الاثنين, 12 أكتوبر 2026|29 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أصدر الناشرون خلال الأشهر العشرة الماضية كتباً عن أزمة الائتمان بشيء قريب من الحماس والتكرار اللذين سبق للبنوك أن أصدرت بهما المنتجات المهيكلة. وبالنسبة إلى المنتجات المهيكلة، فإن كثيراً منها هي المادة ذاتها، لكن بعبوات ورزم جديدة.

خلفية أكبر أزمة مالية في حياتنا هذه تتضمن العلوم الإنسانية، والاقتصادية، والسياسية. ويعكف علماء الدراسات الإنسانية في العادة على دراسة القبائل في الأماكن النائية من العالم، لكن قليلين منهم الذين يوجهون انتباههم إلى القبائل التي تسكن في أيامنا هذه في مانهاتن السفلى وكناري وورف. وليس من قبيل الصدفة أن معلقة "فاينانشيال تايمز" التي تكتب حول عجز وفشل أسواق رأس المال، جليليان تيت، حائزة شهادة الدكتوراة في علم الإنسان (آنثربولوجي). ويبدأ كتابها الخاص بأصول هذه الأزمة، المعنون "ذهب المخبولين" Fools Gold، بأحد الطقوس لدى بوكا راتون.

إلى أن يتوافر لنا مزيد من الدراسات الميدانية، سنكون مضطرين للاعتماد على سجلات المشاركين التي يعدونها حول نشاطاتهم. وإذا بدأنا بكتاب مايكل لويس، "مذكي نار الكذاب"، فإن هناك فيضاً من الكتب في الوقت الراهن، تصف سلوك الجماعة المتعلق بالتداول، وهو سلوك مختلف للغاية عن الأعراف الخاصة بالنشاط اليومي أو التمويل التقليدي.

اثنتان من الروايات يقدمها لنا سيث فريدمان وتتسويا إيشيكاوا، وهما شابان انضما في بداية القرن إلى مؤسسات الحي المالي في لندن، المعتبرة والمخفية وراء ستار رقيق. وشأنهما شأن لويس، وجدا ثروة غير عادية يتبعها تضليل شديد للغاية. والفكرة التي تجمع بينهم فحواها أنهم أولاد يجمع بينهم السلوك السيئ. وتتنافس القصص المتعددة مع بعضها بعضا في أوصافها المسرفة لبهيمية وجشع ساكني منصات التداول.

الفصل العاشر من كتاب فريدمان، "التداول الصاخب"، حيث يفكر بعض هؤلاء الأفراد ملياً في دورهم في المجتمع، أمر يتجاوز المحاكاة التأليفية الساخرة. ويفسر أحد مديري صناديق التحوط كيف يستفيد الاقتصاد غير المالي من نشاطاته، من خلال عقد شركته الخاص بالمساج داخل الشركة. ويفاخر أحد المتداولين بعوائد الإفريقيين الذين ينظفون الحمامات. ويعبر عدد آخر عن الاعتقاد بأن أي شخص قادر على القيام بأعمالهم، من المؤكد أنه سيقوم بها فعلا.

يظهر هذا الأمر المضحك، بصورة جيدة، من خلال كتاب تتسويا إيشيكاوا، المعنون "كيف تسببتُ في الأزمة الائتمانية"، وهو ليس الكتاب الأفضل، لكنه يحمل العنوان الأفضل. وهناك أمور أكثر من كافية في رواية إيشيكاوا الأقرب إلى السيرة الشخصية، لصد هجوم دافعي الضرائب الذين يتولون سداد الفواتير هذه الأيام. وترتفع هذه الفواتير على المطاعم الراقية، حيث تناول المشاركون الوجبات التي يعدها مشاهير الطهاة، حتى أصيبوا بالتقيؤ. إنها فواتير تخص شباباً كانوا أذكياء، واضحي النطق، ممن يفهمون المنتجات المهيكلة المعقدة التي كانوا يبيعونها، أكثر بقليل من أولئك الذين كانوا يشترونها.

يقدم إيشيكاوا نظرة عميقة تتعلق بأحد الأسئلة التي تؤكد الأزمة: كيف استطاع أولئك الذين باعوا هذه المنتجات أن يكونوا بمثل قصر النظر الجشع هذا؟ ويقدم دان إميرجلك نظرة عميقة في سؤال آخر: كيف استطاع أولئك الذين اشتروها أن يكونوا بهذه الدرجة من الغباء؟ وكان إميرجلك، الصحافي المالي في "نيويورك تايمز"، ضحية لمقرضي الرهون العقارية المفترسين.

قوة هذه الروايات هي أنها تجعل من السهل التفكير في القول "لولا رحمة الله لهلكت". وأي خريج حديث التخرج تجرفه العاطفة ويندفع من الجامعة إلى العالم الحقيقي لمبيعات السندات، وأي مراسل إعلامي يعاني ويحاول أن يبدأ حياة جديدة بعد طلاق كلفه الكثير، يمكن أن يتورط في ذلك كمشارك، وليس كمتفرج. ويتجسد عدم العدالة في أن أندروز، وليس إيشيكاوا, هو الذي سيضطر إلى سداد الأموال.

على الرغم من أن الخبرات اليومية لإيشيكاوا وأندروز كانت مختلفة للغاية، إلا أن أساسيات الاقتصاد في العمل كانت نفسها. ويمكن للهندسة المالية، إلى وقت ما، توليد الثروة السرابية. ويمكن لتلك الثروة السرابية أن تمكّن رجال البنوك من تناول العشاء في مطاعم لم يكن بمقدورهم لولاها تحمل تكاليفها، كما أنها تمكّن المراسلين الصحافيين من شراء منازل كانت أثمانها بالتأكيد فوق قدراتهم المادية.

أما ريتشارد بونسر، فهو ظاهرة. فإضافة إلى كونه قاضياً اتحادياً في محكمة الاستئناف، وأكاديمياً قانونياً، فهو كذلك مؤلف غزير في طيف مدهش من الموضوعات. وليست لدى بونسر معرفة خاصة، أو خبرة في الأزمة الائتمانية. كذلك ليست لديه أفكار جديدة حول كيفية حل القضايا السياسية الناجمة عن الأحداث التي يصفها. غير أن أصل كتابه المعنون "إخفاق الرأسمالية" كان في صورة مدونة. ويشعر هذا المدون النشط والخلاق لدى استيقاظه كل صباح بوجود أفكار جديدة، كما يحس بإلحاح ضاغط بأن عليه توصيل ملاحظاته حول الشؤون العالمية إلى جمهور أوسع. وقليلون هم من لديهم المواظبة والانضباط لتحويل مدوناتهم اليومية إلى كتب سنوية، أو نصف سنوية. غير أن بونسر يفعل ذلك بينما يقدم رواية كفؤة للغاية للأحداث التي أدت إلى الأزمة الراهنة، مع تأكيد على المضمون السياسي والأيديولوجي.

غير أن هذا مضمون سياسي وأيديولوجي خاص للغاية، إذ يعشق بونسر الاقتصاد أكثر مما يعشقه معظم الاقتصاديين. وهو يشارك في مدونته جاري بيكر، وهما يقودان مدرسة شيكاغو الفكرية التي يحاول أعضاؤها تقديم تفسيرات اقتصادية لكل نوع من أنواع السلوك البشري.

رغم ذلك، الأزمة كانت بالنسبة إلى بونسر بمثابة "إخفاق للرأسمالية"، لكنها ليست إخفاقاً للرأسماليين. ويؤكد بونسر أن السلوك الرأسمالي الذي تسبب في أزمة الائتمان لم يكن غير عقلاني، أو غير ملائم. "لقد أدى المجموع التراكمي لهذه القرارات من جانب المؤسسات التي تركز على المصلحة الذاتية، إلى الأزمة الاقتصادية من خلال نوع من تأثير تتابع أحجار الدومينو التي يمكن للحكومات فقط أن تمنعها، بينما أخفقت في ذلك، وكان ذلك إخفاقاً حكومياً خطيراً".

هناك وجهة نظر كثيراً ما يتم التعبير عنها بين المشاركين في الأسواق المالية مفادها أننا لم نكن لنملأ البيت بالقاذورات أبداً، لو أن آباءنا راقبونا بصورة صحيحة. لكن ذلك لن يفيد. وإذا كان السلوك المبني على المصلحة الشخصية، ولم تضبطه، أو تحد منه إجراءات الدولة، يؤدي إلى كارثة اجتماعية واقتصادية، فإن ذلك لا يعني أن الأفراد والشركات التي تتورط في ذلك السلوك الأناني يجب أن تنجو من اللوم. ونحن لا نطبق ذلك المعيار على سائقي الشاحنات. إننا نتوقع منهم أن يقودوا شاحناتهم بأمان وبمهنية ونحملهم المسؤولية حين يؤدي إخفاقهم في ذلك إلى حوادث. وإذا قالوا "كان علينا أن نخفف السرعة"، فإن ذلك ليس عذراً. وليس من الواضح ما إذا كان علينا أن نخفض من توقعاتنا حين يتعلق الأمر بكبار تنفيذيي البنوك.

بالأهمية ذاتها، تلك الأحداث المؤدية إلى الأزمة الائتمانية لا تمثل سلوكاً عقلانياً قائماً على المصلحة الذاتية من جانب المؤسسات، بعيداً عن الأفراد المشاركين. والأمر الأهم هو أن معظم هذه المؤسسات مفلسة من الناحية الفعلية في الوقت الراهن. فيليب أوجار، العضو المنتدب السابق في مجموعة شرودر، الذي تحول إلى مؤلف، يضع في كتابه "مطاردة مخطط قياس الأداء" كلمات (افتراضية) في فم أندي هوربي، الرئيس التنفيذي لـ HBOS، الذي يمكن أن يكون قد قال لحملة الأسهم "انتظروا لدقيقة،. تمويل سوق الأموال هذه يمكن أن يختفي، وسوق الإسكان يمكن أن تهبط. سأقلص قيمة السهم، وأدعم تراكم الودائع، وعوائد السهم ستتراجع إلى النصف. فهل أنتم موافقون على ذلك؟" لكن لو فعل ذلك على صعيد الواقع، فإنه كان سيتلقى إجابة وقحة للغاية؛ نعم. لكن ما اقترحه كان يمكن أن يكون هو ما يجب فعله بصورة مؤكدة، كما أنه كان يمكن أن يكون الشيء المناسب للقيام به ضمن الجدول الزمني المتلاشي لما يسمى برامج التحفيز طويلة الأجل.

ليس من المهم، مع أن ذلك ذو علاقة بموقف بونسر الأيديولوجي، مناقشة ما إذا كانت الأنماط الناجمة عن السلوك المؤدي إلى المشاكل عقلانية. وتكشف الروايات المتعلقة بالسير الذاتية، إذا كنا بحاجة إلى التذكير، أن السلوك أمر يمكن تكييفه، إذ يتكيف الناس مع البيئة التي يجدون أنفسهم فيها. وكان ذلك صحيحاً فيما يتعلق بإيشيكاوا، وكذلك أندروز، وهورنبي. وحين كانت طفرة الائتمان على وشك الانفجار عام 2007، وصف تشك برنس الذي كان لا يزال رئيساً تنفيذياً لسيتي جروب، المعضلة بكلماته التي نتذكرها، في "فاينانشيال تايمز": "طالما يستمر عزف الموسيقى، فعليك النهوض والرقص".

أفضل وأشمل رواية حتى الآن، للجذور الاقتصادية للأزمة يمكن أن توجد، وربما بصورة غير متوقعة، في التقرير الصادر عن سلطة الخدمات المالية "مراجعة التنظيم المالي". ويظهر القلم الخاص المهذب للورد تيرنر في كثير من فقراته، وهو مؤلف كتاب "مجرد رأس المال" في 2001، الذي قدم في بداية التوسع الائتماني، ترحيباً مخففاً برأسمالية الأسواق الخاضعة للتنظيمات. ولسوء الحظ، تحليل تلك المراجعة الذي ينبغي أن ننطلق منه من مواقعنا الحالية، غير كاف، أو غير ملائم فيما يتعلق بتحليله لكيفية وصولنا إلى ما نحن فيه. غير أن ذلك يحملنا مباشرة إلى المنظور الأكثر أهمية، وهو المنظور السياسي.

لاحظ رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، وليم ماشنزي، الذي ترأس البنك المركزي في فترات أكثر استقراراً، أن مهمة جهة التنظيم هي "إبعاد وعاء الشراب لدى بدء الحفل"، وكذلك إيقاف الموسيقى التي شعر تشك برنس أنه مرغم على الرقص بسبب وجودها. ولم يكتف منظمو أيامنا هذه بعدم فعل ذلك، لكن لم يكونوا قادرين عليه، إذ إن اقتصادات الأسواق، وأمورها المتعلقة بعلم الإنسان، تتم فقط في إطار سياسي.

إنك لن تجد، كما تتوقع، أفضل تقدير لأبعاد الأزمة في كتاب "شبح الوليمة"، ذلك الكتاب الذي ألفه عالم السياسة المحترف، أندرو جامبل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كامبريدج. ولن تجده في كتاب "العاصفة" من تأليف السياسي الممارس، فنس كابل، عضو البرلمان الذي كان بصورة مستمرة الأكثر دقة والأعمق فكراً في تحليله للأزمة الائتمانية. إن هذه الكتب تحتوي على مادة مشوقة حول الخلفية الأيديولوجية وحول وستمنستر. وإذا كنت تبحث عن نظرة عميقة فعلية في البعد السياسي، فعليك أن تعود إلى أوجار، ذلك المصرفي الاستثماري السابق، وكذلك إلى مراسل هيئة الإذاعة البريطانية، باول مانسون، في كتابه "الانهيار".

يكرس كل من هذين الكاتبين فصولاً للتأثير الرئيسي في مجالات علم الإنسان، والاقتصاد، والسياسة، في العقدين الماضيين اللذين مرت بهما الأسواق المالية، حين برزت بنوك الاستثمار. وهناك تطوير موسع للغاية لهذا الطرح في كتاب أوجار السابق "تجار الجشع". وعندما كتب أنتوني سامبسون كتابه العظيم "تشريح بريطانيا" قبل نصف قرن من الزمن، واصفاً فيه تركيب المجتمع البريطاني، قدم فصله الخاص بالبنوك التجارية على أنها الذخيرة والأثر المقدس المهذب للعصر التجاري المنتهي. أما إس. جي. واربوغ الذي كان قادماً جديداً إلى لندن، فلم يسكت عن الأمور، وذلك بتحديه التقاليد المسترخية للمكاتب الفخمة.

لم يكن أي مراقب عارف بالأمور، ويكتب مثل هذا الكتاب في أيامنا هذه، ليعطي مساحة أوسع للكنيسة الإنجليزية، أو للبرلمان في ذلك الأمر، بأكثر مما أعطي للمؤسسات التي نسميها في هذه الأيام بنوك الاستثمار. وقد تم استبدال لوحات الأسماء النحاسية على الأبواب بأسماء البنوك الأمريكية والأوروبية، كما تم استبدال ممولي شركات أذكياء ومتداولين مندفعين تم اجتذابهم من مختلف أنحاء العالم بالنبلاء من ذوي الألقاب السامية الذين كانوا يحتلون غرف الطعام في وقت ما. وهذه المؤسسات هي أقوى سلطة سياسية على وجه الأرض.

كما قال كاتب العمود في "فاينانشيال تايمز"، جون جابر، في مراجعته العام الماضي لتاريخ شارلز إليس "اعتاد كثير من الناس على الاعتقاد بأن جولدمان ساكس كان يدير الاقتصاد الأمريكي. أما الآن فإننا نعرف أنه يقوم بذلك".

إذا أردت أن تفهم كيف أصبح الحي المالي في لندن يلعب مثل هذا الدور الرئيسي في الحياة الاقتصادية والسياسية البريطانية، ولماذا كان الانهيار أمراً حتمياً، ولماذا يتم حله على أسس تمنح الكثير، ولا توجه سوى القليل من الأسئلة للقطاع المالي، فإن هذا هو أهم شيء ينبغي عليك فهمه: تأثير البنوك الاستثمارية على الأمور السياسية والسياسات الحديثة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية