجح حتى الآن. وقد خلف البحث الجاد لتحقيق أعلى مكسب من قبل بعض الفاعلين (مساهمين، مسؤولين، مودعين، وكالات التصنيف) من جهة, والحلول الفقهية المتشددة أو المعتدلة أو المرنة من جهة أخرى, آثاراً متناقضة، يمكن وصف هذه الآثار بالإيجابية من ناحية ابتكار المنتجات المالية, ويمكن وصفها بالغامضة أحيانا إذا نظرنا إلى الأنواع المختلفة من التسامح، والتساهلات والتبريرات والإعفاءات والتفسيرات والتواطؤ والتجاوزات الفقهية. على الرغم من أن مرونة الفتوى في مجال الأعمال أمر إيجابي في حياة المسلمين, فإن عدم توحيد وتجانس الفتاوى أدى إلى ممارسات متشتة وانعدام اليقين والبلبلة في المنتجات، وعدم القدرة على التنبؤ بالسوق, إضافة إلى وصف الصناعة المالية الإسلامية بعدم الشفافية. ومن غير شك أن المصارف الربوية التي فتحت فروعاً ونوافذ إسلامية لم تسهل المهمة وبات بيع الفتاوى المعلبة, خدمة للمردودية, أمراً مفتوحاً. من غير شك أن مرونة الفتوى, المطلوبة أصلا, تحمل اليوم فى طياتها خطورة الفتوى مما أدى إلى ما بينته التجربة أن المودع المتصيد لمعاملات الحلال لديه دائماً فتواه الخاصة به من خلال شبكة علاقاته الشخصية. وصحيح أنه بالنسبة لهذه الفئة عدم الحرمة أو عدم الشك في شرعية المعاملات شرط أساسي لكنه شرط غير كافٍ حيث إنه على المنتج المالي الجديد أن يحظى أيضا بمميزات أخرى.

#2#

وإذا ما تحدثنا عن الفئة التي لا تعير اهتماماً للشرعية، فإنها ستقوم بعملية تحكيم بين المكافأة المتغيرة وغير المضمونة التي توزعها أو من المحتمل أن توزعها المصارف الإسلامية والمكافأة الثابتة والمضمونة التي تمنحها المصارف الربوية. هذه الفئة لن تختار البنك الإسلامي إلا إذا كانت ربحية الوديعة الاستثمارية تفوق الفائدة المقدمة من البنك التقليدي.

وهنا يطرح السؤال نفسه. ما هي المميزات الأخرى التي يقدمها المصرف الإسلامي؟ كيف يمكن للمصرف الإسلامي أن يجذب كل الفئات: المودع المتصيد لمعاملات الحلال والمودع غير المبالي بالنسبة لشرعية المنتجات؟ سنتطرق إلى بعض هذه المميزات.

الأمان والثقة: لا نجاح بدونهما

لا أحد يرغب في هلاك أو نقصان مدخراته الموجودة في أي بنك إلا أن خصوصية الودائع الاستثمارية أنها غير مضمونة لا في رأس مالها ولا في أرباحها وقد يتحمل المودع نسبة من الخسارة في حالة وجود خسارة في البنك الإسلامي، ويمكننا هنا أن ننتقد التمييز في المعاملة بين المساهم التقليدي وهذا المودع شبه المساهم. فالأول ممثل في مجالس الإدارة والجمعيات العمومية ويساهم في الأرباح والخسارة. أما الثاني ـ المودع شبه المساهم ـ وهو أكبر موفر للموارد المالية للبنوك الإسلامية (بين %80 و %90 من الخصوم) ويتحمل نفس المخاطر المالية ولا يملك من الحقوق إلا المشاركة في الأرباح. إلا أنه فى نفس الوقت قد يتشابه هذ المودع مع المقرِض من حيث إنه يتمتع بإمكانية سحب ودائعه وحيث إنه أيضا لا يملك سلطة التسيير.

قد يبدو هذا غريباً في صميم البنك التقليدي من ناحية مكافأة الودائع حيث إن مشاركة المودع في الأرباح والخسائر ليست في منطق النظام المصرفي التقليدي. في الحقيقة, يتمتع المودع الاستثماري بصفة المدخر من جهة وصفة شبه المساهم من جهة أخرى, ويمكن أن نقول إن المودع الاستثماري أصبح مساهماً عن وعي. أما المصارف الربوية، فإنها تقوم مقام عملائها وتتكفل بهم بحيث يحول المودع مساهمته إلى مُقرِض دائم من خلال الودائع التي يضعها في المصارف. فالمودع هو في الوقت ذاته مدخر ومُقرِض لذا فإنه يصبح مساهماً عن غير وعي أو مساهماً نائماً .

