في خريطة الاقتصاد السعودي تمثل المنشآت المتوسطة والصغيرة نسبة 90 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي. في خريطة الأيدي العاملة في المملكة, توظف هذه المنشآت نحو 80 في المائة من الأيدي العاملة في المملكة, وفي خريطة البطالة السعودية وحسب دراسة نشرتها ''الاقتصادية''- 24/8/1430هـ, توظف المنشآت الصغيرة والمتوسطة 25 في المائة من السعوديين و75 في المائة من الأجانب. وفي خريطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تزال هذه المنشآت تلعب دوراً هامشياً, محدوداً, لم يكتب له التوجيه والتطوير ليرقى إلى مستوى التأثير في الاقتصاد والمجتمع كما في الكثير من دول العالم, وخاصة إذا ما عرفنا من أن مستوى مساهمة هذه المنشآت في اقتصادات الدول المتقدمة تتخطى نسبة 50 في المائة, ففي إيطاليا تمثل 70 في المائة, وفي اليابان 72 في المائة, وفي بريطانيا 57 في المائة.
في خريطة التحديات التي تواجه هذه المنشآت, كان أكبر التحديات يتعلق بمسألة التمويل حتى الأعوام القليلة الماضية التي شهدت توجها كبيرا من قبل جهات حكومية وغير حكومية مختلفة محدثةً برامج عديدة ومتنوعة لدعم هذه المنشآت كان لتقديم الدعم المالي نصيب الأسد, فبرنامج ''كفالة'' الذي تقدمه وزارة المالية بالتعاون مع المصارف والبنوك على تقديم تسهيلات تمكن هذه المنشآت من الحصول على التمويل اللازم والضمانات المطلوبة. كذلك يوجد مركز المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والذي يقدم قروضا ودعما ماليا جيدا. أيضاً يوجد صندوق المئوية الذي يقدم دعما ماليا وسجل نجاحات في دعم هذه المنشآت, كذلك يوفر البنك السعودي للتسليف والادخار قروضا بلا فوائد. برنامج عبد اللطيف جميل لتمويل المشاريع الصغيرة يقدم دعما ماليا لهذه المنشآت, كما أنه توجد مراكز متخصصة لدعم وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الغرف التجارية.
التحدي ليس ماليا، فالموارد موجودة والكثير من الجهد صرف لتوفيرها من خلال الجهات المذكورة أعلاه. التحدي يكمن في ثلاثة أبعاد مهمة: الأول يرتبط بالبعد الاستراتيجي للتخطيط على المدى البعيد من تفعيل دور المنشآت الصغيرة لكي تسهم بصورة مباشرة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة من خلال الرفع من مستوى السعودة في هذه المنشآت من مستواها الحالي 25 في المائة إلى 75 في المائة, أي علينا قلب الواقع الموجود اليوم. في هذا الصدد فإن على الحكومة التوجه إلى فرض حد أدنى للأجور لكي تمكن نسبة كبيرة من العاطلين السعوديين من العمل في هذه المنشآت والحد من تفاقم تواجد العمالة الأجنبية غير الماهرة. البعد الاستراتيجي هذا يجب أن يهتم أيضاً بتوحيد الجهود للكثير من المراكز والجهات الحكومية المعنية بدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة لكي تعمل على تحقيق أهداف محدد وواضحة ترفع من فعالية معالجتنا لوضع هذه المنشآت.
البعد الثاني يتمحور حول حقيقة أن أكبر الصعوبات التي تواجهها هذه المنشآت اليوم مرتبط بالروتين والبيروقراطية الإدارية الحكومية التي تواجهها هذه المنشآت ودفعها رسوما لكل جهة يجب مراجعتها وصعوبة الحصول على العمالة التي تحتاج إليها. البعد الثالث يتعلق بالأمور التقنية ونقص المهارات الاحترافية لمديري هذه المنشآت, فالكثير من هذه المنشآت تبدأ أنشطتها دون دراسة الجدوى الاقتصادية, والعديد لا يمتلك أبسط المهارات الإدارية والتسويقية ويفتقر إلى أساسيات التخطيط والتعامل مع متغيرات السوق. من هنا يظهر مدى أهمية التدريب للمنشآت الموجودة وأهمية أن تؤسس المنشآت الجديد داخل حضانات أعمال قبل أن تنطلق وتعمل في السوق.
المتتبع والمراقب لوضع المنشآت المتوسطة والصغيرة في المملكة يدرك تماماً مدى أهمية أن تكون هناك هيئة عليا تعتني بتنسيق الجهود المبذولة لتطوير وتفعيل دور هذه المنشآت لكي يكون لها دور أكبر في المساهمة في الناتج المحلي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. الأبعاد الثلاثة المذكورة أعلاه مهمة ولا يمكن التعامل معها إلا بوجود مركزية في توجيه الجهود والسياسات المتعلقة بهذه المنشآت.
