تساعد أمطار خفيفة على ترطيب الرمال مؤقتا والتخفيف من وطأة حرارة أغسطس في صنعاء ولكن لا يمكنها أن تحسن من المستقبل المظلم للمياه في العاصمة اليمنية التي يقطنها مليونا نسمة.
يحصل بعض السكان على إمدادات المياه من الصنابير مرة واحدة كل تسعة أيام في حين أن البعض لا يحصل على أي منها على الإطلاق. وقال ناجي أبو حاتم وهو خبير في شؤون اليمن في البنك الدولي إن تراجع إمدادات المياه يعني أن صنعاء يمكنها أن تشغل الآن 80 فقط من 180 بئرا بها.
وأضاف "الناس لا يصدقون حجم المشكلة. إنهم يرون سحابة صغيرة ويقولون الله موجود وسيرزقنا بالماء... ولكن الماء مشكلة اليمن رقم واحد."
#2#
وربما يبدو هذا زعما مذهلا نظرا لان البلاد تواجه أيضا صراعا في الشمال واضطرابات في الجنوب وتمردا من تنظيم القاعدة وفقرا مدقعا.
ولكن نقص المياه في مدينة عدن في الجنوب يزيد من العنف بالفعل. فقد قتل شخص بالرصاص وأصيب ثلاثة منهم اثنان من الشرطة خلال احتجاجات بسبب المياه يوم 24 أغسطس.
كما أن نضوب الطبقات الصخرية المائية سريعا يجعل محنة اليمن الأبرز في منطقة تعاني من نقص شديد في المياه. وربما تتحول النزاعات المحلية على حقوق استغلال المياه إلى العنف خاصة في المناطق القبلية. كما أن المنافسة على الإمدادات بين المدن والريف ربما تزيد حدة.
قال حسني خردجي رئيس البرنامج الإقليمي لإدارة المياه التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهو مقيم في القاهرة "يقل نصيب الفرد في اليمن من المياه عن مائة متر مكعب سنويا مقارنة بخط فقر المياه الذي يبلغ ألف متر مكعب."
#3#
وتقع كل الدول العربية باستثناء مصر والعراق ولبنان تحت خط فقر المياه والاتجاه السائد في المنطقة يسير نحو انخفاض كمية الأمطار ويلقى باللوم في ذلك على التغير المناخي.
وعلى عكس دول الخليج التي تملك ثروات كبيرة فان وضع اليمن أفقر الدول العربية لا يسمح له بسد الفجوة بين العرض والطلب من خلال التحلية. وأضاف خردجي "إنهم يفكرون في الأمر ولكن من الناحية الاقتصادية أشك جدا أن يتمكنوا من ذلك."
تحلية المياه وضخها لارتفاع يصل إلى 2000 متر إلى العاصمة سيكون مكلفا للغاية.
ويمكن نقل المياه إلى صنعاء من حوض آخر ولكن هذا ربما يشعل صراعا مع محافظات مجاورة تعاني أيضا من نقص شديد في المياه.
#4#
وتابع خردجي "هناك فكرة غير مقبولة سياسيا وهي نقل العاصمة لمكان آخر. أنا لا أتصور حدوث ذلك."
وصنعاء التي كانت قبل 50 عاما بلدة مسورة يسكنها نحو 50 ألف نسمة واحدة من أكثر المدن نموا في العالم إذ يبلغ معدل النمو السكاني الذي يصل لحد الانفجار نحو ثمانية في المائة سنويا طبقا لبيانات البنك الدولي منها خمسة في المائة نتيجة الهجرة من الريف.
وتجبر ندرة المياه الكثير من سكان القرى الفقراء على الانتقال إلى مدن اليمن حيث لا يتمكن سوى القليل من تحسين أحوال معيشتهم حتى على الرغم من أن من المتوقع منهم أن يرسلوا أموالا إلى ذويهم.
#5#
ومنذ السبعينات تحول اليمنيون سريعا من الاعتماد على الأمطار في الزراعة إلى الري باستخدام المياه التي يجرى ضخها من ابار جديدة وشجعت ذلك الحكومة والجهات المانحة الأجنبية التي ترغب في توسيع الإنتاج.
وتستهلك الزراعة أكثر من 90 في المائة من المياه المستخدمة ويخصص ثلث هذه الكمية لري حقول القات الذي أصبح جزءا من الحياة اليومية لأغلب اليمنيين.
ويرى جاك فان دير جون مدير المركز الدولي لتقييم موارد المياه الجوفية في هولندا أن سوء إدارة موارد المياه يمثل أحد الأسباب التي تجعل محنة اليمن أسوأ من دول مجاورة مثل سلطنة عمان.
وتتناقص موارد النفط في البلدين ولكن ثروة النفط العمانية يتقاسمها ثلاثة ملايين نسمة فقط مقارنة مع 23 مليون نسمة في اليمن وهو العدد الذي من المقرر أن يتضاعف خلال 20 عاما.
#6#
وقال فان دير جون "عمان مثال ايجابي للاستقرار والقيادة الكاريزمية لذا يسهل عليهم كثيرا السيطرة على مشكلات المياه لديهم. اليمن ليس فوضويا ولكنه يقترب من ذلك."
وعلى الرغم من سقوط أمطار عصرا في صنعاء فان المناطق الشمالية المرتفعة في اليمن تعاني من الجفاف منذ عامين.
قال رامون سكوبل وهو خبير في شؤون المياه في وكالة "جي.تي.زد" الألمانية للتنمية ويعمل في محافظة عمران إلى الشمال من العاصمة اليمنية "كانت الأمطار هذا العام ضعيفة ومتأخرة."
وأردف قائلا "القطاعات الريفية من شمال اليمن ربما تواجه المجاعة" مكررا التحذير الذي أطلقه عبد الكريم الارياني المستشار السياسي للرئيس علي عبد الله صالح في يونيو.
وقال سكوبل "لن ينتجوا موادهم الغذائية لعام آخر ولن يكونوا قادرين على حصد ما يكفي من البذور لزرعها مرة أخرى العام المقبل."
#7#
وبدأت الحكومة بدعم من جهات مانحة أجنبية تطبيق إستراتيجية شاملة لموارد المياه والري وإمدادات المياه والبيئة وبناء القدرات عام 2005 .
ولكن خبراء يصفون التنفيذ بأنه غير منتظم. وقال أبو حاتم من البنك الدولي إن هذا البرنامج كان إجراء مسكنا.
وتابع "لن يحل المشكلات بل سيخفف من وطأتها لكسب الوقت. الكارثة مقبلة لكننا
لا نعلم متى."