كون المودع الاستثماري كالمساهم عن وعي والمودع التقليدي كالمساهم النائم له تأثير على أسلوب عمل البنوك وعلى طريقة حماية المودع. إن حماية المدخرات كانت تشكل دوماً الشغل الشاغل للمصارف وللمشرعين. لكن الودائع الاستثمارية هي ادخار ذو مخاطر مبني على منطقية الخسارة أو الربح حسب الحالة. وعلى الرغم من ذلك، يوجد نوع من الأمان لا يمكن بدونه لأي مدخر أن يتوجه إلى المصرف الإسلامي. ويقوم هذا الأمان المهني على التنظيم والمهنية وكفاءة الموظفين وكذا التحكم في الخطر أو تقليصه من خلال استرتيجية انتقاء وتوزيع وتنويع ويقظة وتحسب ومتابعة المحفظة المالية.

نظراً لقيامه على أموال الغير، ينبغي على المصرف الإسلامي أن يسعى إلى أكبر قدر من السلامة والأمان، وهو ما سيحصل عليه، نظرياً على الأقل، بأخذ أقل قدر من الالتزامات التمويلية. لكن وبوصفه مضارباً، فإن المصرفي الإسلامي يجب عليه أن يسعى لأن يكون مفيداً لعملائه ليجعلهم مخلصين ولكي يحقق أكبر قدر ممكن من الأرباح, وذلك يتحقق بأخذ أكبر قدر من الالتزامات التمويلية. والمعروف أن الربحية تتعاظم بصفة عكسية مع شدة الأمان مما يتطلب من هذا البنك محاولة التوفيق بين المتناقضات.

ومهما يكن، فإن النظام الأكثر وثوقاً لا يمنح أماناً مطلقاً لأنه غير موجود. فيصبح تسيير المصرف حرباً لا تلوح نهايتها في الأفق بين البحث عن الأمان والثقة من جهة والسيولة والمردودية من جهة أخرى. إن الثقة لا تجبر بالعصي ولا بنصوص التشريعات, لكنها تكتسب وتستحق, يكسبها من يستحقها.

السيولة: تساعد على التسويق

السيولة هي إمكانية السحب كلما دعت الحاجة لذلك. هذا هو المفهوم البسيط. لكن, الحقيقة أن مفهوم السيولة مفهوم غامض. لذا فإنه يصعب تعريفه بشكل دقيق ونهائي. فالأصول تعتبر سائلة إذا كانت مشحونة في طياتها بقيمة سوقية يمكن أن تسترد بسرعة وتحول إلى نقود بدون تكاليف ولا آجال ولا خسارة.  أما السيولة في مفهومها الواسع, فهي مرتبطة بالقدرة على قابلية تحويل أو تسييل الأصول إلى عملة مركزية نقدية (أي الأوراق النقدية) أو حسابية (أي الموجودات في حسابات الوسطاء الماليين) في سوق ثانوي. ويمكن أن تستشف سيولة الوديعة الاستثمارية من خلال الممارسات خارجا عن المبادئ المحصورة في عقود المضاربة. من غير شك أن المصرف الإسلامي قد يجد نفسه أمام مأزق حقيقي إذا طلب العميل الحصول على كل إيداعه أو جزء منه.

ـ فتلبية طلب المودع سيعطي لهذا المنتج سيولة جيدة إلا أنه سينتج عنه بصفة حادة عدم استقرار في الموارد بصفة عامة, في الوقت الذي يجب على المصرف الإسلامي, بالإضافة إلى رأسماله, أن يتوفر على موارد ثابتة وشبه دائمة ليتمكن من تمويل الاستثمارات المتوسطة وطويلة المدى.

ـ أما رفض طلب المودع فسيؤثر مستقبلا على جودة سيولة هذا المنتج. والمصرفي الحذر يَعرف جيدا أن الثقة التي تمنح له من طرف العملاء ستصبح مهددة إذا هو أظهر صرامة مطلقة في احترام آجال العقود, والمودع سيمنح ثقته للمصرفي الذي يستطيع مزج عناصر متناقضة.

وتؤكد طبيعة الموارد بوضوح ضرورة توفر السيولة في موجودات البنك لأن الودائع الاستثمارية يمكن طلبها في كل لحظة من قبل ملاكها. وعلى النقيض من الفكرة الرائجة، فإن موارد المصرف، باستثناء أمواله الخاصة، ينطبق عليها حكم الودائع تحت الطلب حتى تلك التي يحتاج سحبها لإشعار أو تلك المودعة على المدى البعيد. ولذلك، فإن بحث المصرف عن السيولة أمر إجباري يهدف إلى إرغامه على نوع من الحذر في معاملاته انطلاقاً من بنية وهيكلة موارده.

#3#

ولمعالجة هذه المشكلة، اقترحت المصارف الإسلامية صيغاً تصب في ثلاث فئات من الودائع الاستثمارية: ـ ودائع ادخار لمدة غير محددة ويجوز سحبها في أي وقت ـ ودائع محددة الآجال وقابلة للتمديد في نهاية كل عقد ـ وأخيرا الودائع الاستثمارية المخصصة في عمليات مستقلة عن أنشطة المصرف. وتختلف سيولة الودائع حسب الفئة التي يتم اختيارها. فالسيولة شبه جيدة في الفئة الأولى ولكنها معدومة في الفئة الثالثة قبل تنضيض العملية. أما الفئة الثانية، فتتراوح السيولة بين عالية وضعيفة تبعاً لاستراتيجية يحددها المصرف تموج بين الضبابية والشفافية.

إن المرونة التي توفرها التوازنات النقدية في المصارف التقليدية لا تتوفر في المصارف الإسلامية بسبب انعدام إعادة التمويل. والواقع أن المصارف التقليدية يمكنها، أن تستمر دون نقود أو أن تقوم بالحد الأدنى من السيولة أو بالاحتفاظ بسندات يمكن تسييلها بسهولة. أما المصارف الإسلامية، فيتعين عليها الاحتفاظ بأصول سائلة أكثر لأنها لا تستطيع بسهولة توظيف السندات فى الأسواق المالية. وهذا يعني أن المصارف الإسلامية يجب عليها أن تحتفظ بالمزيد من السيولة الضرورية وذلك يحصل بتجميد الودائع وعدم نشطها في التمويلات وهو ما سيكون له تأثير سلبي على الربحية.

الربحية: ميزة ضرورية

الربحية هي قدرة رأس المال على توليد دخل. ويكمن دافع الربحية في التخلي عن بعض القوة الشرائية في الوقت الحالي مقابل الحصول على قوة شرائية أكبر في المستقبل. ويمكن تجسيد مردودية الودائع الاستثمارية بالربح أو الخسارة التي يحققها هذا المنتج المالي على أساس الأرباح الموزعة فعلا.

على النقيض من المصارف الربوية التي تقدم ضمانات قانونية لكامل الودائع وضمانات لسعر الفائدة التي يمكن رفعها للحفاظ على المودعين وجذب غيرهم، لا تضمن المصارف الإسلامية مبلغ أصل الودائع ولا أرباحها. ويتعين على المصارف الإسلامية، أكثر من أي وقت مضى، إنتاج أرباح ليتم الحكم عليها من خلالها. لذا يتوجب عليها أن تثبت أنها حققت في الماضي أرباحا حقيقية وأنها وزعتها وأنها أيضا قادرة في المستقبل على إنتاج وصناعة المزيد من الأرباح. كما يجب أن تكون مكافأتها أكثر جذباً وأكثر قدرة على منافسة المكافأة التي تقدم عن طريق سعر الفائدة.

ووفقا لدراسة أوروبية، فإن الأسهم التي كوفئت بواسطة الأرباح الموزعة على المساهمين حصلت على عوائد تفوق تلك التي حصلت عليها السندات عن طريق أسعار الفائدة. وجرى التحقق من ذلك خلال السنوات الثلاثين الماضية، حيث إن السندات كادت أن تحصل على حماية القوة الشرائية، بينما تغلبت الأسهم في نهاية المطاف على التضخم على مدى هذه الفترة الطويلة بالرغم من التقلبات الكبيرة لأسعارها.

إن تطابق وتشابه أرباح الودائع الاستثمارية مع عائدات أو أرباح الأسهم من ناحية مكافأة رأس المال يدفع بنا إلى القول إن عائدات الودائع الاستثمارية على مدى فترة طويلة يمكن أن تكون أعلى من عائدات الودائع المرتبطة بأسعار الفائدة. ورغم أن هذا الأمر قد يكون صحيحاً على المدى الطويل، فإنه ليس كذلك على المدى القصير.

فعلاوة على تحمله المخاطر المرتبطة بالاستثمار, يتعين على المودع أن ينتظر مهلة محددة للحصول على المكافأة التي لا يمكن حسابها إلا لاحقاً أي بعد معرفة نتائج المصرف. وتتوقف هذه النتائج بشكل رئيسي على توظيف الموارد في عمليات مربحة وعلى اعتماد المعايير المحاسبية. فعلى سبيل المثال، الأرباح الناتجة عن هامش المرابحة يمكن اعتبارها عند توقيع العملية أو عند تصفيتها أو عند استرداد كل أقساطها. كل خيار له تأثير مباشر على ربحية الودائع الاستثمارية.

ومن جهة أخرى، فإن المودع ـ بتحمله للمخاطر المرتبطة بالمردودية ـ يتحمل أيضا خطر خسارة الإيداع نفسه. وهذه، دون شك، إحدى النقاط التي تميز المصارف الإسلامية عن المصارف التقليدية. ولنفترض للحظة أن مصرفاً إسلامياً تكبد خسائر. إنه، بالتأكيد، يستطيع تغطيتها عن طريق الاحتياطيات, وقد يتحمل المودع قسطاً من الخسارة. لكن إذا كانت هذه الخسائر كبيرة, سيؤدي ذلك إلى حالة ذعر في صفوف العملاء الذين سيكون رد فعلهم الفوري هو سحب أموالهم مما يعرض البنك لصعوبات لا تحمد عواقبها. إلا أن هذا الوضع لا يمكن أن يحصل إلا في حالات نادرة أو في إطار أزمة عامة، إن حدثت، لن ينجو منها بنك إسلامي أو تقليدي. وجرت العادة على أن تتدخل الدولة، في مثل هذه الحالات، عن طريق البنوك المركزية لدعم المصارف التي تواجه صعوبات تجنباً لعدم الثقة تجاه النظام المصرفي بصفة خاصة ولحماية المودعين بصفة عامة.

لن يكون من الخطأ أن نقول إن الودائع الاستثمارية لا تجني كثيرا من الأرباح في فترات الركود لكنها تجني كثيرا من الأرباح في فترات الرخاء مما يسبب انخفاضها وانكماشها في الفترات العجاف وثباتها أو زيادتها في فترات النماء. وقد تتناوب السنوات الخصبة مع السنوات العجاف, وعلى المودع أن يتحمل مزايا وعيوب هذا النظام وأن يقبل القاعدة التي بموجبها يمكن للربح أن يتغير من سنة إلى أخرى. وهذا عكس النمط السائد في البنوك التقليدية التي لا يستفيد المودع فيها من حالة الازدهار في أوقات اليسر، ولكنه في المقابل، يتمتع بضمان رأس المال والفائدة في فترات العسر.

وقد يستنتج من ظاهر هذا الوضع أن المودع التقليدي في أحسن حالة من المودع الاستثماري لعدم قلقه على توظيف أمواله وكونها مضمونة أصلاً وفرعاً. وقد ثبت من التجربة أن هذه الضمانة التي تذكر وتسوق ليست في باطن الأحوال وآخر المطاف إلا سراباً. لقد شاهدنا المصارف ذات الصيت العالمي والتاريخ العريق تخفق في الوفاء بالتزاماتها وعجزت عن تسديد بعض ودائع موكليها. وقد شاهد المودع خفض مدخراته وتبخرها نظراً لتعرض البنك التقليدي لصعوبات مالية على الرغم من أن له القدرة على تجميع المدخرات, وعلى خلق الائتمانات وعلى إعادة التمويل. كل هذه القدرة والقوة لم تمنع البنك التقليدي من الانهيار والفشل ولم تعط في النهاية للمودع الضمانات التي بنيت عليها علاقاتهم.

لقد اهتز النظام المصرفي العالمي وتطلب هذا الوضع تدخل الدول العلني والمباشر بضخ أموال هائلة لتنشيطه ولإعادة الثقة إليه. إذا كانت الثقة تكتسب في الماضي بالضمانات التي تقدمها البنوك لعملائها فإن البنوك اليوم لا تستحق الثقة إلا بصفة مصطنعة من قبل السلطات المالية عن طريق ضخ الأموال الهائلة.

الضرائب: تندرج مع الربحية

إذا كانت البنوك الإسلامية قد أوجدت منتجات مالية جديدة لجذب المدخرات وتمويل الاستثمارات, فإن أغلب الحكومات لم تأخذ في الاعتبار هذا الابتكار، ولم تقم بتحرك أكثر إيجابية، وبقي رأس المال المخاطر لا يحظى في معظم التشريعات بالامتيازات التي يحظى بها رأس المال غير المخاطر كالودائع بفائدة. استخدام تقنية مالية جديدة يطرح في كثير من الأحيان مشكلة ضرائبية، وبطبيعة الحال يؤدي إلى طلب اعتبارها بامتياز وعليه فإنه يمكن للضرائب أن تجعل الوديعة الاستثمارية أكثر أو أقل جاذبية. إذا كانت للادخارات الخالية من المخاطر الحق في المكافأة المضمونة والامتياز الضريبي، فإن الربح الناتج عن المدخرات المخاطرة لا ينبغي أن يكون من خلال الضرائب أقل من الفوائد المكتسبة من الادخارات الخالية من المخاطر. ومن غير شك أن الاستدانة المفرطة في اقتصاديات الدول سواء حكومات أو أفراد لها جذور في التمييز الضريبي. والسؤال المطروح هو: هل ينطبق على الربح الناتج عن الوديعة الاستثمارية ما ينطبق على الفوائد أو ما ينطبق على الأسهم أو هل ينطبق عليها نظام آخر وما هو؟ وأياً كانت حيادية السلطة التشريعية فإن الضرائب لا يمكن إلا أن تمارس تأثيرا بشكل أو بآخر على الاقتصاد وعلى كل منتج مالي جديد. وأفضل نظام ضريبي يجب أن تستوفى فيه معايير الحياد والإنصاف والربحية .

الوديعة الاستثمارية .. من المثالية إلى الواقعية

إذا نظرنا إلى المصارف التقليدية، فإن المنتج المالي المثالي هو الذي تتوفر فيه السيولة في كل وقت, والأمان والثقة المطلقة، وأقصى قدر من الربح. هل يوجد منتج يحمل كل هذه المواصفات في وقت واحد؟ الجواب هو لا. القاعدة أنه لا يمكن لأي منتج مالي أن يحقق في آن واحد كل هذه المواصفات.

إذا نظرنا إلى البنك الإسلامي، فإن المنتج المالي المثالي هو الذي تتوفر فيه الشرعية, والسيولة في كل وقت, والأمان والثقة المطلقة، والحد الأقصى من الأرباح. هل يمكن حقاً خلط هذه المعايير في أي منتج مالي؟ الجواب هو لا. وهذا يفضي بنا إلى الاعتراف بأن الوديعة الاستثمارية لا تستوفي في وقت واحد على معايير المودع الاستثماري الرشيد.

إذا نظرنا إلى الممارسات العملية اليومية، فإن المودع التقليدي أو الإسلامي لا يكون دائما رشيدا بالطريقة المنطقية التي ذكرنا، لكنه يرتب المعايير حسب نوعية شخصيته وأهدافه وموقفه من المخاطرة تقبلاً أو رفضاً أو حياداً. قد يفضل معيارا واحدا كالشرعية أو الربحية, وقد يفضل بالترتيب معيارين كالشرعية ثم الربحية أو الربحية ثم الشرعية أو الربحية ثم السيولة.

باستثناء الجانب الشرعي, يمكننا أن نقول إن الوديعة الاستثمارية في البنوك الإسلامية والوديعة بفائدة في البنوك التقليدية تتوافق في أغلب المميزات, وتتقارب ربحية المنتجين مع زيادة طفيفة لصالح المنتج الإسلامي. ولعل هذه الزيادة التي يعطيها السوق تلقائيا ناتجة عن تعويض مخاطرة الوديعة الاستثمارية أو عن البركة التي قد يحملها هذ المنتج. كيف يمكن في المستقبل قياس هذه البركة أو عدمها؟ على الهندسة المالية الإسلامية أن تعطي جواباً على هذا السؤال. الجواب الأول الذى لا ريب فيه أن الوديعة بفائدة تواجه حرباً ربانية ولا بركة فيها. أما الوديعة الاستثمارية فمستقبلها يتعلق باستدامة زواج المنطق الاقتصادي للسوق مع المعتقد الديني. إلا أن تغليف الفائدة بثوب إسلامي سوف يؤدي يوماً ما إلى إباحة الفائدة مثلما وقع في الديانتين المسيحية واليهودية، وستقوم شريعة السوق بمخالعة شريعة الدين.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية