الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 17 أبريل 2026 | 29 شَوَّال 1447
Logo

طريق اليابان إلى الانحدار المتناغم

جاي سورمان
الخميس 1 أكتوبر 2009 21:48

دعك من كل ما يقال عن الموظف الياباني المجتهد المحب لعمله, فمنذ أوائل التسعينيات تراخت إلى حد كبير عادات العمل التي عُرِف بها اليابانيون. والواقع أن فوميو هياشي أستاذ الاقتصاد في جامعة طوكيو برهن على أن السبب الرئيس وراء الركود الذي ابتليت به اليابان طوال 20 عاماً كان التضاؤل الذي طرأ على كم العمل المنجز من قِبَل اليابانيين.

وحملت الحكومة اليابانية ذاتها لواء الريادة في هذا السياق، فبدأت بإصدار قرار بإغلاق مباني الإدارة العامة في أيام السبت. ثم حذت البنوك اليابانية حذوها. وأثناء الفترة من عام 1988 إلى عام 1993 تقلص أسبوع العمل القانوني بنسبة 10 في المائة من 44 ساعة إلى 40 ساعة. ولقد أسهم ذلك، بقدر إسهام عديد من العوامل الأخرى، في تقويض «المعجزة» الاقتصادية التي حققتها اليابان في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي قطاع الخدمات كان الانحدار أسوأ مما كان عليه في مجال التصنيع، وذلك لأن الخدمات خاضعة للتنظيم الشديد ومغلقة جزئياً أمام المنافسة الأجنبية. وفي قطاع تجارة التجزئة، الذي يوظف عدداً هائلاً من العمال غير المهرة في اليابان، أصبحت الإنتاجية في اليابان أقل من مثيلاتها في أوروبا الغربية بنسبة 25 في المائة.

كان رئيس الوزراء الياباني السابق جونيشيرو كويزومي (2000-2004) وكبير مستشاريه الاقتصاديين ووزير المالية هيزو تاكايناكا يدركان تمام الإدراك أن اليابان باتت تخسر الأرض في سباق الإنتاجية. وعلى هذا فقد بذلا المساعي للتصدي لذلك الميل نحو تراجع العمل من خلال التخصيص وإلغاء التنظيمات والقيود.

ولكن البيروقراطية القوية في اليابان، التي أخذها الحنين إلى نموذج التنمية الذي ساد في الستينيات والذي نجحت الحكومة والمقربون منها بفضله في تغذية المعجزة اليابانية، عارضت هذا الحل الجريء القائم على السوق الحرة. غير إن ذلك النموذج عفى عليه الزمن، وذلك لأن اليابان تتنافس بشكل مباشر الآن مع عديد من البلدان الآسيوية وغير الآسيوية، حيث عادات العمل أشبه بتلك التي كانت سائدة بين اليابانيين ذات يوم.

فضلاً عن ذلك فإن الرأي العام لم يؤيد سياسة كويزومي التي زعم البعض آنذاك، كما يزعمون الآن، أنها تشكل مصدراً لعدم المساواة بين الناس. ولكن هذا غير صحيح: ذلك أن المضاربة العقارية، وليس التخصيص، كانت المصدر الحقيقي للثروات غير المستحقة في اليابان. ورغم ذلك فإن الحزب الديمقراطي الياباني الذي انتصر أخيرا كان قادراً على لصق التهمة بسياسات السوق الحرة.

وعلى هذا فإن الانتصار الانتخابي الأخير الذي أحرزه الحزب الديمقراطي الياباني تحت زعامة يوكيو هاتوياما الذي لم يختبر بعد كان بمثابة التأكيد على الرغبة الشعبية في عدم الاقتداء بنموذج السوق الحرة الأمريكي. ولم يكن هاتوياما منطقياً من الناحية الاقتصادية حين أعلن أن النمو يشكل أهمية واضحة ولكن السعادة تأتي أولاً. ورغم ذلك فإن هذا التصريح يعكس مزاج عديد من اليابانيين.

وعلى افتراض أن هاياشي وتاكيناكا محقان في تفسيرهما للأسباب الكامنة وراء الركود الذي تعانيه اليابان، فيتعين علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كان اليابانيون راغبين اليوم في مزيد من العمل سعياً إلى اللحاق بالولايات المتحدة وقيادة عملية التنمية في آسيا. إن الركود في الحقيقة اختيار جمعي ضمني اتخذته الأغلبية في البلاد. ولكن هل اختار الشعب الياباني الركود؟

إن ما يقرب من نصف الشعب الياباني يتألف من مواطنين بلغوا سن التقاعد أو اقتربوا من بلوغها، ولقد عمل هؤلاء بكل كد واجتهاد من أجل تحقيق مستوى عال من الراحة فعلى الرغم من اقتصاد «العقد الضائع»، ما زال الدخل الياباني بفضل هؤلاء الناس أعلى من نظيره في أوروبا. فضلاً عن ذلك فإن معدلات البطالة منخفضة مقارنة بمثيلاتها في بلدان العالم الغربي، وذلك لأن قطاع التوزيع غير المنتج يستوعب الشباب غير القادرين على الحصول على وظائف أفضل. وهذا يعني أن اليابان الراكدة ظلت تشكل مجتمعاً مسالماً ومحافظاً.

في المقابل سنجد أن معدلات النمو الأعلى ستتطلب اختصار أوقات راحة الموظفين فضلاً عن تدفق موجات من المهاجرين إلى بلد غير معتاد على التدخل الأجنبي والعادات الثقافية المختلفة. ولكن هل اليابانيون على استعداد حقاً لتقبل مثل هذا العلاج؟

إن أغلبية اليابانيين، ومعظمهم من بين أبناء الجيل القديم، راضون عن المجتمع الذي أسهموا في بنائه. وهم يرون أن الأمريكيين والأوروبيين مهووسون بالمال والطموحات المادية، ويبدون على استعداد لتقبل بعض الركود كثمن للحفاظ على الشخصية اليابانية الحقيقية. ومن الواضح أن هاتوياما يدرك هذه الحقيقة، وهذا هو السبب الذي ضمن له الفوز بالانتخابات الأخيرة.

إن حديث هاتوياما عن «العصر الجديد»، الذي يبدو غريباً من منظور غربي، ينسجم مع الطريقة اليابانية: فهذا بلد حيث الآلاف من زعماء الطوائف الدينية والسياسية والاجتماعية يقدمون عدداً لا حصر له من السبل إلى السعادة، خاصة ذلك الخليط غير المتجانس بين العصر الجديد ومذهب زِن البوذي.

ولكن إلى متى تستطيع اليابان أن تحافظ على استمرار هذه الفترة من الركود المتناغم؟

إن الصناعات التكنولوجية اليابانية الفائقة تظل قادرة على المنافسة، وما زالت البلاد تحتل المرتبة الثانية كأضخم دولة مصدرة على مستوى العالم. وما زال المجتمع الياباني يتمتع باقتصاد مبدع يسجل من براءات الاختراع الجديدة في كل عام عدداً يفوق عدد براءات الاختراع المسجلة في البلدان الأوروبية مجتمعة ـ تحتل اليابان المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة وتأتي سابقة للصين والهند بدهور. وما زال إنتاج 150 مليون ياباني أضخم كثيراً مما ينتجه ملياران ونصف المليار من البشر في الصين والهند.

ولكن في غضون عشرة أعوام أو نحو ذلك فقد تخسر اليابان مكانتها في مواجهة بقية بلدان آسيا. والواقع أن الركود بدأ يخلف أثراً كبيراً في الشباب في اليابان، الذين أصبحوا يجدون صعوبة كبيرة في العثور على عمل، ناهيك عن الفوز بوظيفة ثابتة في إحدى الشركات العالمية الرائدة. والآن يدرك المراهقون أن الفرص المتاحة أمامهم ستكون أقل من الفرص التي حظي بها آباؤهم. وليس من المعلوم كيف سيتحملون تكاليف تدبير معاشات آبائهم التقاعدية وتوفير الرعاية الصحية لهم.

والأمر الأكثر إثارة للانزعاج والقلق هو غياب المناقشة المفتوحة حول هذه الأمور فالمجتمع الياباني كتوم، حيث يفترض في الجميع أن يخمنوا ماذا يجري من حولهم، وحيث وسائل الإعلام حريصة على عدم إثارة الانقسام الاجتماعي. وحيث الأسئلة الصعبة ينبغي ألا تطرح، والإجابات الصريحة تُـعَد من قبيل التصرفات الفظة الوقحة. وقد يرحب المجتمع الياباني بتعليقات الأجانب، ولكنه يتجاهل نصيحتهم عادة.

قد يبدو الأمر في نظر أغلبية اليابانيين وكأن قوتهم الاقتصادية المستمرة تسمح لهم بترف الانغماس في مثل هذه العادات الراسخة. ولكن ربما كان عليهم أن يضعوا في اعتبارهم وصف آرنست همنجواي لكيفية إفلاس الرجل الثري: «ببطء وليس مرة واحدة».

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية