إن مظاهر التنمية التي نشهدها اليوم في دول مجلس التعاون في مختلف المجالات، مثل العمران والصناعة والاتصالات والبنية التحتية من ماء وكهرباء وطرق ووسائل مواصلات وخدمات مالية ومصرفية وسياحية، وحتى المنشآت الصناعية بأنواعها وما يطلق عليه ''نقل التكنولوجيا'': كل هذه، على أهميتها، تبقى عناصر لتنمية مستوردة من الغرب أو الشرق، طالما أن المفهوم الغالب للتنمية هو استيراد عناصر هذه التنمية ومكوناتها بما في ذلك ''الفكر'' الذي استخدم في ابتكار وتصميم وتطوير هذه المنتجات، ومع ما تحمل تلك العناصر من محاسن ومساوئ. في اعتقادنا أن التنمية الحقيقية تكمن في مشاركتنا الفعالة في المراحل الأولى لصناعة هذه العناصر وهي مراحل الابتكار والتصميم والتطوير، وهذا في رأينا ليس ترفا، بل هو ضرورة وشرط لا بد منه لكي توائم مظاهر التنمية المذكورة أعلاه واقعنا وظروفنا المحلية، وهو الخيار الاقتصادي الأمثل على المدى الطويل، كما أنه الضمان الأكيد لاستمرارية هذه التنمية.
إن مشاركتنا في الحضارة الإنسانية القائمة حاليا تقتصر في أحسن الأحوال على تزويد العالم من حولنا بمصدر للطاقة المحركة له، وتوفير سوق استهلاكية لمنتجات هذا العالم. إننا إذا أردنا فعلا أن ننتقل من واقع الاستهلاك الهامشي لمخرجات الحضارة الإنسانية الحديثة إلى المشاركة الفعالة في صنع هذه الحضارة فإن الطريق الوحيد لذلك لا بد أن يمر عبر البحث العلمي والتقني ولا يوجد طريق آخر مختصر مهما اعتقدنا خلاف ذلك. إن جوهر الحضارة الإسلامية العربية السابقة يتلخص في كلمة واحدة هي: الريادة، فالريادة حاجة حيوية لبقاء الأمم، وأن الاختراع والابتكار هما العناصر الأولية لتحقيق الريادة. وفي عالم اليوم لا يتأتى الابتكار والإبداع إلا من خلال مؤسسات البحث العلمي والتقني.
في عالمنا اليوم أيضا لا يوجد ثمة شيء بلا ثمن، فالفكر والإبداع والابتكار أصبحت سلعا اقتصادية لها ثمنها (المرتفع أحيانا!). وقد وضع الغرب المتقدم أسعارا لهذه السلع وأطلق لها مسميات مختلفة مثل: براءة الاختراع وسعر نقل التكنولوجيا وحق الامتياز وأخيرا حقوق الملكية الفكرية. ومن المعلوم أننا عندما نستورد منتجات من الخارج سواء كانت مولدات كهرباء أو أغذية معلبة أو مستحضرات طبية أو طائرات حربية أو حتى معدات لمصانع محلية، فإننا لا ندفع فقط ثمن مواد خام وعمالة تصنيع وأجور نقل إلخ، وإنما ندفع إضافة إلى ذلك كله تكلفة الفكر الذي استخدم في ابتكار وتصميم وتطوير هذه المنتجات، وهي تكلفة لا نقدرها نحن بل يقدرها أصحاب هذه المنتجات على هواهم. إن الاستثمار في البحث العلمي والتقني هو في المقام الأول خيار اقتصادي ناجح يعبر عن رؤية مستقبلية اقتصادية واعية. من ناحية أخرى، فإن الأمن كل لا يتجزأ: فالأمن العسكري والأمن السياسي والأمن الغذائي والأمن المائي وغيرها من نواحي الأمن، ما هي إلا حلقات لسلسلة مترابطة مع بعضها بعضا. والمعروف أن قوة أي سلسلة تحددها الحلقة الأضعف، والمعروف أيضا إن الإرادة السياسية الوطنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأمن بمعناه القومي الشامل. هذا مع العلم بأن من مستلزمات الأمن بكل أنواعه السالفة هو القدرة الذاتية على الدراسة والبحث والابتكار. إننا أمام مسؤولية تاريخية تجاه أجيالنا القادمة، إذ لا بد لنا من استغلال الموارد المتوافرة لدينا حاليا (والناضبة مستقبلا) سواء كانت هذه الموارد مالية أو طبيعية أو بشرية في الوقت المتاح لنا - باعتبار أن الوقت أيضا مورد (ناضب) – لا بد من استغلال هذه الموارد الاستغلال الأمثل لإرساء قواعد للتنمية الحقيقية في دولنا: ليس بمفهوم استيراد عناصر التنمية وتوطينها فقط ولكن تحت مفاهيم جديدة مثل ''التنمية المستدامة'' و''الأمن التنموي''.. بمعنى ضمان الاستمرار الذاتي لعملية التنمية بكل مجالاتها، وهذا لن يمكن تحقيقه إلا بتوافر قاعدة عريضة ذاتية من البحث العلمي والتقني. إن استثماراتنا الحالية في استيراد عناصر التنمية وتوطينها محليا ضرورة لابد منها للارتقاء بمستوى ونوعية المعيشة لنا ولأجيالنا القادمة ولكن يبقى الاستثمار الأجدى والأمثل هو في تطوير الفكر الإبداعي والبحث العلمي والتقني لنشارك وتشارك أجيالنا القادمة في صنع وتطوير عناصر تنمية ذاتية تحقق لنا ولهم الأمن والاستقرار والرفاهية.
إن دولة مثل إسرائيل لا يزيد عدد سكانها على ستة ملايين نسمة ولا يتجاوز الدخل القومي فيها 114 مليار دولار، يزيد عدد ما يوجد فيها من مراكز البحوث المتخصصة على 70 مركزا متخصصا، هذا عدا المراكز التابعة للجامعات والمعاهد التعليمية العليا، وهي بلا شك كثيرة ناهيك عن مراكز البحوث السرية التي لا تنشر في موقع عام على الإنترنت. وإذا ما قورن ذلك بدول مجلس التعاون ذات الـ 30 مليون نسمة ودخل قومي يزيد على 478 مليار دولار نجد أن إجمالي عدد مراكز البحوث فيها مجتمعة لا يزيد على أصابع اليد الواحدة.
لقد آن الأوان للأجهزة القائمة على مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تنظر بعين الجدية والاهتمام إلى موضوع البحث العلمي والتقني المشترك كركن أساسي ضمن استراتيجيات مجلس التعاون، وأن تتخذ الخطوات الكفيلة بتحقيق ذلك على أرض الواقع ضمن خطة مدروسة وفي إطار سياسة خليجية مشتركة واضحة. في رأينا المتواضع إن أولى هذه الخطوات هي التفكير جديا بإنشاء هيئة للبحث العلمي والتقني تحت مظلة مجلس التعاون يكون الغرض منها دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مختلف المجالات في دول مجلس التعاون، كما ورد نصا في النظام الأساسي للمجلس. أما المهمات الرئيسية للهيئة المقترحة فستكون رسم وصياغة سياسات مشتركة لدول مجلس التعاون تهدف إلى رفع مستوى البحث العلمي والتقني كما ونوعا، ومن ثم إعداد الخطط الاستراتيجية الكفيلة بتحقيق السياسات المشتركة بعد اعتمادها ووضع برامج زمنية لتنفيذ هذه الخطط، ثم وضع المقترحات العملية لإقامة مشاريع خليجية مشتركة، مثل مراكز بحوث علمية وتقنية متخصصة في مختلف المجالات وموزعة على دول المجلس وإنشاء قواعد معلومات متقدمة يستفيد منها الباحثون، إضافة إلى تشجيع ودعم المراكز الوطنية القائمة، وإنشاء قنوات للتواصل مع مؤسسات البحث العلمي والتقني في الجامعات والمعاهد الوطنية والإقليمية والدولية، وغيرها من المشاريع المشتركة ضمن إطار الخطط الاستراتيجية الموضوعة.
